16/06/2026
📨 مضارّ الجوار في القانون التونسي وفقه قضاء محكمة التعقيب
تُعدّ مضارّ الجوار من أكثر النزاعات المدنية التصاقا بالحياة اليومية: ضجيج لا ينقطع، روائح خانقة، دخان، اهتزازات، تسرّب مياه، كشف على الملك، أشجار ملاصقة للجدار، ورشات داخل أحياء سكنية، أو بناءات تغيّر شروط الانتفاع العادي بالعقار. واللافت في هذا النوع من النزاعات أنّه لا يطرح فقط سؤالا تقنيا حول وجود ضرر من عدمه، بل يطرح سؤالا أعمق: **إلى أي حدّ يملك الشخص حرية استعمال ملكه دون أن يتحول هذا الاستعمال إلى اعتداء على راحة الجار أو صحته أو حقه في الانتفاع الهادئ بملكه؟**
في القانون التونسي، لا تُعالج مضار الجوار بوصفها مجرد صورة من صور المسؤولية المدنية التقليدية فحسب، بل بوصفها آلية لتحقيق التوازن بين حق الملكية من جهة، وحقوق الأجوار من جهة أخرى. فحق الملكية، رغم قوته ومكانته، ليس رخصة مفتوحة للإضرار بالغير. والجوار، في المقابل، لا يعني أن يفرض كل جار على الآخر نمطا مثاليا أو خاليا تماما من كل إزعاج. لذلك كان جوهر المسألة هو التمييز بين **المضار العادية التي يفرضها العيش المشترك** و**المضار غير المألوفة أو المتجاوزة للحد الاعتيادي** التي تستوجب تدخل القضاء.
# # أولا: الأساس القانوني لمضار الجوار في القانون التونسي
يقوم النظام القانوني لمضار الجوار أساسا على الفصلين 99 و100 من مجلة الالتزامات والعقود. فقد أقرّ المشرع للأجوار حق القيام ضد أصحاب الأماكن المضرة بالصحة أو المكدرة للراحة، وطلب إزالتها أو اتخاذ الوسائل اللازمة لرفع سبب المضرة. كما قرر صراحة أن الإجازة أو الرخصة المسندة لصاحب المكان لا تسقط حق الأجوار في القيام.
وهذه العبارة الأخيرة مهمّة جدا، لأنها تفصل بين مستويين:
المستوى الإداري، حيث يمكن لصاحب النشاط أو البناء أن يكون متحصلا على ترخيص من السلطة المختصة؛ والمستوى المدني، حيث يبقى للجار المتضرر حق مقاضاته إذا ثبت أن ذلك النشاط أو البناء ألحق به ضررا يتجاوز الحد المألوف.
أما الفصل 100 من مجلة الالتزامات والعقود فيرسم الحد المقابل: ليس كل ضرر أو إزعاج ناشئ عن الجوار قابلا للإزالة. فهناك مضار لا محيص عنها، مثل بعض الدخان أو الضجيج أو الحركة اليومية المعتادة، متى بقيت في حدودها الاعتيادية. ومن هنا يتضح أن المشرع لم يمنح الجار حقا في “جوار صامت تماما” أو “محيط بلا أي إزعاج”، بل منحه حقا في عدم تحمل مضار شاذة أو مفرطة أو غير مألوفة.
ويُستكمل هذا الإطار بأحكام المسؤولية المدنية العامة، خاصة الفصول المتعلقة بالفعل الضار والخطأ والعلاقة السببية، وبأحكام أخرى أكثر خصوصية من مجلة الحقوق العينية، مثل الأحكام المنظمة لغرس الأشجار قرب أرض الجار، وامتداد الأغصان والجذور، والكشف على ملك الجار، وميازيب السطوح، وحقوق الارتفاق القانونية.
# # ثانيا: المقصود بمضار الجوار
مضار الجوار هي الأضرار أو الإزعاجات التي تصدر عن عقار أو نشاط أو منشأة أو استعمال معيّن، وتلحق بجار أو أكثر ضررا في صحته أو راحته أو انتفاعه العادي بملكه. ولا يشترط أن يكون مصدر المضرة عملا غير مشروع في ذاته؛ فقد يكون النشاط مرخصا، وقد يكون البناء قائما على ملك صاحبه، وقد يكون الاستعمال في أصله مشروعا، لكن آثاره على الجار هي التي تجعله محل مؤاخذة مدنية.
