23/08/2016
تضارب القوانين Conflict of laws
بقلم: ريتشارد هل و بيتر هوق Richard Hill and Peter Hogg
من كتاب: صفوة الفيلق الأسود A Black Corps d'Elite
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
[email protected]
It is not worthwhile to try to keep history from repeating itself, for man's character will always make the preventing of the repetitions impossible.
Mark Twain
تقديم: السطور التالية محاولة لترجمة جزء يسير من كتاب ريتشارد هل و بيتر هوق عن تاريخ "ما أهمله التاريخ" من مساهمات الجنود السودانيين فى حرب دفعوا لها دفعا من قبل حكام مصر من الأتراك فى منتصف القرن التاسع عشر، ليحلوا محل الجنود الفرنسيين الذين حصدتهم الحمى الصفراء فى المكسيك، حيث أبحر سرا (و بطلب خاص من الإمبراطور نابليون الثالث لخديوي مصر) بنحو 446 من الضباط و الجنود السودانيين (و معهم مترجم مدني واحد) من ميناء الإسكندرية فى سفينة حربية فرنسية إلى المكسيك لمساعدة فرنسا فى محاولاتها الفاشلة لاستعمار تلك البلاد. وهذا الجزء يتعلق بمحاكمة جنود من الفيلق السوداني حوكموا من قبل الفرنسيين فى المكسيك بتهمة ارتكاب مجزرة ضد "الأهالي"، و عزا المؤلفان الواقعة لاختلافات الدين والأعراف و الثقافة والقوانين بين "أهل أفريقيا" و "أهل أوروبا".
و يذكر أن استخدام حكام مصر من الأتراك للجنود السودانيين فى تلك الحرب كان قد أثار مواجهة دبلوماسية مع الحكومة الأميركية آنذاك، والتي اتهمت الحكومة المصرية (ربما للإسراع بطرد الفرنسيين من القارة الاميريكية) باستخدام الرقيق فى تلك الحرب، وكانت الحكومة الأميركية حينها قد أصدرت قوانين تحرر العبيد و تجرم الاستعباد....
بعد أسابيع قليلة من وصول الجنود السودانيين إلى المكسيك، ساد شعور عام لدى حلفائهم من الفرنسيين بأن هؤلاء الجنود على درجة عالية من الانضباط و عزة النفس، و بالمعايير الأوربية فلقد كان هؤلاء الجند غاية فى حسن السلوك و المظهر. بيد أن المعايير الأوربية فى الذهنية العسكرية الفرنسية كانت تفترض التصرف حسب مقتضيات الطرق الأوربية فى التفكير و السلوك. و هنا تمت معاملة السودانيين بمعايير مختلفة بالكلية فى جانب واحد بالغ الأهمية ألا و هو "إدارة الحرب Conduct of war".
كانت الحرب تعنى لدى السودانيين فى موطنهم الأصلي بإفريقيا "الحرب الكاملة الشاملة التي لا تبقى و لا تذر". لم تكن للرحمة و الهوادة و الإبقاء على حياة العدو المهزوم أدنى اعتبار. كان المنتصرون يقطعون رقاب القادة المهزومون كتذكار أو دلالة على النصر. وفى تاريخ الخلافة العثمانية/المصرية فى السودان عشرات الشواهد على ذلك مما فعله جنود الحكومة، بل و فعلها ذلك الحكم و هو يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت ضربات المهدي حيث حزت رؤؤس عدد من قواد المهدية و أرسلت للخرطوم لتعرض على الناس فى الميادين العامة. و لعل ما فعله أحد جنود المهدي من قطعه لرقبة الجنرال غردون عند سقوط الخرطوم و إرساله لرأسه لام درمان كان منسجما تماما مع تقليد الحرب السائد عندهم. بل إن ذلك التقليد كان سائدا فى العالم القديم، فيروى أن داؤد (David) قطع رأس جولياز (Goliath) و حمله مزهوا لشعبه ليراه. ورث الإسلام و ادخل هذا القانون القديم ضمن تشريعاته كما يبدو من حالة العريف فى مناطق مناجم الذهب قرب الحدود الإثيوبية عام 1839، حين رفضت القبائل السودانية كل المحاولات التي بذلت لإنقاذ حياة العريف بسبب ظروف تستدعى تخفيف الحكم الصادر عليه.
فى ليلة ظلماء من شهر أبريل عام 1863 أصابت طلقة طائشة جندي سوداني كان يحرس قلعة صغيرة فى ميدلن. بدا لرفقاء القتيل أن الطلقة القاتلة أتت من جهة كانت تقع فيها مجموعة من منازل لا تبعد كثيرا عن القلعة. فما أن أشرقت شمس اليوم التالي تحركت كتيبة من هؤلاء الجند نحو تلك المنازل و هاجمت من فيها و قتلت 8 من الرجال و النساء و الأطفال المكسيك المدنيين، و جرحت العشرات ثم لاذت بالفرار. بعبارة أخرى أتى زملاء الحارس القتيل بفعل كانوا سيقومون بمثله تماما إذا كان زميلهم قد قتل عند الحدود الإثيوبية أو أعالي النيل. كانوا فقط ينزلون العقاب المناسب. لم يفهموا سبب الاستنكار و السخط الذي أعقب فعلتهم إذ لم يكن يعترفون بقانون آخر غير قانون الانتقام.
