11/11/2025
بإسم الله الرحمن الرحيم
رفع اليد عن الرهن:
- إسقاط أو إنقضاء الحق
- ضرورة تضمينه بمحرر رسمي
يطرح سؤال هام يتعلق بمعرفة طبيعة رفع اليد عن الرهن. هل يعتبر من الناحية الشكلية إتفاقا أو عقدا أم إرادة منفردة أم فقط إجراء معاينة الوفاء بالدين و إسترداده و من الناحية الموضوعية هل يعتبر إلتزاما و تصرفا أم إرادة منفردة و هل يكون موضوعه "إسقاطا" لحق الرهن أم معاينة لإنقضائه فقط؟
للإجابة عن هذا السؤال علينا أن نرجع إلى أبجديات القانون العقاري و الحقوق العينية و بالأخص حق الرهن و أن نبدأ بتعريف حق الرهن و طرق إنشائه و إنقضائه و نتيجة الوفاء بالدين و ذلك حتى نفهم ماذا نقصد برفع اليد عن الرهن (الجزء الأول) و بعد ذلك نقوم بتحليل الموضوع (الجزء الثاني).
الجزء الأول: المقصود برفع اليد عن الرهن:
سنتناول في هذا الجزء الأول أربع نقط أساسية كما يلي:
أولا: تعريف حق الرهن و أنواعه:
بداية علينا أن نوضح بأنه يوجد نوعان من الرهون و هما الرهن الحيازي و الرهن الرسمي. و هذا الأخير ينقسم إلى الرهن الإتفاقي و الرهن الجبري.
و يعرف الفصل 145 من القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية الرهن الحيازي بأنه "حق عيني يتقرر على ملك يعطيه المدين أو كفيله العيني إلى الدائن المرتهن لضمان الوفاء بدين و يخول الدائن المرتهن حق حيازة المرهون و حق حبسه إلى أن يستوفي دينه."
كما يعرف الفصل 165 من نفس القانون الرهن الرسمي بأنه "حق عيني تبعي يتقرر على ملك محفظ أو في طور التحفيظ و يخصص لضمان أداء دين."
فالرهن إذن هو حق عيني تبعي "يستند في قيامه على وجود حق شخصي، و يكون ضمانا للوفاء به" كما يوضح ذلك الفصل 10 من نفس القانون المذكور.
و في جل الحالات يستند الرهن على حق مديونية و هو حق شخصي بسيط و يكون الوفاء بالدين محل حق المديونية الموجود على عاتق المدين الراهن مضمونا بالرهن لفائدة الدائن المرتهن حتى إذا ما توقف المدين الراهن عن أداء أقساط الدين يصار إلى ما يعبر عنه بتحقيق الرهن و ذلك بواسطة بيع العقار المرهون بالمزاد العلني ضمن شروط معينة يفرضها و يوضحها القانون.
ثانيا: إنشاء حق الرهن:
ينشأ حق الرهن بإرادة تعاقدية سوى في حالات الرهن الإجباري التي يقررها القانون. حيث ينعقد الرهن الإتفاقي كتابة برضى الطرفين و يخضع عقد الرهن لمقتضيات الفصل 4 من القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية بمعنى أنه يتعين أن يكون عقد إنشاء حق الرهن أو نقله أو تعديله أو "إسقاطه" (!؟) بموجب محرر رسمي أو محرر ثابت التاريخ يتم تحريره من طرف مهني ينتمي إلى مهنة قانونية و منظمة يخولها قانونها تحرير العقود و ذلك تحت طائلة البطلان سوى في الحالات التي وقع إستثناؤها قانونا و في جميع الحالات لا ينتج ذلك آثاره القانونية كاملة إلا إذا قيد بالرسم العقاري الموضوع للملك المرهون.
ثالثا: إنقضاء حق الرهن:
ينقضي حق الرهن بنوعيه الحيازي أو الإتفاقي في الحالات المنصوص عليها في الفصول 161 و 162 و 212 من القانون المذكور و هي:
- حالة إنقضاء الدين المضمون به و الوفاء به بتمامه،
- حالة رفع يد الدائن المرتهن عن الرهن أو تنازله عنه صراحة؛
- حالة هلاك الملك المرهون هلاكا كليا؛
- حالة إتحاد الذمة أي صيرورة الملك المرهون ملكية للدائن المرتهن.
رابعا: نتيجة الوفاء أو عدم الوفاء بالدين:
في حالة الوفاء بالدين كاملا فإن حق الدين الذي هو أساس حق الرهن و الذي يستند إليه في قيامه ينقضي و بالتالي و بالتبع ينقضي حق الرهن و يستحق المدين الحصول على وثيقة تثبت سداد الدين و الوفاء بأقساطه كاملة و بمقتضاها يرفع الدائن المرتهن يده عن الرهن لفائدة المدين الراهن.
