20/07/2026
العلم في جريمة غسل الأموال: أين تنتهي القرينة ويبدأ اليقين ؟
من بين النصوص التي تستوقف الباحث في القانون الجزائي، يبرز الفصل 95 من القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015 المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال، باعتباره من النصوص التي تجمع بين التجريم وتشديد العقاب، وتثير إشكالًا دقيقًا يتعلق بحدود الركن المعنوي الواجب إثباته.
فالنص يقرر أنه إذا كانت الجريمة الأصلية التي تولدت عنها الأموال أشد عقوبة من جريمة غسل الأموال، فإن مرتكب غسل الأموال يعاقب بعقوبة تلك الجريمة “إذا كان على علم بها”.
وللوهلة الأولى قد تبدو العبارة واضحة، غير أن آثارها القانونية عميقة للغاية، لأنها قد تنقل المتهم من عقوبة غسل الأموال إلى عقوبة جريمة أخرى أشد خطورة، وهو ما يفرض قراءة دقيقة للنص في ضوء مبادئ الشرعية الجزائية وقرينة البراءة.
وهنا يطرح السؤال نفسه:
هل يكفي أن يكون المتهم يعلم بأن الأموال غير مشروعة؟ أم يجب أن يثبت أنه كان يعلم أيضًا بالجريمة الأصلية التي أفرزت تلك الأموال؟
في تقديري، لا يتعلق الفصل 95 بقيام جريمة غسل الأموال، وإنما يتعلق بظرف قانوني يؤدي إلى تشديد العقوبة، والفرق بين الأمرين جوهري.
فالركن المعنوي اللازم لقيام جريمة غسل الأموال يتمثل في علم الفاعل بالطبيعة غير المشروعة للأموال، مع اتجاه إرادته إلى إخفاء مصدرها أو تمويهها أو إدماجها في الدورة الاقتصادية.
أما الفصل 95، فقد أضاف عنصرًا جديدًا، يتمثل في العلم بالجريمة الأصلية. فالمشرع لم يكتف بالقول إن الأموال متأتية من جريمة أشد، بل اشترط صراحة أن يكون مرتكب غسل الأموال “على علم بها”.
ولو كان المقصود مجرد العلم بعدم مشروعية الأموال، لما كان هناك موجب لإضافة هذه العبارة، إذ إن هذا العلم هو أصلًا من أركان جريمة غسل الأموال.
ومن المبادئ المستقرة في القانون الجزائي أن المشرع لا يضع عبارة بلا أثر قانوني، وأن كل لفظ ورد في النص يفترض أنه قصد به إنشاء حكم جديد، لا مجرد التكرار.
ومن ثم، فإن عبارة “إذا كان على علم بها” لا يمكن إفراغها من مضمونها، بل يجب منحها أثرها الكامل، باعتبارها شرطًا مستقلًا لتطبيق العقوبة الأشد.
ويترتب عن ذلك أن عبء إثبات هذا العلم يقع بكامله على النيابة العمومية، ولا يجوز استخلاصه من مجرد الظنون أو الافتراضات، لأن الأمر يتعلق بظرف يؤدي إلى تشديد العقوبة، وليس بمجرد عنصر من عناصر التجريم.
وقد استقر القضاء الفرنسي منذ سنوات على أن جريمة غسل الأموال جريمة مستقلة عن الجريمة الأصلية.
ففي قرار 20 فيفري 2008 (Cass. crim., n° 07-82.977)، أقرت محكمة النقض الفرنسية أن الإدانة من أجل غسل الأموال لا تستوجب صدور حكم سابق في الجريمة الأصلية، وإنما يكفي إثبات أن الأموال متأتية من جناية أو جنحة.
وفي قرار 9 ديسمبر 2015 (Cass. crim., n° 15-83.204)، أكدت المحكمة أن غسل الأموال جريمة مستقلة يمكن أن تقوم حتى في مواجهة مرتكب الجريمة الأصلية نفسه (Auto-blanchiment)، وهو ما يكرس استقلال الركنين المادي والمعنوي لكل من الجريمتين.
كما اعتبرت في قرار 18 مارس 2020 (Cass. crim., n° 18-85.542) أن مجرد إدخال الأموال غير المشروعة في النظام البنكي يشكل عملية “توظيف” تكفي لقيام الركن المادي لجريمة غسل الأموال.
غير أن هذه الأحكام، رغم أهميتها، لا تعني أن العلم المطلوب لتشديد العقوبة في الفصل 95 يمكن افتراضه، بل على العكس، فإن استقلال جريمة غسل الأموال عن الجريمة الأصلية يقتضي التمييز بين العلم اللازم لقيام الجريمة والعلم اللازم لتشديد العقوبة.
فإذا كان المشرع التونسي قد أراد الاكتفاء بمجرد العلم بعدم مشروعية الأموال، لما ربط تطبيق الفصل 95 بشرط إضافي يتمثل في العلم بالجريمة الأصلية.
ومن زاوية أخرى، فإن قواعد الإثبات الجزائي لا تسمح بافتراض الظروف المشددة، لأن الأصل هو براءة الإنسان، والاستثناء هو الإدانة، والاستثناء الأشد هو تشديد العقوبة.
ولهذا استقر فقه القضاء على أن كل ظرف يؤدي إلى تشديد العقوبة يجب أن يكون ثابتًا بأدلة مستقلة، وأن يبين القاضي في تعليل حكمه العناصر الواقعية والقانونية التي استخلص منها هذا العلم.
ولا يكفي القول إن الأموال متأتية من جريمة فساد أو مخدرات أو اختلاس، بل يجب أن يثبت أن المتهم كان يعلم بذلك تحديدًا، لا أنه كان يشك أو يرجح أو يتوقع.
إن خطورة الفصل 95 تكمن في أنه قد يجعل مرتكب غسل الأموال خاضعًا لعقوبة جريمة لم يرتكبها أصالة، ولذلك فإن شروط تطبيقه يجب أن تخضع لأضيق تفسير ممكن، احترامًا لمبدأ الشرعية الجزائية، ولقاعدة تفسير النصوص الجزائية المشددة تفسيرًا ضيقًا.
وفي اعتقادي، فإن القراءة الأكثر انسجامًا مع الدستور، ومع مبادئ المحاكمة العادلة، هي أن العلم المقصود بالفصل 95 ليس مجرد العلم بعدم مشروعية الأموال، وإنما العلم بالجريمة الأصلية التي تولدت عنها تلك الأموال، باعتبار أن هذا العنصر وحده هو الذي يبرر نقل المتهم إلى العقوبة الأشد.
ففي المادة الجزائية، لا يجوز أن تقوم العقوبات المشددة على الظنون، ولا على الاستنتاجات العامة، بل على علم ثابت، ويقين قضائي، وتعليل دقيق، لأن الحرية الفردية لا تقبل التأويل الموسع، ولأن النصوص التي تشدد العقاب لا تفسر إلا في أضيق الحدود.