22/07/2026
https://www.facebook.com/share/p/1DECZTcUhv/
مسؤولية الشركة التونسية للكهرباء والغاز في التعويض المالي لمن تضرر من جراء انقطاع التيار الكهربائي
دراسة في القانون التونسي
⸻
المقدمة
أصبحت الطاقة الكهربائية في العصر الحديث من أهم المرافق الأساسية التي تقوم عليها حياة الأفراد ونشاط المؤسسات الاقتصادية والإدارية، فلم يعد استعمالها مقتصراً على الإنارة أو تشغيل الأجهزة المنزلية، بل أصبحت ضرورة لا غنى عنها في مختلف القطاعات الحيوية، كالصناعة والتجارة والصحة والتعليم والاتصالات. وقد أدى هذا التطور إلى ازدياد المسؤولية الملقاة على عاتق الشركة التونسية للكهرباء والغاز باعتبارها الجهة المكلفة بإنتاج ونقل وتوزيع الطاقة الكهربائية في كامل تراب الجمهورية.
ولا يقتصر دور الشركة على توفير الكهرباء فحسب، وإنما يمتد إلى ضمان استمرارية الخدمة وجودتها واحترام المعايير الفنية التي تكفل سلامة الأشخاص والممتلكات. لذلك فإن أي انقطاع غير مشروع أو غير مبرر للتيار الكهربائي قد تترتب عنه أضرار جسيمة تمس الأفراد والمؤسسات، كتلف المعدات الكهربائية، وتعطل النشاط الاقتصادي، وفساد المواد الغذائية، بل وقد يصل الأمر إلى وفاة أشخاص يعتمد بقاؤهم على أجهزة طبية تعمل بالطاقة الكهربائية.
وتزداد أهمية هذا الموضوع بالنظر إلى تنامي عدد النزاعات القضائية المتعلقة بالأضرار الناتجة عن انقطاع الكهرباء، وما يثيره ذلك من إشكاليات حول مدى مسؤولية الشركة التونسية للكهرباء والغاز، والأساس القانوني لهذه المسؤولية، وشروط استحقاق التعويض، وحدود إمكانية تمسك الشركة بالقوة القاهرة أو السبب الأجنبي لنفي مسؤوليتها.
وتتمثل إشكالية هذه الدراسة في الإجابة عن السؤال التالي:
إلى أي مدى تلتزم الشركة التونسية للكهرباء والغاز بتعويض الأضرار الناجمة عن انقطاع التيار الكهربائي؟ وما هي الشروط القانونية لقيام مسؤوليتها المدنية، وهل يمكن أن تمتد هذه المسؤولية إلى المجال الجزائي في بعض الصور؟
وسنعتمد للإجابة عن هذه الإشكالية المنهج التحليلي، من خلال دراسة النصوص القانونية المنظمة للمسؤولية المدنية في مجلة الالتزامات والعقود، والنصوص الخاصة المنظمة للشركة التونسية للكهرباء والغاز، مع الاستئناس باجتهادات القضاء التونسي وبعض التطبيقات المقارنة.
⸻
الباب الأول
الأساس القانوني لمسؤولية الشركة التونسية للكهرباء والغاز
الفصل الأول
الطبيعة القانونية للشركة والتزاماتها
تُعد الشركة التونسية للكهرباء والغاز مؤسسة عمومية تضطلع بإدارة مرفق عام ذي أهمية استراتيجية، يتمثل في إنتاج ونقل وتوزيع الكهرباء والغاز. ورغم تمتعها بالشخصية القانونية والاستقلال المالي، فإنها تبقى خاضعة للمبادئ الأساسية التي تحكم سير المرافق العامة، وعلى رأسها مبدأ الاستمرارية، ومبدأ المساواة بين المنتفعين، ومبدأ قابلية المرفق للتطور.
ويترتب عن ذلك أن العلاقة بين الشركة والمشترك ليست علاقة واقعية مجردة، وإنما هي علاقة قانونية تنشأ بموجب عقد الاشتراك في التزود بالكهرباء، وهو عقد يرتب حقوقاً والتزامات متبادلة.
فمن جهة، يلتزم المشترك بدفع معلوم الاستهلاك واحترام الشروط الفنية للاستغلال، ومن جهة أخرى تلتزم الشركة بتوفير الكهرباء بصفة منتظمة وآمنة، وبالجودة التي تقتضيها المواصفات الفنية، مع التدخل السريع عند وقوع الأعطال.
