26/08/2026
اختصاصات مؤسسات الـ Fintech في تونس وحدود تتبع الأشخاص والشركات:
# # مقدمة
أدى التطور التكنولوجي المتسارع إلى ظهور مؤسسات ومنصات مالية رقمية أصبحت تؤدي أدوارًا كانت في السابق حكرًا على المؤسسات البنكية والمالية التقليدية. وأصبحت خدمات الدفع الإلكتروني، والتحويلات الرقمية، والاستعلام الائتماني، والتعرف الإلكتروني على الحريف، والخدمات المالية المبتكرة، جزءًا من المشهد المالي التونسي.
غير أن استعمال مصطلح **Fintech** لا يعني وجود شخص معنوي يتمتع، بمجرد اكتساب هذه الصفة، بسلطات عامة في التتبع أو التحقيق أو العقاب. فالبنك المركزي التونسي يعتبر أن الـFintech هي ابتكار مالي قائم على التكنولوجيا، كما يميز بين الـFintech وبين المؤسسات المالية الخاضعة لترخيص خاص. ويؤكد صراحة أن المؤسسة لا تصبح «مؤسسة دفع» إلا بالحصول على اعتماد من البنك المركزي التونسي. ([fintech.bct.gov.tn][2])
ومن هنا تطرح مسألة أساسية: **ما هي صلاحيات مؤسسة الـFintech في مواجهة الأشخاص والشركات؟ وهل تستطيع تتبعهم أو معاقبتهم؟ وما حدود تدخل البنك المركزي التونسي والسلطات القضائية؟**
# # أولًا: الطبيعة القانونية لمؤسسة الـFintech
لا توجد في تونس، من الناحية القانونية، مؤسسة موحدة تسمى «مؤسسة Fintech» تتمتع باختصاصات عامة في المجال المالي.
فالـFintech هي قبل كل شيء **نموذج تكنولوجي أو نشاط مبتكر في المجال المالي**، ويمكن أن يتخذ عدة صور قانونية.
وقد يكون النشاط متعلقًا بالدفع الإلكتروني، وفي هذه الحالة يمكن أن يخضع لنظام مؤسسات الدفع المنظم بمقتضى القانون عدد 48 لسنة 2016 المتعلق بالبنوك والمؤسسات المالية، إضافة إلى النصوص الترتيبية الصادرة عن البنك المركزي التونسي. ويشير موقع BCT-Fintech رسميًا إلى القانون عدد 48 لسنة 2016 والمنشور عدد 2018-61 ضمن الإطار التنظيمي لمؤسسات الدفع. ([fintech.bct.gov.tn][3])
وقد تكون الـFintech شركة ناشئة تقدم حلًا تكنولوجيًا دون أن تمارس بنفسها نشاطًا ماليًا خاضعًا للاعتماد. وفي هذه الحالة لا يمكن منحها تلقائيًا صلاحيات بنك أو مؤسسة مالية.
كما أوجد البنك المركزي التونسي **Sandbox réglementaire** تسمح باختبار الحلول المالية المبتكرة في بيئة محدودة وتحت رقابة البنك المركزي، دون أن تتحول هذه الآلية إلى وسيلة للتحايل على القوانين والتراتيب النافذة. ([fintech.bct.gov.tn][4])
# # ثانيًا: أهم الاختصاصات التي يمكن أن تمارسها الـFintech
تختلف اختصاصات المؤسسة بحسب طبيعة نشاطها وترخيصها.
# # # 1. خدمات الدفع الإلكتروني
تستطيع مؤسسة الدفع المرخص لها ممارسة خدمات الدفع التي يسمح بها الإطار القانوني والتنظيمي، بما في ذلك الخدمات الرقمية المرتبطة بالدفع والحسابات ووسائل الدفع، بحسب نطاق اعتمادها.
والقاعدة الأساسية هي أن ممارسة النشاط المالي المنظم لا تستمد مشروعيتها من كون الشركة تكنولوجية أو مبتكرة، وإنما من **الترخيص أو الاعتماد القانوني اللازم**.
# # # 2. التعرف على الحريف والتحقق من هويته
من أهم وظائف المؤسسات المالية الرقمية تطبيق إجراءات **اعرف حريفك KYC**.