وهنا تظهر خصوصية النظرية: فهي لا تنطلق دائما من سؤال “هل ارتكب المدعى عليه خطأ؟”، بل كثيرا ما تنطلق من سؤال “هل تحمّل الجار ضررا يفوق ما يجب احتماله عادة في علاقات الجوار؟”. لذلك يمكن أن تكون المضرة قائمة رغم غياب نية الإضرار، بل ورغم تمسك صاحب النشاط بأنه يستعمل حقه في ملكه.
ومع ذلك، لا بد من الحذر: لا يكفي مجرد الانزعاج الشخصي أو الإحساس الذاتي بعدم الارتياح. فالقاضي يبحث عن مضرة جدية، ثابتة، ومتصلة سببيا بمصدرها، ومتجاوزة لما يُقبل عادة بحسب طبيعة المكان والزمان والبيئة المحيطة.
# # ثالثا: التمييز بين المضرة العادية والمضرة غير المألوفة
هذا التمييز هو قلب دعوى مضار الجوار. فالجوار في مدينة مكتظة لا يُقاس دائما بنفس معيار الجوار في منطقة ريفية هادئة. والضجيج الصادر نهارا عن محل تجاري لا يُعامل بالضرورة مثل الضجيج الليلي المتواصل. والروائح أو الانبعاثات الناتجة عن نشاط صناعي في منطقة مهيأة لذلك لا تُقدّر بنفس معيار نشاط مماثل داخل حي سكني.
لذلك يعتمد القاضي عادة على جملة عناصر، منها:
**طبيعة المنطقة:** هل هي سكنية، تجارية، صناعية، فلاحية، أو مختلطة؟
**زمن المضرة:** هل تحدث نهارا أم ليلا؟ بصفة عرضية أم مستمرة؟
**درجة المضرة:** هل هي بسيطة ومحتملة أم شديدة ومؤثرة على الصحة أو الراحة؟
**استمرارية المضرة:** هل هي ظرفية عابرة أم دائمة أو متكررة؟
**إمكانية تفاديها:** هل يمكن لصاحب النشاط أن يتخذ وسائل فنية معقولة لرفعها أو الحد منها؟
**الأثر الواقعي:** هل ترتب عنها ضرر ثابت، كتصدعات أو تسربات أو روائح أو ضجيج يتجاوز المألوف؟
ولا يُفترض أن كل مخالفة عمرانية أو كل بناء مخالف يساوي تلقائيا مضرة جوار. فالمخالفة الإدارية قد تكون قرينة أو عنصرا من عناصر النقاش، لكنها لا تعفي المدعي من إثبات الضرر المدني إذا كان طلبه مؤسسا على رفع مضار الجوار.
# # رابعا: شروط القيام بدعوى مضار الجوار
تقوم دعوى مضار الجوار على مجموعة شروط عملية وقانونية.
# # # 1. وجود علاقة جوار
لا يلزم أن تكون المجاورة بمعنى الالتصاق التام دائما، بل يكفي أن يكون المدعي ضمن الدائرة المتأثرة بالمضرة. فقد يكون الضرر صادرا عن محل ملاصق، أو عن نشاط قريب، أو عن منشأة تؤثر في العقارات المجاورة بحكم الصوت أو الرائحة أو الدخان أو المياه أو الاهتزازات.
غير أن مجرد البعد الجغرافي أو عدم تأثر المدعي فعليا قد يؤدي إلى رفض الدعوى لانتفاء المصلحة أو العلاقة السببية.
# # # 2. وجود مضرة ثابتة
المضرة لا تُفترض في دعوى الفصل 99 من مجلة الالتزامات والعقود إلا إذا وجدت قاعدة خاصة تجعلها مفترضة. في الأصل، على المدعي أن يثبت أن هناك ضررا حقيقيا، لا مجرد احتمال بعيد أو تخوف عام.