ولا يقتصر هذا الالتزام على مجرد إيصال الكهرباء، وإنما يشمل كذلك المحافظة على سلامة الشبكة الكهربائية وصيانتها الدورية، واتخاذ جميع الاحتياطات اللازمة لمنع وقوع الأضرار التي يمكن أن تصيب الأشخاص أو الممتلكات نتيجة سوء توزيع الطاقة أو الانقطاع المفاجئ أو اضطراب الجهد الكهربائي.
ومن ثم فإن الإخلال بهذه الالتزامات يمكن أن يرتب مسؤولية الشركة متى ثبت أن الانقطاع لم يكن راجعاً إلى قوة قاهرة أو سبب أجنبي لا يد لها فيه.
الفصل الثاني
الأساس القانوني للمسؤولية المدنية
تقوم مسؤولية الشركة التونسية للكهرباء والغاز على أحد أساسين قانونيين بحسب طبيعة العلاقة التي تربطها بالمتضرر.
أولاً: المسؤولية العقدية
إذا كان المتضرر مشتركاً في شبكة الكهرباء، فإن العلاقة بينه وبين الشركة تخضع لعقد الاشتراك، ويعتبر الانقطاع غير المبرر أو الإخلال بجودة الخدمة إخلالاً بالتزام عقدي، متى أثبت المتضرر أن الشركة لم تنفذ التزاماتها طبقاً لما يفرضه العقد والقانون.
ويترتب عن ذلك حق المشترك في المطالبة بالتعويض عن جميع الأضرار المباشرة والمتوقعة التي كانت نتيجة طبيعية لهذا الإخلال، وذلك عملاً بالقواعد العامة الواردة بمجلة الالتزامات والعقود.
ثانياً: المسؤولية التقصيرية
أما إذا أصاب الضرر شخصاً لا تربطه بالشركة علاقة تعاقدية، كالمارة أو الجيران أو أصحاب المحلات المتضررة من سقوط الأسلاك أو اضطراب الشبكة، فإن المسؤولية تقوم على أساس الفعل الضار.
وتستوجب هذه المسؤولية توافر ثلاثة أركان رئيسية:
* الخطأ.
* الضرر.
* العلاقة السببية بينهما.
ويتمثل الخطأ في الإهمال أو التقصير في صيانة الشبكة أو اتخاذ الاحتياطات الفنية اللازمة، أما الضرر فيجب أن يكون محققاً ومباشراً، في حين يتعين إثبات أن هذا الضرر كان نتيجة مباشرة لخطأ الشركة.
وقد استقر القضاء التونسي على أن الشركة تتحمل المسؤولية متى ثبت أن الضرر كان نتيجة تقصيرها في صيانة تجهيزاتها أو في إدارة شبكة التوزيع، ولا يكفي مجرد وقوع الانقطاع لإقامة المسؤولية، بل يجب إثبات العلاقة السببية بين الانقطاع والضرر المدعى به.
ي
شروط استحقاق التعويض عن الأضرار الناجمة عن انقطاع التيار الكهربائي
يقوم الحق في التعويض على مبدأ أساسي في القانون المدني مفاده أن كل من تسبب بخطئه في إلحاق ضرر بالغير يلتزم بجبره. غير أن مجرد حصول انقطاع في التيار الكهربائي لا يكفي قانوناً لإلزام الشركة التونسية للكهرباء والغاز بالتعويض، وإنما يجب توافر مجموعة من الشروط التي يقتضيها القانون العام للمسؤولية المدنية.
وينقسم هذا الباب إلى فصلين: يتناول الأول أركان المسؤولية المدنية، بينما يعالج الثاني أنواع الأضرار القابلة للتعويض.
⸻
الفصل الأول
أركان مسؤولية الشركة التونسية للكهرباء والغاز
المبحث الأول
الخطأ المنسوب إلى الشركة
يُعد الخطأ الركن الأساسي في المسؤولية المدنية، ويتمثل في إخلال الشركة بالتزام قانوني أو تعاقدي كان من شأن احترامه أن يمنع وقوع الضرر.
وفي مجال توزيع الكهرباء، قد يتخذ الخطأ صوراً متعددة، من أهمها:
* التقصير في صيانة الشبكات الكهربائية.
* عدم إصلاح الأعطال خلال أجل معقول رغم العلم بها.
* سوء مراقبة الضغط الكهربائي بما يؤدي إلى احتراق الأجهزة.
* الانقطاع المتكرر وغير المبرر للتيار الكهربائي.
* عدم اتخاذ الاحتياطات الفنية اللازمة أثناء الأشغال أو عمليات الصيانة.