أما في الحالة المخالفة فيصار إلى بيع العقار المرهون بالمزاد العلني كما سبق القول.
إلا أن ما يهمنا هنا هو حالة الوفاء بالدين و حصول المدين على وثيقة تثبت سداد الدين. و يطلق على هذه الوثيقة عبارة رفع اليد عن الرهن . فما هي طبيعتها؟
للإحاطة بالموضوع علينا أن نبحث في الناحية الشكلية أو الإجرائية من جهة و في الناحية الجوهرية أو الموضوعية من جهة ثانية.
الجزء الثاني: تحليل الموضوع:
سنتناول في هذا الجزء الثاني نقطتين أساسيتين كما يلي:
أولا: في الناحية الشكلية أو الإجرائية:
يطرح السؤال لمعرفة هل تعتبر وثيقة رفع اليد عن الرهن من الناحية الشكلية إتفاقا أو عقدا أم إرادة منفردة أم فقط إجراء معاينة الوفاء بالدين و إسترداده.
للإجابة عن هذا السؤال يمكن القول بأنه إذا كان من المؤكد أن الإتفاق أو العقد كما يعرفه الفقه هو "توافق إرادتين على إنشاء إلتزام أو نقله أو تعديله أو إنهائه" أو أنه " توافق إرادتين على إحداث أثر قانوني" و إذا كان توافق إرادتين يتطلب وجود طرفين يعبران عن إرادتهما فلا يبقى مجال للشك في أن وثيقة رفع اليد عن الرهن ليست قطعا لا عقدا و لا إتفاقا.
و هذا ما يدفعنا إلى التساؤل عما إذا كانت وثيقة رفع اليد عن الرهن تعتبر من قبيل الإرادة المنفردة؟
للإجابة عن هذا التساؤل يتعين علينا أن نلاحظ بأن وثيقة رفع اليد عن الرهن هي وثيقة يعترف من خلالها الدائن المرتهن بقبضه كامل أقساط الدين و يرفع يده بالتالي عن الرهن المبرم لفائدته و هي وثيقة أحادية الطرف لا يقع تحريرها و توقيعها سوى من طرف الدائن المرتهن وحده و لا تعبر عن أية إرادة و لا تتضمن أي إلتزام من جانب هذا الأخير و لا تحدث أي أثر قانوني من الناحية الموضوعية كما سنرى لاحقا. كما أنها لا تتطلب موافقة المدين الراهن و إرادته و يكفي توقيعها من طرف الدائن المرتهن وحده لأخذها بعين الإعتبار من أجل التشطيب على تقييد حق الرهن بالسجلات العقارية حيث إنها تتضمن طلبا بذلك في آن واحد.
و لما كانت وثيقة رفع اليد عن الرهن لا تتضمن سوى معاينة الوفاء بالدين و سداده كاملا فإنه لا يمكن إعتبارها بالتالي من قبيل الإرادة المنفردة و إنما هي مجرد إجراء معاينة لواقعة الوفاء بالدين و إسترداده.
يستنتج مما سبق أنه إذا لم تكن وثيقة رفع اليد عن الرهن عبارة عن عقد أو إتفاق أو إرادة منفردة و أنها ليست سوى إجراء معاينة لواقعة الوفاء بالدين و إسترداده فإنها لا ترقى إلى درجة التصرف القانوني الذي يتجه إلى إحداث أثر قانوني ما من الناحية الشكلية أولا و قبل كل شيء.
ثانيا: في الناحية الموضوعية:
كما أوضحنا من الناحية الشكلية بأن وثيقة رفع اليد عن الرهن لا تعتبر تصرفا قانونيا بالإضافة إلى ما ذكر فإنها لا تعتبر كذلك من الناحية الموضوعية.
ذلك أنه في حالة الوفاء بالدين كاملا فإن حق المديونية ينقضي و بالتالي و بالتبع ينقضي حق الرهن بإنقضاء أساسه الذي يقوم عليه. و ما وثيقة رفع اليد عن الرهن في هذه الحالة سوى ترجمة لمعاينة الوفاء بالدين و سداده كاملا و بالتالي إنقضاء حق الرهن كما وقع التنصيص على ذلك في الفصول 161 و 162 و 212 من القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية المذكور.
و إنقضاء حق الرهن هنا بأنواعه كلها يكون بقوة القانون و لا يحتاج لا إلى إرادة منفردة و لا إلى تصرف قانوني يترجم بعقد أو إتفاق شأنه في ذلك شأن حقوق الإرتفاق و حق الإنتفاع و حق الزينة و طبقا لمقتضيات الفصول 96 و 99 و 135 من نفس القانون المذكور.
