23/06/2026
ليس كل إضراب نضالًا ناجحًا، كما أن اختيار الخصم نصف المعركة.
حين يكون أصل الخلاف مع أصحاب رأس المال، ومع مالكي المؤسسات البنكية الذين يجنون الأرباح، ثم يتحول مسار المواجهة إلى الدولة، فإن السؤال يصبح مشروعًا: هل وُجهت البوصلة إلى الجهة الصحيحة؟
ويشبه ذلك بالمراهقة التي تتمرد على والديها طلبًا لأمر عابر، بينما تتجاهل تقدير العواقب. فالتحدي في حد ذاته ليس بطولة، إنما البطولة أن تعرف من تواجه، ولماذا، وبأي ثمن.
ان الإعلان عن إضراب لثلاثة أيام قد يبدو في ظاهره تصعيدًا، لكنه في الواقع قد يتحول إلى عبء على المضربين أنفسهم قبل غيرهم. فخصم ثلاثة أيام من الأجور، بما قد يناهز خمسمائة دينار لبعض الموظفين، هو ثمن سيدفعه العامل، بينما تبقى الدولة قائمة، وتستمر المؤسسات في النهاية.
فلا أحد يجادل في أن الحق النقابي، وحرية الإضراب، وحرية التعبير، حقوق يكفلها الدستور. لكن الحقوق تقترن دائمًا بحسن تقدير المآلات، وباختيار الوسيلة التي تحقق الغاية بأقل الخسائر. فليست كل معركة تستحق أن تُخاض بالطريقة نفسها، ولا كل تصعيد يحقق مكسبًا.
كان الأولى أن يتركز الضغط حيث يوجد مركز القرار الاقتصادي الحقيقي، وحيث تُصنع الأرباح، لا أن تتحول المواجهة إلى استعراض قوة مع الدولة في ظرف اقتصادي دقيق تتحمل تبعاته، في النهاية، فئات واسعة من المواطنين والموظفين أنفسهم.
ولعل ما يؤلم أكثر من الإضراب ذاته، هو أن جزءًا من نخبنا، سياسية كانت أو نقابية، ما زال يخلط بين الزعامة وحسن القيادة. فالزعامة تبحث عن التصفيق، أما القيادة فتقيس النتائج قبل اتخاذ القرار.
ولهذا تتأكد مرة أخرى حقيقة مؤلمة: ليست أزمة تونس في قلة الإمكانات، بل في كثير من الأحيان في سوء تقدير بعض نخبها لأولويات الصراع، وفي اختيار المعارك الخطأ مع الخصوم الخطأ، وفي التوقيت الخطأ.