ويتعين التمييز بين الانقطاع الناجم عن إهمال الشركة والانقطاع الناتج عن ظروف استثنائية لا يمكن توقعها أو دفعها، كالفيضانات أو الزلازل أو بعض الحوادث الخارجية التي تشكل قوة قاهرة.
ولذلك فإن الشركة لا تتحمل المسؤولية متى أثبتت أن الانقطاع كان نتيجة سبب أجنبي لا يد لها فيه، أما إذا ثبت أن الضرر كان نتيجة سوء تنظيم المرفق أو ضعف الصيانة أو التأخر في التدخل، فإن مسؤوليتها تقوم كاملة.
كما أن القضاء التونسي يميل إلى تشديد واجب الحيطة المفروض على الشركة بالنظر إلى خطورة النشاط الذي تمارسه، باعتبار أن الكهرباء من الأشياء التي قد تهدد سلامة الأشخاص والممتلكات إذا لم يقع التحكم فيها وفق القواعد الفنية.
⸻
المبحث الثاني
الضرر والعلاقة السببية
لا يكفي إثبات الخطأ وحده، بل يجب أن يثبت المتضرر وجود ضرر حقيقي ومباشر، وأن يكون هذا الضرر نتيجة مباشرة لانقطاع التيار الكهربائي أو لاضطرابه.
ويقصد بالضرر كل مساس بحق أو بمصلحة مشروعة، سواء كان مادياً أو معنوياً أو جسدياً.
كما يشترط أن يكون:
* محققاً وليس احتمالياً.
* مباشراً.
* شخصياً لرافع الدعوى.
* قابلاً للتقدير المالي.
أما العلاقة السببية فهي العنصر الذي يربط بين خطأ الشركة والضرر اللاحق بالمتضرر.
فإذا أثبتت الشركة أن احتراق الجهاز كان سببه عيب داخلي فيه، أو أن التلف ناتج عن سوء الاستعمال، أو أن الضرر كان سيقع حتى في غياب الانقطاع، فإن العلاقة السببية تنتفي، وبالتالي تنتفي مسؤوليتها.
أما إذا أثبتت الخبرة الفنية أن الانقطاع المفاجئ أو اضطراب الجهد الكهربائي هو السبب المباشر في التلف، فإن الشركة تصبح ملزمة بجبر الضرر.
ولهذا السبب تعتمد المحاكم بصورة كبيرة على التقارير الفنية والخبرة القضائية لإثبات العلاقة السببية.
⸻
الفصل الثاني
الأضرار القابلة للتعويض
المبحث الأول
الأضرار المادية
تعد الأضرار المادية أكثر صور الضرر انتشاراً في القضايا المتعلقة بانقطاع الكهرباء.
ومن أبرزها:
* احتراق الثلاجات.
* تلف أجهزة التلفاز.
* تعطل الحواسيب.
* احتراق مكيفات الهواء.
* تلف آلات المصانع.
* تعطل المصاعد.
* احتراق المضخات الكهربائية.
* تلف التجهيزات الطبية.
* فساد الأغذية المحفوظة بالتبريد.
ويشمل التعويض في هذه الحالة:
* قيمة إصلاح الجهاز.
* أو قيمته السوقية إذا تعذر إصلاحه.
* مصاريف الخبرة.
* المصاريف الضرورية التي أنفقها المتضرر بسبب الضرر.
وقد يقضي القاضي أيضاً بتعويض إضافي إذا ثبت أن الضرر تسبب في تعطيل نشاط المتضرر أو حرمه من الانتفاع بممتلكاته مدة معينة.
⸻
المبحث الثاني
الأضرار التجارية والاقتصادية
يترتب عن انقطاع الكهرباء في كثير من الأحيان خسائر مالية جسيمة بالنسبة للتجار والمؤسسات الصناعية والخدمية.
ومن أبرز الأمثلة:
* فساد المواد الغذائية.
* تلف الأدوية.
* توقف خطوط الإنتاج.
* تعطل آلات المصانع.
* توقف المخابز.
* توقف المطاعم.
* توقف المصحات الخاصة.
* ضياع البيانات الإلكترونية.
* خسارة الحرفاء.
* إلغاء العقود التجارية.
وفي هذه الحالات يمكن المطالبة بالتعويض عن:
* الخسارة الفعلية.
* الكسب الفائت متى ثبت بصورة يقينية.
* المصاريف الإضافية التي تحملها المتضرر بسبب الانقطاع.
