15/04/2026
*مؤتمر برلين والسودان: صراع الشرعية والسيادة في ظل حرب مفتوحة ومعاناة إنسانية متفاقمة*
عبدالله بيكه
المحامي والمستشار القانوني
في لحظة مفصلية من تاريخ السودان، ومع دخول حرب السودان 2023 عامها الثالث، تستضيف برلين مؤتمرا دولياً في 15 أبريل يهدف إلى حشد الدعم الإنساني وإعادة تنشيط الاهتمام العالمي بالأزمة السودانية ويأتي هذا التحرك بدعم من المجتمع الدولي، وعلى رأسه الأمم المتحدة، في ظل تدهور غير مسبوق للأوضاع المعيشية، حيث يواجه ملايين السودانيين خطر الجوع والنزوح وانهيار الخدمات الأساسية ، ورغم الطابع الإنساني المعلن للمؤتمر، إلا أنه تحول إلى ساحة جديدة للصراع السياسي بين الأطراف السودانية، حيث تتباين المواقف بشكل حاد بين الحكومة السودانية وقوات الدعم السريع (تاسيس) والقوى المدنية، في انعكاس واضح لتعقيد الأزمة وتشابك أبعادها.
تتبنى الحكومة السودانية موقفا رافضا للمؤتمر بصيغته الحالية، معتبرة أن استبعادها من المشاركة يمثل انتقاصا من سيادة الدولة وتجاهلا لكونها الطرف الرسمي المعترف به. وترى أن أي نقاش حول السودان لا يتم بمشاركتها يفتقر إلى الشرعية، وقد يؤدي إلى نتائج غير قابلة للتطبيق على أرض الواقع ، كما عبرت عن تحفظها على طبيعة الأطراف المشاركة، معتبرة أن بعضها لا يعكس التوازن الحقيقي داخل السودان، بل قد يسهم في تعقيد الأزمة ومع ذلك، تحاول الحكومة إبقاء الباب مواربا ومفتوحا حيث تؤكد استعدادها للتعاون مع أي مبادرة دولية تبنى على احترام السيادة الوطنية وتتم بالتنسيق معها.
في المقابل، تسعى قوات الدعم السريع (تاسيس) إلى استثمار مثل هذه المحافل الدولية لتعزيز حضورها السياسي، وإظهار نفسها كطرف فاعل لا يمكن تجاوزه في أي تسوية قادمة ، ورغم عدم مشاركتها الرسمية في المؤتمر، إلا أنها ترحب بأي جهد دولي يخفف الضغوط الإنسانية، وتدفع باتجاه الاعتراف بها كقوة سياسية إلى جانب كونها طرفا عسكريا ، ويعكس هذا التوجه محاولة لإعادة تشكيل صورتها دوليا، خاصة في ظل الاتهامات الموجهة إليها بارتكاب انتهاكات جسيمة خلال النزاع.
أما القوى المدنية السودانية ، فتقف في موقع أكثر تعقيدا، حيث ينقسم موقفها بين الترحيب الحذر والدعم المشروط. فبعض هذه القوى ترى في مؤتمر برلين فرصة ضرورية لكسر العزلة الدولية عن الأزمة السودانية، وحشد الموارد لمواجهة الكارثة الإنسانية، خاصة في ظل عجز الفاعلين المحليين عن وقف الحرب ، في حين تبدي أطراف أخرى تخوفها من أن يتحول المؤتمر إلى منصة لتكريس حلول خارجية أو إعادة إنتاج نفس التوازنات السياسية التي سبقت اندلاع الحرب ، هذا التباين في المواقف يعكس حقيقة أن الأزمة السودانية لم تعد مجرد صراع عسكري، بل تحولت إلى معركة معقدة حول الشرعية والتمثيل والسيادة ، فكل طرف يسعى إلى توظيف المنابر الدولية لخدمة رؤيته، سواء عبر تثبيت موقعه كسلطة شرعية، أو كقوة أمر واقع، أو كبديل مدني يسعى لاستعادة المسار الديمقراطي.في نهاية المطاف، يبقى مؤتمر برلين خطوة مهمة في مسار التعامل الدولي مع الأزمة، لكنه يواجه اختبارا حقيقيا يتمثل في قدرته على تجاوز الانقسامات السودانية العميقة ، فنجاحه لا يقاس فقط بحجم التعهدات المالية، بل بمدى قدرته على خلق أرضية مشتركة يمكن أن تمهد لوقف الحرب، وهو هدف لا يزال بعيد المنال في ظل غياب توافق وطني شامل وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف السودانية .