وقد تكون المضرة مادية، كتصدع جدار أو تسرّب مياه أو إتلاف أجزاء من عقار. وقد تكون مضرة راحة، كضجيج مستمر أو روائح خانقة أو دخان كثيف. وقد تكون مضرة صحية متى ثبت أن النشاط أو المكان من شأنه المساس بالصحة أو خلق ظروف غير سليمة.
# # # 3. تجاوز الحد الاعتيادي
هذا الشرط هو ما يميز مضار الجوار عن المضايقات اليومية. فالحياة المشتركة تفرض قدرا من التسامح. لكن متى تجاوز الضرر الحد المألوف، انتقل من دائرة التحمل الاجتماعي إلى دائرة المسؤولية المدنية.
# # # 4. العلاقة السببية
يجب أن تكون المضرة ناتجة عن فعل المدعى عليه أو عقاره أو نشاطه. فإذا تعددت الأسباب، كأن تتداخل مياه الأمطار مع مياه السقي أو عيب قديم في البناء مع فعل الجار، وجب على المحكمة أن تبحث السبب الحقيقي ونسبة تأثير كل عنصر.
وهذا من أهم ما شددت عليه محكمة التعقيب في فقه قضائها الحديث: لا يكفي إثبات وجود ضرر، بل يجب تحديد سببه وطريقة رفعه بما يتناسب مع مصدره.
# # # 5. أن يكون طلب رفع المضرة موجها إلى سببها لا إلى آثارها فقط
هناك فرق بين رفع سبب المضرة وتعويض آثارها. فإذا كان سبب المضرة هو آلة تحدث ضجيجا، فرفع المضرة يكون بتغيير مكانها أو عزلها أو إيقافها أو اتخاذ الوسائل الفنية للحد من صوتها. أما إصلاح الضرر الذي وقع فعلا، كترميم جدار أو تعويض خسائر، فهو طلب تعويضي يخضع لمنطق جبر الضرر.
وهذا التفريق مهم جدا في صياغة عريضة الدعوى. فطلب “رفع المضرة” يجب أن يكون محددا ومتصلا بالسبب المباشر للمضرة، لا أن يتحول إلى طلب عام أو غامض.
# # خامسا: أثر الرخصة الإدارية في دعوى مضار الجوار
من أكثر الدفوع تداولا في هذه القضايا أن يتمسك المدعى عليه بأنه متحصل على رخصة إدارية، كرخصة بناء أو رخصة استغلال أو ترخيص بلدي. غير أن هذا الدفع لا يكفي وحده لرد دعوى الجار.
فالرخصة تعني، في الأصل، أن الإدارة سمحت بالنشاط أو بالبناء وفق شروط معينة. لكنها لا تعني أن صاحب الرخصة أصبح بمنأى عن المسؤولية المدنية إذا سبب ضررا خاصا للغير. وقد كرس المشرع هذا المعنى صراحة عندما نص على أن الإجازة المعطاة لأصحاب الأماكن لا تسقط حق الأجوار في القيام.
وقد سار فقه قضاء محكمة التعقيب في نفس الاتجاه، فاعتبر أن وجود الترخيص الإداري لا يمنع الجار المتضرر من طلب رفع المضرة متى ثبتت شروطها. وهذا موقف متوازن: فهو لا يهدر قيمة الرخص الإدارية، لكنه يمنع تحويلها إلى حصانة مطلقة ضد حقوق الأجوار.
# # سادسا: مخالفة التراتيب العمرانية ليست وحدها كافية
إذا كان وجود الرخصة لا يمنع الدعوى، فإن غياب الرخصة أو مخالفة التراتيب العمرانية لا يكفيان دائما وحدهما لقبول دعوى مضار الجوار. فقد يكون البناء مخالفا عمرانيا، لكن الجار لا يثبت ضررا شخصيا ومحققا. في هذه الصورة، قد يكون للسلطة الإدارية أو البلدية شأن في المخالفة، لكن الدعوى المدنية المؤسسة على مضار الجوار تحتاج إلى إثبات المضرة.