ولا يكفي الادعاء بوجود خسائر، بل يجب إثباتها بواسطة وسائل قانونية، مثل:
* الفواتير.
* الدفاتر المحاسبية.
* تقارير الخبراء.
* شهادات المحاسبين.
* عقود البيع التي تعذر تنفيذها.
* الوثائق البنكية.
وقد استقر القضاء على أن الأرباح الافتراضية أو المحتملة لا تُعوض إلا إذا ثبت أنها كانت مؤكدة الوقوع لولا الخطأ المنسوب إلى الشركة.
⸻
المبحث الثالث
الأضرار الجسدية والوفاة
قد يكون الضرر الناتج عن انقطاع الكهرباء بالغ الخطورة عندما يتعلق بحياة الإنسان.
ومن أبرز الأمثلة:
* وفاة مريض يعتمد على جهاز الأوكسجين.
* توقف أجهزة التنفس الاصطناعي.
* تعطل أجهزة تصفية الدم.
* تعطل أجهزة الإنعاش داخل المصحات.
* تعطل المصاعد بما يترتب عنه إصابات.
وفي مثل هذه الحالات، لا يقتصر التعويض على الأضرار المادية، بل يشمل:
* الضرر البدني.
* الضرر الأدبي.
* مصاريف العلاج.
* فقدان مورد الرزق.
* تعويض الورثة عند الوفاة.
بل إن مسؤولية الشركة قد تتجاوز الجانب المدني إلى المسؤولية الجزائية إذا ثبت أن الوفاة أو الإصابة كانت نتيجة إهمال جسيم أو تقصير واضح في صيانة الشبكة أو في التدخل لإصلاح الأعطال، مع توافر أركان الجريمة المنصوص عليها بالقانون الجزائي.
ويستخلص من ذلك أن نطاق التعويض في القانون التونسي لا يقتصر على تلف الأجهزة الكهربائية، وإنما يمتد إلى كل ضرر محقق ومباشر يثبت أنه نتج عن إخلال الشركة بالتزاماتها القانونية أو التعاقدية.
الباب الثالث
الإجراءات القانونية للمطالبة بالتعويض والتطبيقات القضائية
تثير الدعاوى الرامية إلى إلزام الشركة التونسية للكهرباء والغاز بالتعويض عن الأضرار الناتجة عن انقطاع التيار الكهربائي جملة من الإشكاليات العملية، أهمها كيفية إثبات الخطأ والضرر والعلاقة السببية، والإجراءات الواجب اتباعها قبل وأثناء التقاضي. لذلك يكتسي هذا الباب أهمية خاصة، إذ يبرز الوسائل القانونية المتاحة للمتضرر وأهم التوجهات القضائية في هذا المجال.
⸻
الفصل الأول
إجراءات المطالبة بالتعويض
المبحث الأول
المعاينة وإثبات الضرر
تُعد المعاينة الفورية للأضرار من أهم مراحل المطالبة بالتعويض، لأن نجاح الدعوى يتوقف في كثير من الأحيان على سلامة وسائل الإثبات.
ولهذا يستحسن أن يبادر المتضرر، فور وقوع الانقطاع وما ترتب عنه من أضرار، إلى اتخاذ جملة من الإجراءات، من بينها:
* إعلام الشركة التونسية للكهرباء والغاز بالحادثة في أقرب الآجال.
* طلب معاينة فنية للأضرار.
* الاحتفاظ بالأجهزة المتضررة وعدم إصلاحها قبل المعاينة، كلما أمكن ذلك.
* توثيق الأضرار بالصور أو مقاطع الفيديو.
* الاحتفاظ بفواتير اقتناء الأجهزة وفواتير الإصلاح أو عروض الأسعار.
* جمع شهادات الشهود عند الاقتضاء، خاصة إذا شمل الانقطاع عدداً من المشتركين في نفس المنطقة.
وفي الحالات التي تشمل خسائر تجارية، ينبغي تدعيم الملف بالوثائق المحاسبية التي تثبت قيمة البضائع التالفة أو الخسائر الناتجة عن توقف النشاط.
⸻
المبحث الثاني
رفع الدعوى أمام القضاء
إذا لم تستجب الشركة لمطلب التعويض، أو رفضت مسؤوليتها، جاز للمتضرر اللجوء إلى المحكمة المختصة للمطالبة بجبر الضرر.
ويتعين أن تتضمن صحيفة الدعوى:
* بيان الوقائع.
* تحديد تاريخ ومدة الانقطاع.
* بيان طبيعة الضرر.