وتشمل هذه الإجراءات التثبت من هوية الشخص الطبيعي أو المعنوي، ومعرفة طبيعة نشاطه، والتحقق من الأشخاص الذين يتصرفون لحساب الشركة، وكذلك المستفيد الحقيقي من العمليات.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إذ تفرض المنظومة القانونية واجبات متعلقة بالتثبت من هوية الحرفاء والمستفيدين الحقيقيين وتسجيل المعطيات اللازمة. ([Tunisie - Legal Databases][5])
# # # 3. مراقبة العمليات المالية
يمكن للمؤسسة الخاضعة للمنظومة الرقابية أن تضع أنظمة تقنية لرصد العمليات غير العادية أو المشبوهة، مثل العمليات المتكررة بصورة غير معتادة، أو العمليات التي لا تتناسب مع النشاط المصرح به، أو استعمال حسابات متعددة بصورة تثير مخاطر امتثال.
وهنا يجب التمييز بين **المراقبة الداخلية** و**التحقيق القضائي**.
فالمؤسسة تستطيع مراقبة العمليات في إطار واجبات الامتثال وإدارة المخاطر، لكنها لا تتحول بذلك إلى جهاز قضائي.
# # # 4. التصريح بالعمليات والمعاملات المسترابة
إذا كانت الـFintech من المؤسسات أو المهن الخاضعة قانونًا لواجبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، فإنها تكون مطالبة بتطبيق منظومة الكشف والتصريح وفق النصوص المنظمة لذلك.
وقد وضعت اللجنة التونسية للتحاليل المالية مبادئ توجيهية للمهن المالية تتعلق بكشف العمليات والمعاملات المسترابة والتصريح بها. ([Tunisie - Legal Databases]
وبالتالي فإن المؤسسة لا تقوم، في الأصل، بـ«إدانة» الحريف، وإنما تقوم برصد مؤشرات الاشتباه وتطبيق واجباتها القانونية في التصريح والامتثال.
# # ثالثًا: هل تستطيع الـFintech تتبع الشخص الطبيعي؟
هنا يجب التمييز بين **التتبع الداخلي** و**التتبع القضائي**.
فالـFintech تستطيع، في حدود القانون والعقد المبرم مع الحريف، أن:
* تطلب الوثائق اللازمة لإثبات الهوية؛
* تتحقق من مصدر الأموال عند توفر مقتضى قانوني أو مؤشرات تستوجب ذلك؛
* ترفض أو تعلق عملية معينة في الحالات التي يسمح بها القانون أو التنظيم؛
* تطلب معلومات إضافية من الحريف؛
* تغلق أو تعلق الحساب وفق الشروط القانونية والتعاقدية؛
* تحتفظ بالسجلات والبيانات المطلوبة قانونًا؛
* تصرح بالعمليات المشبوهة عندما تكون خاضعة لهذا الالتزام.
لكنها **لا تملك صفة الضابطة العدلية ولا سلطة إصدار أحكام جزائية**.
وبعبارة أخرى، فإن المؤسسة تستطيع أن تقول:
> «هذه العملية تثير شبهة تستوجب إجراءات الامتثال والتصريح.»
ولكن لا تستطيع أن تستبدل القضاء فتقول:
> «هذا الشخص مرتكب لجريمة غسل أموال.»
فالفرق بين العبارتين جوهري من الناحية القانونية.
# # رابعًا: كيف يمكن تتبع الشركات؟
بالنسبة للشركات، يمكن أن تكون إجراءات الرقابة أكثر تعقيدًا، لأن التثبت لا يقتصر على الشركة كشخص معنوي.
فالمؤسسة المالية الرقمية يمكن أن تطلب، بحسب طبيعة العلاقة والالتزامات القانونية، معلومات تتعلق بـ:
1. الهوية القانونية للشركة؛
2. مقرها ونشاطها؛
3. ممثليها القانونيين؛
4. المديرين والمسيرين؛
5. الشركاء والمساهمين؛
6. المستفيد الحقيقي **Beneficial Owner**؛
7. طبيعة العمليات المالية؛
8. مصدر الأموال ووجهتها عندما تقتضي القواعد ذلك.
وتكتسي معرفة المستفيد الحقيقي أهمية خاصة في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وبالتالي فإن استعمال شركة كواجهة لإجراء عمليات مالية لا يمنع المؤسسة من البحث عن الشخص الطبيعي الذي يقف وراءها، في حدود الصلاحيات القانونية وقواعد حماية المعطيات والسر المهني.