وقد أكدت محكمة التعقيب في قرارها عدد 72017 لسنة 2020 أن مخالفة التراتيب العمرانية لا تكون أساسا لدعوى رفع المضرة إلا إذا ترتب عنها ضرر ثابت ومحقق. وهذا التوجه يمنع الخلط بين دعوى مراقبة الشرعية العمرانية، التي لها مسالكها الإدارية أو الجزائية أو البلدية، وبين دعوى مضار الجوار، التي مناطها الضرر المدني الخاص.
# # سابعا: فقه قضاء محكمة التعقيب في مضار الجوار
لم يكتف فقه قضاء محكمة التعقيب بترديد الفصلين 99 و100، بل أسهم في ضبط معايير تطبيقهما. ويمكن إبراز أهم التوجهات في النقاط التالية.
# # # 1. الرخصة الإدارية لا تمنع القيام
في القرار التعقيبي المدني عدد 70821 لسنة 1999، برز مبدأ واضح: الترخيص الإداري لا يسقط حق المجاورين في القيام لرفع المضرة. وهذا تطبيق مباشر لروح الفصل 99 من مجلة الالتزامات والعقود. فالقاضي المدني لا يراجع الرخصة الإدارية في ذاتها، لكنه ينظر في آثار النشاط أو المكان على الجار المتضرر.
# # # 2. دعوى مضار الجوار لا تسقط بمرور الزمن إذا كان الضرر مستمرا
في القرار التعقيبي عدد 61982 لسنة 2018، اعتبرت محكمة التعقيب أن دعوى مضار الجوار لا تسقط بمرور الزمن طالما أن الضرر موضوعها مستمر ومتواصل بتواصل سببه. هذا التوجه مهم جدا، لأنه يميز بين ضرر وقع وانقضى، وبين مضرة يومية أو مستمرة يتجدد أثرها بتجدد سببها.
ومع ذلك، ينبغي التمييز عمليا بين طلب رفع المضرة المستمرة، وبين طلبات التعويض عن أضرار ماضية قد تثير نقاشا خاصا حول الآجال والقواعد العامة للتقادم.
# # # 3. مخالفة التراتيب العمرانية لا تكفي دون ضرر ثابت
في القرار التعقيبي عدد 72017 لسنة 2020، شددت محكمة التعقيب على أن مخالفة التراتيب العمرانية لا تؤسس وحدها دعوى رفع المضرة إلا إذا نشأ عنها ضرر ثابت ومحقق. ويُفهم من هذا أن القاضي لا يحكم برفع المضرة لمجرد وجود إخلال إداري، بل يجب أن يتحقق من أثر ذلك الإخلال على الجار.
# # # 4. التناسب بين وسيلة رفع المضرة وحجم الضرر
في القرار التعقيبي المدني عدد 73037 المؤرخ في 10 فيفري 2021، اتجهت محكمة التعقيب إلى ضرورة التثبت من تناسب طريقة رفع المضرة مع الضرر الثابت ومع نسبة مسؤولية المدعى عليه، خاصة عندما تتداخل عوامل طبيعية وبشرية في إحداث الضرر.
وهذا المبدأ بالغ الأهمية. فرفع المضرة لا يعني اختيار الحل الأشد أو الأكثر كلفة آليا، بل يقتضي البحث عن الحل الأنسب والأقل إرهاقا، بشرط أن يكون فعالا في إزالة سبب الضرر. فإذا أمكن رفع المضرة بإجراء فني محدود، فلا موجب للذهاب إلى إزالة كلية أو هدم أو إجراء مبالغ فيه. أما إذا كان لا يمكن رفعها إلا بإزالة المصدر، فقد يكون ذلك مبررا.
# # # 5. الكشف على ملك الجار يخضع لقواعد خاصة
في مسائل النوافذ والشرفات والمطلات، لا يجب دائما اللجوء مباشرة إلى الفصل 99 من مجلة الالتزامات والعقود، لأن مجلة الحقوق العينية خصصت أحكاما دقيقة للكشف على ملك الجار، خاصة بالفصول 172 و173 و174 و175.