* تحديد قيمة التعويض المطلوب.
* عرض الأساس القانوني للمطالبة.
* إرفاق وسائل الإثبات.
وللمحكمة، إذا رأت أن الملف يستوجب تحقيقاً فنياً، أن تأذن بإجراء خبرة قضائية يعهد بها إلى خبير مختص في الكهرباء أو في تقييم الأضرار.
وتُعد الخبرة من أهم وسائل الإثبات، إذ تساعد المحكمة على تحديد:
* سبب الانقطاع.
* مدى وجود خلل في شبكة التوزيع.
* قيمة الأضرار.
* العلاقة السببية بين الانقطاع والضرر.
ولا تكون المحكمة ملزمة برأي الخبير، إلا أن تقارير الخبرة غالباً ما يكون لها تأثير كبير في تكوين قناعة القاضي.
⸻
الفصل الثاني
التطبيقات القضائية لمسؤولية الشركة
كرّس القضاء التونسي مبدأ مفاده أن الشركة التونسية للكهرباء والغاز، رغم إدارتها لمرفق عام، لا تتمتع بحصانة من المسؤولية المدنية، وإنما تخضع للقواعد العامة متى ثبت خطؤها.
وقد اعتبرت محكمة التعقيب أن الشركة تتحمل مسؤولية الأضرار الناجمة عن إهمالها في صيانة الشبكات الكهربائية أو ترك تجهيزاتها في حالة تشكل خطراً على الأشخاص أو الممتلكات، باعتبار أن واجب السلامة يفرض عليها اتخاذ جميع التدابير الفنية اللازمة لتفادي وقوع الضرر.
كما استقر القضاء على أن مجرد وقوع الضرر لا يكفي للحكم بالتعويض، بل يجب على المدعي إثبات أن الضرر كان نتيجة مباشرة للخلل المنسوب إلى الشركة، وهو ما يبرز أهمية الخبرة الفنية في هذا النوع من النزاعات.
وفي المقابل، أقر القضاء بحق الشركة في التمسك بالقوة القاهرة أو السبب الأجنبي لنفي مسؤوليتها، متى أثبتت أن الانقطاع كان ناتجاً عن ظروف استثنائية لا يمكن توقعها أو دفعها، أو عن فعل الغير، أو عن خطأ المتضرر نفسه.
ومن التطبيقات العملية التي يمكن أن تثير مسؤولية الشركة:
* احتراق الأجهزة المنزلية نتيجة اضطراب الجهد الكهربائي.
* تلف التجهيزات الصناعية بسبب انقطاع مفاجئ للتيار.
* فساد المواد الغذائية في المحلات التجارية.
* توقف المصاعد وإصابة مستعمليها.
* تعطل الأجهزة الطبية بالمصحات أو بالمنازل.
وفي جميع هذه الصور، يخضع تقدير التعويض للسلطة التقديرية للمحكمة، التي تراعي حجم الضرر ومدى ثبوته والعلاقة السببية.
⸻
الخاتمة
يتبين من خلال هذه الدراسة أن الشركة التونسية للكهرباء والغاز، بصفتها المكلفة بإدارة مرفق عام حيوي، تتحمل التزاماً قانونياً يتمثل في ضمان استمرارية التزود بالطاقة الكهربائية وفق المعايير الفنية التي تكفل سلامة الأشخاص والممتلكات.
وعلى الرغم من أن انقطاع التيار الكهربائي قد يكون في بعض الأحيان نتيجة ظروف استثنائية لا يمكن دفعها، فإن ذلك لا يعفي الشركة من المسؤولية متى ثبت أن الانقطاع أو اضطراب التيار كان راجعاً إلى تقصيرها في الصيانة أو في إدارة الشبكة أو في اتخاذ الاحتياطات اللازمة.
كما أن القواعد العامة للمسؤولية المدنية الواردة بمجلة الالتزامات والعقود تتيح للمتضرر المطالبة بالتعويض عن مختلف الأضرار المادية والتجارية والجسدية، شريطة إثبات الخطأ والضرر والعلاقة السببية. وقد أكد القضاء التونسي هذا الاتجاه من خلال تحميل الشركة المسؤولية كلما ثبت إخلالها بواجب السلامة أو بالتزاماتها تجاه المشتركين أو الغير.
وتبرز أهمية الخبرة الفنية باعتبارها الوسيلة الرئيسية لإثبات سبب الضرر وتحديد قيمته، وهو ما يجعلها عنصراً حاسماً في هذا النوع من الدعاوى