# # خامسًا: ماذا يحدث عند اكتشاف عملية مشبوهة؟
عند وجود مؤشرات جدية، لا يعني ذلك أن الـ Fintech # تستطيع مباشرة إقامة دعوى جزائية بنفسها باعتبارها سلطة تحقيق.
بل تتدرج الإجراءات بحسب طبيعة المؤسسة والنظام القانوني الذي تخضع له.
يمكن أن تبدأ المسألة بإجراءات داخلية للامتثال، ثم قد يقع تعليق العملية أو اتخاذ تدابير أخرى يسمح بها القانون، ثم التصريح بالاشتباه إلى الجهة المختصة عندما يكون التصريح واجبًا.
وتتولى **اللجنة التونسية للتحاليل المالية CTАF** الدور المنوط بها في مجال تحليل التصاريح والمعطيات المالية طبقًا للمنظومة القانونية لمكافحة وتمويل #الإرهاب.
أما عندما يتعلق الأمر بشبهة جريمة اقتصادية أو مالية معقدة، فإن الاختصاص ينتقل إلى السلطات القضائية المختصة.
# # سادسًا: دور البنك المركزي التونسي
يختلف دور البنك المركزي التونسي جذريًا عن دور مؤسسة الـFintech الخاصة.
فالبنك المركزي هو سلطة رقابية وتنظيمية بالنسبة للمؤسسات الخاضعة لاختصاصه، في حين أن الـFintech الخاصة تكون، بحسب طبيعة نشاطها، خاضعة للترخيص والرقابة والقواعد التنظيمية المناسبة.
وقد وضع البنك المركزي التونسي آليات خاصة لمرافقة الابتكار المالي، من بينها **BCT-Fintech وSandbox réglementaire وBCT-Lab**، مع التأكيد على أن هذه الآليات لا تلغي الالتزامات القانونية. ([fintech.bct.gov.tn
ومن ثم يمكن للبنك المركزي، في الحالات التي يحددها القانون، ممارسة صلاحيات رقابية وتأديبية تجاه المؤسسات الخاضعة له.
فعلى سبيل المثال، ينص الإطار القانوني الخاص ببعض الأنشطة المالية على إمكانية تسليط عقوبات عند الإخلال بالواجبات المهنية أو متطلبات السلامة.
وفي مجال الاستعلام الائتماني، يقرر المرسوم عدد 2 لسنة 2022 المتعلق بتنظيم نشاط الاستعلام الائتماني آليات للعقوبات وسحب الترخيص بالنسبة للشركات المعنية عند وجود إخلالات مستوجبة لذلك. ([Tunisie - Legal Databases
# # سابعًا: حدود سلطة الـFintech في معاقبة الحرفاء
من الأخطاء القانونية الشائعة اعتبار أن المؤسسة المالية الرقمية تستطيع «معاقبة» الحريف بالمعنى الجزائي.
فالجزاءات التي يمكن أن تتخذها المؤسسة في علاقتها بالحريف تكون أساسًا:
* رفض عملية؛
* تعليق خدمة؛
* تجميد أو تقييد استعمال خدمة في الحالات القانونية؛
* إنهاء العلاقة التعاقدية وفق القانون والعقد؛
* المطالبة بالمبالغ المستحقة قضائيًا؛
* أو التصريح بالاشتباه للجهة المختصة عندما يفرض القانون ذلك.
أما **السجن والخطايا الجزائية والمصادرة وغيرها من العقوبات الجزائية** فهي من اختصاص القضاء طبقًا للقانون.
# # ثامنًا: التتبع القضائي للأشخاص والشركات
إذا كشفت المعطيات المالية عن شبهة جريمة، فقد تتحول المسألة من مجرد علاقة تعاقدية أو إجراء امتثال إلى ملف قضائي.
وتشمل الجرائم المحتملة، بحسب الوقائع والنصوص المنطبقة، جرائم غسل الأموال، تمويل الإرهاب، الجرائم المتعلقة بالصرف، الاحتيال، استعمال أنظمة الدفع بصورة غير مشروعة، أو جرائم اقتصادية ومالية أخرى.
وقد نص القانون الأساسي المتعلق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي على اختصاصه في الجرائم الاقتصادية والمالية المعقدة والجرائم المتصلة بها، ومن بينها الجرائم المتعلقة بالصرف والسوق المالية والبنوك والمؤسسات المالية والأنشطة التجارية والاقتصادية. كما أن إحالة الملف إلى القطب تتم بواسطة النيابة العمومية وفق الإجراءات القانونية.