وقد اعتبرت محكمة التعقيب في قرارات تتعلق بالفصل 174 من مجلة الحقوق العينية أن المشرع ضبط مسافات معينة للمطلات والنوافذ والشرفات، وأن مخالفة هذه المسافات يمكن أن تؤدي إلى إزالة الوضعية المخالفة. وفي قرار تعقيبي مدني عدد 26031 لسنة 1992، ورد أن عبارة “لا يجوز” الواردة بالفصل 174 تفيد المنع البات، وأن الضرر في هذه الحالة يكون مفترضا قانونا، فلا يحتاج الجار إلى إثبات ضرر مستقل مثلما هو الشأن في دعوى مضار الجوار العادية.
وهذا التفريق عملي جدا:
إذا كان النزاع حول نافذة أو شرفة أو مطل مخالف للمسافات القانونية، فالسند الأقرب قد يكون مجلة الحقوق العينية. أما إذا كان النزاع حول ضجيج أو روائح أو دخان أو نشاط مضر بالصحة أو مكدّر للراحة، فالفصلان 99 و100 من مجلة الالتزامات والعقود هما الأساس الطبيعي.
# # ثامنا: الإثبات في دعاوى مضار الجوار
الإثبات هو عصب هذا النوع من القضايا. وكثير من الدعاوى لا تسقط لأن الفكرة القانونية ضعيفة، بل لأنها لم تُبن على مؤيدات كافية.
من أهم وسائل الإثبات:
**محاضر المعاينة بواسطة عدل تنفيذ** لإثبات وجود النشاط أو الوضعية أو الانبعاثات أو آثار الضرر.
**الاختبار العدلي** خاصة في التصدعات، التسربات، الاهتزازات، الضجيج، الروائح، أو الأضرار الفنية.
**الشهادات** متى كانت متعلقة بوقائع مادية قابلة للإثبات بالبينة.
**الوثائق الإدارية** مثل الرخص، قرارات البلدية، التنابيه، محاضر المخالفات، أو المراسلات.
**التقارير الطبية أو الفنية** إذا كانت المضرة تمس الصحة أو السلامة.
**الصور والتسجيلات والمعاينات المتكررة** متى احترمت قواعد الإثبات ولم تمس بحقوق الغير.
لكن يجب الانتباه إلى أن الخبير لا يحل محل القاضي. فالخبير يصف الحالة الفنية ويقترح وسائل، أما القاضي فهو الذي يكيّف الوقائع قانونيا، ويتحقق من توفر المضرة، والعلاقة السببية، وتناسب طريقة رفعها.
# # تاسعا: الجزاء القضائي في مضار الجوار
عندما تثبت المضرة، لا يكون الجزاء واحدا في كل الحالات. للقاضي أن يحكم بما يناسب طبيعة الضرر وسببه، ومن ذلك:
**إزالة المكان أو المنشأة المضرة** إذا لم يكن رفع المضرة ممكنا إلا بذلك.
**اتخاذ وسائل فنية** مثل العزل الصوتي، تغيير اتجاه منفذ، تركيب مصفاة، إصلاح قنوات، تحويل مجرى مياه، إبعاد آلة، أو تنظيم نشاط.
**إلزام المدعى عليه بقطع أشجار أو أغصان أو جذور** متى كان النزاع داخلا في أحكام مجلة الحقوق العينية.
**سدّ نوافذ أو تعديل مطلات** عند مخالفة قواعد الكشف على ملك الجار.
**التعويض المالي** إذا ثبت حصول ضرر مادي أو معنوي مستقل.
**الإذن بإجراء اختبار أو اختبار تكميلي** متى تعذر الحسم دون رأي فني.
والأصل أن يكون الحكم موجها إلى رفع سبب المضرة لا إلى معاقبة الجار. فالقضاء المدني ليس مجالا للانتقام من الجار المزعج، بل مجال لإعادة التوازن بين انتفاعين متعارضين: انتفاع صاحب الملك بملكه، وانتفاع الجار بملكه في ظروف عادية ومقبولة.
# # عاشرا: كيف تُصاغ الدعوى بصورة فعّالة؟
من الناحية العملية، من الأفضل أن تُبنى عريضة دعوى مضار الجوار على خطة واضحة:
أولا، تحديد صفة القائم ومصلحته وعلاقته بالعقار المتضرر.