و الجدير بالذكر في هذا الصدد أن القانون بصفة عامة و القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية بصفة خاصة يستعمل مصطلح "إنقضاء" الحق للتعبير عن زواله و إنتفاء محله موضوعا و يميز بين إنقضاء الحق و التنازل عنه. كما أنه يميز بين إنقضاء هذا الحق موضوعا و "سقوطه أو إسقاطه" من الناحية المسطرية.
من جهة أخرى تجدر الإشارة بالأخص إلى أن ظهير 13 غشت 1913 بشأن تحفيظ العقارات كما وقع تعديله و تتميمه بمقتضى القانون رقم 14.07 في معرض تنظيمه لإجراء التشطيب على التقييد يستعمل مصطلح "الإنقضاء" إضافة إلى مصطلح "الإنعدام" حيث ينص في الفصل 91 منه على ما يلي:
"مع مراعاة أحكام الفصل 86 أعلاه يمكن أن يشطب على كل ما ضمن بالرسم العقاري من تقييد أو بيان أو تقييد إحتياطي بمقتضى كل عقد أو حكم مكتسب لقوة الشيء المقضي به يثبت إنعدام أو إنقضاء الحق موضوع التضمين في مواجهة الأشخاص الذين يعنيهم هذا الحق."
و يقصد بالإنعدام هنا ما يحدثه البطلان أو الإبطال من أثر يجعل الحق منعدما و كأن لم يكن و قد يكون ذلك إما بقوة القانون و إما بحكم قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به مصرح بالبطلان أو مقرر للإبطال.
أما الإنقضاء فيقصد به بصفة عامة إستيفاء الحق لما أنشئ له و إنتفاؤه بالتالي. فالوفاء بالدين كاملا كأحد أسباب الإنقضاء كما في نازلتنا يجعل حق المديونية مستوف لما أنشئ له فينتفي بالتالي، أي ينقضي و يزول بقوة القانون و لا يبقى له سبب للبقاء موجودا. و إنقضاء حق المديونية هذا يجعل حق الرهن الذي أسس و قام عليه ينقضي أيضا و بقوة القانون. و ما إستلزام الحصول على وثيقة رفع اليد عن الرهن و الإدلاء بها في النازلة التي نحن بصددها سوى لمعاينة الوفاء بالدين و سداده كاملا و إثبات ذلك و بالتالي إنقضاء حق الرهن من أجل القيام بالتشطيب على تقييده من الرسم العقاري.
أما سقوط الحق أو إسقاطه فليس سوى نتيجة لعدم إحترام شكلية أو إجراء مسطري معين أو لعدم ممارسة الحق داخل أجل معين يحدده القانون بالنسبة لبعض الحقوق الشخصية بالخصوص و لا يمس جوهر الحق و لا ينطبق البتة على الحقوق العينية نظرا لكونها لا تسقط (بفتح التاء و ضم القاف) و لا تسقط (بضم التاء و فتح القاف).
و لهذا السبب إستعمل القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية و ظهير 13 غشت 1913 بشأن تحفيظ العقارات كما وقع تعديله و تتميمه بمقتضى القانون رقم 14.07 مصطلح "الإنقضاء" و لم يستعملا مصطلح "السقوط أو الإسقاط".
و هذا ما يدفعنا إلى تسجيل ملاحظة جوهرية تتعلق بإستعمال مصطلح "الإسقاط" في الفصلين 4 من القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية و 12 من القانون رقم 18.00 المتعلق بالملكية المشتركة للعقارات المبنية و القول بأن هذا الإستعمال في غير محله لأن الحقوق العينية العقارية لا تسقط (بفتح التاء و ضم القاف) و لا تسقط (بضم التاء و فتح القاف) كما أوضحنا.
خلاصة:
يستنتج مما سبق أن وثيقة رفع اليد عن الرهن ليست، لا من الناحية الشكلية و لا من الناحية الموضوعية، لا إتفاقا و لا عقدا و لا إرادة منفردة و لا تصرفا قانونيا و إنما هي فقط إجراء معاينة الوفاء بالدين و إسترداده و بالتالي فهي لا تخضع البتة لمقتضيات أي من الفصلين 4 من القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية و 12 من القانون رقم 18.00 المتعلق بالملكية المشتركة للعقارات المبنية و يتعين قبولها و التعامل معها و التشطيب بمقتضاها على تقييد الرهن و لو كانت في شكل محرر عرفي ثابت التاريخ و ذلك بغض النظر عن مبلغ الدين المضمون بالرهن سواء كان أقل أو أكثر من مائتين و خمسين ألف درهم و سواء تعلق الأمر بعقار هو عبارة عن أرض عارية أو مبني خاضع أو غير خاضع للقانون رقم 18.00 المتعلق بالملكية المشتركة للعقارات المبنية.