وبالتالي فإن المسار القانوني يمكن تبسيطه على النحو التالي:
**الحريف/الشركة → المؤسسة المالية أو الـFintech → إجراءات الامتثال → التصريح عند الاقتضاء → الجهات المختصة → النيابة العمومية → القضاء المختص.**
وهذا التسلسل مهم جدًا لأنه يمنع الخلط بين **الرقابة المالية** و**التحقيق الجزائي**.
# # تاسعًا: مسؤولية مسيري الـFintech
لا تقتصر المسؤولية القانونية على الشركة كشخص معنوي.
فقد تثار مسؤولية المسيرين أو المسؤولين عن الامتثال عندما يثبت، بحسب النص المنطبق والوقائع، وجود إخلال بالواجبات القانونية أو التنظيمية.
ومن أهم المجالات التي يمكن أن تنشأ فيها المسؤولية:
* عدم احترام قواعد التثبت من الهوية؛
* عدم تطبيق إجراءات العناية الواجبة؛
* إخفاء أو عدم معالجة مخاطر غسل الأموال؛
* عدم حفظ الوثائق والمعطيات التي يفرض القانون الاحتفاظ بها؛
* مخالفة قواعد حماية المعطيات؛
* ممارسة نشاط مالي خاضع للترخيص دون الحصول عليه؛
* تقديم خدمات تتجاوز نطاق الترخيص؛
* أو المشاركة الفعلية في عمليات غير مشروعة.
وتبقى المسؤولية الشخصية مرتبطة بإثبات الأفعال والعناصر القانونية للجريمة أو المخالفة، ولا تقوم لمجرد كون الشخص مديرًا أو مساهمًا في الشركة.
# # عاشرًا: الفرق بين الرقابة والتتبع والعقوبة
يمكن تلخيص المنظومة القانونية في ثلاثة مستويات:
| المستوى الرقابة الداخلية | الـFintech أو المؤسسة المالية
KYC، مراقبة العمليات، إدارة المخاطر
| الرقابة التنظيمية | البنك المركزي أو الجهة الرقابية المختصة | الترخيص، التفقد، الرقابة والعقوبات التنظيمية بحسب النشاط |
| التتبع الجزائي | النيابة العمومية والقضاء التحقيق والتتبع والحكم بالعقوبات الجزائية
وهذا التقسيم ضروري حتى لا يتم تحميل مؤسسة الـFintech اختصاصات ليست لها.
خاتمة
إن مؤسسة الـFintech في تونس ليست جهازًا قضائيًا ولا تتمتع، لمجرد استعمالها للتكنولوجيا المالية، بسلطة عامة في تتبع الأشخاص والشركات.
والقاعدة القانونية الأساسية هي أن اختصاص الـFintech يتحدد بالنشاط الذي تمارسه وبالترخيص أو الاعتماد الذي تحصل عليه وبالنصوص المنظمة لذلك النشاط**.
فإذا كانت المؤسسة تمارس نشاط دفع خاضعًا للترخيص، فإنها تخضع للمنظومة الرقابية للبنك المركزي التونسي. وإذا كانت من الجهات الخاضعة لمنظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، فإنها تلتزم بإجراءات التثبت والمراقبة والتصريح بالعمليات المسترابة.
أما لتحقيق الجزائي والتتبع والمحاكمة وإصدار العقوبات الجزائية، فهي اختصاصات للسلطات القضائية وفق القانون.
ومن ثم فإن العلاقة بين الـFintech والحريف لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها علاقة «سلطة وعقاب»، وإنما باعتبارها علاقة مالية وتعاقدية تخضع لمنظومة متشابكة من **الترخيص والرقابة والامتثال ومكافحة غسل الأموال وحماية المعطيات، ثم التدخل القضائي عند وجود شبهة جريمة.
وهذه التفرقة تصبح أكثر أهمية في ظل توسع الخدمات المالية الرقمية، لأنها تحقق التوازن بين هدفين متلازمين: **حماية النظام المالي من الجرائم والمخاطر المالية، وحماية الأشخاص والشركات من التعسف في استعمال البيانات أو الإجراءات الرقابية خارج الحدود التي رسمها القانون.
www.benammarlawfirm.com
https://wa.me/+21698651169