ثانيا، وصف مصدر المضرة بدقة: محل، ورشة، بناء، آلة، قناة مياه، شجرة، نافذة، شرفة، مدخنة، أو غير ذلك.
ثالثا، بيان طبيعة المضرة: صحية، مادية، مكدّرة للراحة، أو ماسّة بالانتفاع العادي.
رابعا، إبراز تجاوزها للحد الاعتيادي، لا مجرد وجود إزعاج.
خامسا، تقديم مؤيدات جدية، وخاصة المعاينات والاختبارات عند الاقتضاء.
سادسا، صياغة الطلبات بوضوح: رفع المضرة، اتخاذ وسيلة معينة، إجراء اختبار، التعويض، أو الجمع بين هذه الطلبات عند توفر شروطها.
سابعا، الانتباه إلى السند القانوني المناسب: مجلة الالتزامات والعقود في المضار العامة، ومجلة الحقوق العينية في مسائل الارتفاق والكشف والمغروسات والميازيب.
والصياغة الجيدة لا تكتفي بعبارة عامة مثل “رفع مضار الجوار”، بل توضّح ما هو سبب المضرة وما الوسيلة المطلوبة لرفعه، لأن الغموض قد يؤدي إلى حكم غير قابل للتنفيذ أو إلى رفض الدعوى لعدم قيام الدليل الكافي.
# # خاتمة
إن قانون مضار الجوار في تونس يقوم على فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: **لكل شخص أن يستعمل ملكه، لكن دون أن يجعل من هذا الاستعمال عبئا غير مألوف على جاره**. وقد وفّق المشرع، عبر الفصلين 99 و100 من مجلة الالتزامات والعقود، بين حق الأجوار في الحماية من المضار الصحية والمكدرة للراحة، وبين ضرورة تحمل المضايقات العادية التي لا تخلو منها الحياة المشتركة.
أما محكمة التعقيب فقد لعبت دورا حاسما في تهذيب النظرية: أكدت أن الرخصة الإدارية لا تمنع القيام، وأن المضرة المستمرة لا تُعامل كضرر منقضٍ، وأن مخالفة التراتيب العمرانية لا تكفي دون ضرر ثابت، وأن طريقة رفع المضرة يجب أن تكون متناسبة مع الضرر وسببه. كما ميّز فقه القضاء بين دعوى مضار الجوار العادية وبين القواعد الخاصة المنصوص عليها بمجلة الحقوق العينية، خاصة في الكشف على ملك الجار والمغروسات والميازيب.
وبذلك لم تعد مضار الجوار مجرد نزاع بسيط بين جارين، بل أصبحت مجالا دقيقا تتقاطع فيه المسؤولية المدنية، وحق الملكية، والتراتيب العمرانية، وقواعد الارتفاق، ومبدأ التناسب. والقاضي في النهاية لا يبحث عن جار “منتصر” وآخر “مهزوم”، بل عن حل يعيد إلى علاقة الجوار حدّها المعقول: لا تعسف في استعمال الملك، ولا مبالغة في رفض ما تفرضه الحياة المشتركة من مضايقات عادية.