لسوء حظ أولئك الجنود، لم يكن قانون الانتقام من ضمن القوانين الفرنسية، و التي كانت تضمن الحقوق القانونية للمدنيين. أعترف السودانيون فى التحقيقات الابتدائية ببساطة أنهم قاموا بفعلتهم تلك، و لم يطالبوا بشئ سوى أن تتم ترجمة مسائلتهم فى المحكمة للغة العربية.
بعد جلسات الاستماع الأولية تم توجيه الاتهام لثمان جنود بتهمة القتل أو محاولة القتل. انعقدت المحاكمة فى فيراكيرز Veracuz فى 29/ سبتمبر و أعلنت الأحكام فى اليوم التالي و كانت على النحو التالي:
الاسم /الرتبة الحكم
مرجان سودان بلارد الإعدام (خفض للسجن فيما بعد لعشرين عاما ثم لخمس)
كندا عمر خمس سنوات أشغال شاقة
ريحان ميخائيل خمس سنوات أشغال شاقة
سالم سلام سيد خمس سنوات أشغال شاقة
الزبير أحمد خمس سنوات أشغال شاقة
ريحان حسن ريكابى خمس سنوات أشغال شاقة
كوكو محمد صغيرون غير مذنب
سيد الحاج عبده غير مذنب
كتب أحدهم ( و يدعي شينو ؟ (Chenu فى مذكراته عن هؤلاء الجنود:
" كانوا حتى الآن يعطونك الشعور بأنهم رقيقي الطبع، رغم أن فيهم بعض القسوة التي تتضح أحيانا عند قيامهم بواجبهم. لقد قاموا بارتكاب جرمهم عن سبق إصرار و ترصد و أثاروا بذلك دهشة الفرنسيين بل و غضبهم الشديد. لقد قاموا بارتكاب مذبحة فظيعة ضد أبرياء عزل و أزهقت على أثر ذلك 9 أرواح (8 فى العدد المذكور فى المحكمة!) و جرح الكثير ممن استطاعوا الفرار. أظهر الجنود أثناء المحاكمة نفاقا كبيرا و زعموا أنهم لا يجيدون غير العربية. لم يكن لجريمتهم من سبب سوى التطرف الأعمى"
يبدو أن عقلية "شينو" المنحازة أبت عليه إلا الاحتجاج على إصرار الجنود على التحدث بالعربية أثناء المحاكمة. أدى ذلك الإصرار بالطبع إلى إطالة أمد الجلسات و إلى العديد من حالات سوء الفهم بسبب رداءة الترجمة و أخطائها و إلى "التعارك اللغوي" بين المترجم المصري و آخر من الجزائر على ترجمة بعض التعابير بسبب اختلافات اللهجات، بينما كان القضاة الفرنسيون يتميزون من الملل والغضب و هم ينظرون إلى المتجادلين.
لم يك هؤلاء الجنود البسطاء مجيدين للعربية، بيد أن القليل الذي كانوا يتحدثون به كان بالقطع أفضل من فرنسيتهم التي كانت شبه معدومة. إن المؤمنين بأكثر من عقيدة (مثل أولئك الجنود) يستمدون قوتهم من العصمة و "عدم الخطأ" الذي يحيط بالكلمة المكتوبة. و لما كانت تلك الكلمة المكتوبة هي لغة عقيدتهم: القرآن فإنهم لم يكن ليعتدوا بغيرها. فى المقابل، فلقد كانت اللغة الفرنسية هي لغة حلفائهم من غير المسلمين، فقط لا غير!
و لما حان أوان جلاء القوات الفرنسية من المكسيك، كان السجناء السودانيون قد قضوا نحوا من ثلاث سنوات خلف القضبان فى سان هوزى دى اولا (San Juan de Ulua) و أتخذ قرار حكيم بإعادة السجناء لموطنهم بعدما تم – و بحمد الله- الصفح عنهم. و لم تتوفر أدلة على أن أولئك السجناء قد تمت ملاحقتهم بعد ذلك فى المحاكم المصرية العسكرية. كان ذلك محض مخرج سهل لمأزق قانوني. أبدى الفرنسيون فى أمر هذه الواقعة سذاجة قانونية عظيمة. يبدو أنهم افترضوا معرفة كل إنسان فى أفريقيا ب قورتيس (*Grotius) و قانون الحرب و السلام.
* المقصود هو هيجو قورتيس Hugo Grotius, 1583-1645 و هو قانوني هولندي ومشرع و فيلسوف "القانون الطبيعي". أنظر http://cepa.newschool.edu/het/profiles/grotius.htm
منقووووول
The owner of this domain has not yet uploaded their website.