---
# # المراجع المعتمدة
1. وزارة العدل التونسية، صفحة “مجلات قانونية”، وتتضمن الإحالة إلى مجلة الالتزامات والعقود ومجلة الحقوق العينية. ([Ministère de la Justice][1])
2. مجلة الالتزامات والعقود، الفصول 82 و83 المتعلقة بالفعل الضار والخطأ، والفصول 96 إلى 100 وخاصة الفصلين 99 و100 المتعلقين بمضار الجوار، والفصل 103 المتعلق باستعمال الحق وما قد ينشأ عنه من ضرر فادح. ([WRCATI][2])
3. مجلة الحقوق العينية، الفصول 167 إلى 176 المتعلقة بسيلان المياه، وغرس الأشجار قرب أرض الجار، وامتداد الأغصان والجذور، والكشف على ملك الجار، والمطلات والنوافذ والشرفات، وميازيب السطوح. ([WRCATI][3])
4. قرار تعقيبي مدني عدد 70821 مؤرخ في 24 ديسمبر 1999، مضار الجوار، رفع المضرة، أثر الترخيص الإداري، الفصل 99 من مجلة الالتزامات والعقود. ([Diwan][4])
5. قرار تعقيبي عدد 61982 مؤرخ في 30 ماي 2018، دعوى مضار الجوار لا تسقط بمرور الزمن متى كان الضرر مستمرا ومتواجدا بتواصل سببه. ([Diwan][5])
6. قرار تعقيبي عدد 72017 مؤرخ في 13 أكتوبر 2020، أركان دعوى رفع مضار الجوار، ومبدأ أن مخالفة التراتيب العمرانية لا تكون أساسا لدعوى رفع المضرة إلا إذا ترتب عنها ضرر ثابت ومحقق. ([Diwan][6])
7. قرار تعقيبي مدني عدد 10339 مؤرخ في 24 ماي 1984، كشف على ملك الجار، شروط التكشف، وتطبيق الفصلين 174 و175 من مجلة الحقوق العينية. ([Diwan][7])
8. قرار تعقيبي مدني عدد 26031 مؤرخ في 12 أكتوبر 1992، كشف على ملك الجار، الفصل 174 من مجلة الحقوق العينية، واعتبار المنع الوارد بعبارة “لا يجوز” منعا باتا يترتب عنه افتراض الضرر قانونا. ([Diwan][8])
9. بديع بن عباس وحاتم بن جماعة، “مبدأ التناسب في فقه قضاء محكمة التعقيب بتونس”، المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات، 2022، وخاصة ما ورد بشأن قرار تعقيبي مدني عدد 73037 مؤرخ في 10 فيفري 2021 المتعلق برفع المضرة والتناسب بين طريقة رفعها والضرر الثابت ونسبة المسؤولية. ([idea.int][9])
[1]: https://www.justice.gov.tn/index.php?id=223 "وزارة العدل : مجلات قانونية"
[2]: https://wrcati.cawtar.org/preview.php?ID=268&type=law "مجلــة الالتـزامات والعقــود"
[3]: https://wrcati.cawtar.org/preview.php?ID=13&type=law "مـجـلـة الحقوق العينية"
[4]: https://www.diwan.tn/document/card/5908fbf1-f17f-4774-8aa4-6c305625fe00 " ديوان | وثائق | قرار تعقيبي مدني عدد 70821 لسنة 1999 مضار الجوار - رفع المضرة - وجود الرخصة الإدارية - مجلة الإلتزامات و العقود م ا ع : فصل 99 - "
[5]: https://www.diwan.tn/document/card/decbe2a6-aad2-4ba5-a026-0a7ce03ffd2d " ديوان | وثائق | قرار تعقيبي عدد 61982 لسنة 2018 مدني عام - دعوى مضار الجوار لا تسقط بمرور الزمن ضرورة أن الضرر موضوعها مستمر ومتواجد بتواصل سببه "
[6]: https://www.diwan.tn/document/card/fd12075a-1076-40dc-80d7-275ab9bfc6b7 " ديوان | وثائق | قرار تعقيبي عدد 72017 لسنة 2020 - مضار جوار - أركان دعوى رفع مضار جوار - مخالفة التراتيب العمرانية لا تكون أساسا لدعوى رفع المضرة إلا اذا ترتب عنها ضرر ثابت ومحقق "
[7]: https://www.diwan.tn/document/card/4426de68-d15e-4d22-9935-e21bba296417 " ديوان | وثائق | قرار تعقيبي مدني عدد 10339 لسنة 1984 كشف على ملك الجار - عقار - شروط التكشف - بناء - قانون : عدد 05 مؤرخ فى 12/02/1965 فصل 174 "
[8]: https://www.diwan.tn/document/card/38fb4483-6a73-4bb0-9afe-343c614de997 " ديوان | وثائق | قرار تعقيبي مدني عدد 26031 لسنة 1992 ملك - مضرة - ملك الجار - الكشف على ملك الجار - عدم الاجازة - "
[9]:https://www.idea.int/sites/default/files/publications/principle-of-proportionality-in-the-case-law-ar.pdf "The Principle of Proportionality in the Case Law of the Tunisian Court of Cassation"