25/07/2026
خفايا الجبة السوداء.. ما لا يخبرك عنه المحامي.
لا أريد أن أتحدث عن نصوص المواد، ولا عن أروقة المحاكم الرسمية.. اليوم سأحدثكم عن الإنسانية الكامنة خلف الجبة السوداء.
هناك صورة نمطية راسخة في أذهان الكثيرين وهي كالاتي: "المحامي رجل يقتات على أموال الناس، يتلاعب بالقانون، ولا يهمه سوى حشو جيبه!".. صورة تظهر المحامي وكأنه ساحر مخادع، لكن الحقيقة المحرجة التي لا يريد أحد الاعتراف بها من المحاميين حتى لا ينطفئ سيراج الحق وتضيع رسالة الدفاع: أن المجتمع قد لا يحب المحامي، لكنه يهرع إليه في لحظات الخوف والضيق، حين تضيق به السبل.. يصبح المحامي هو المنقذ، وهنا نجد ان كل عائلة تتمنى لو كان بين أبنائها محامٍ يحمي ظهرها.
ولكل ذلك؛ يعتقد البعض أن مهمة المحامي سهلة.. كلمتان أمام القاضي وخلاصة القول!
لكنهم لا يرون ما يحدث خلف الكواليس، لا يرون عدد الساعات الطوال في البحث والمطالعة، لا يرون ذلك الأرق الذي يلاحق المحامي حتى وهو على فراشه؛ كيف يفكك عقدة قضية، أو كيف ينام وهو يفكر في الطريقة التي سيواجه بها موكله ليخبره بصدمة حكم صدر ضده، رغم كل المجهود المبذول، أو عندما يخبر ملفا ويكون فيه موكله بريء بشهادته لكن الاوراق تقول عكس ذلك، ورغم ذلك يعمل جاهدا لتبرئته، لكن يصدر حكم بالادانة.. حينذاك تراه كل يوم شارد الذهن وهو يفكر في ذلك الحكم، لا يغرنكم ابتسامة المحامي لأنها مظهرا من مظاهر الأمل والألم ولولها ما كان يستطيع الاستمرار في الدفاع.
والأمرّ من ذلك؟ أن هناك موكلين، بمجرد أن يستلموا حكماً لصالحهم وتنقضي حاجتهم، يختفون كأنهم لم يعرفوك يوماً، ويتملصون من أداء باقي أتعاب الجهد الذي أعاد لهم حقوقهم!
ومن الروايات المغلوطة التي صدرتها السينما المصرية في العقلية العربية والاسلامية، …ونستغرب لماذا هي الى غاية هذا القرن لا يزال يصدقها الكثيرون ويروجون لها، وهي في الحقيقة أزمة وعي حقيقية لدى الكثير من المتقاضين الذين يلجؤن إلى توكيل محامي، بينما في كثير من المجتمعات الغربية، يفهم المواطن جيداً دور المحامي، في حين نجد لدينا من المتقاضين من يعتقد أن توكيل المحامي يعني "شراء نتيجة مضمونة"!
يا صديقي، القانون واضح: المحامي يلتزم ببذل عناية صادقة وملمة، وليس بتحقيق نتيجة.
الأتعاب ليست ثمن الفوز، بل هي مقابل الساعات، الخبرة، الجهد، والمساطر التي يسلكها المحامي نيابة عنك.
المحامي لا يملك سلطة على القاضي، ولا يملك مفاتيح الأحكام. دوره هو إعداد المذكرات القانونية الشارحة وتطبيق المساطر الشكليّة الصارمة؛ فلولا المحامي، قد ترفع قضيتك عشرات المرات وتُرفض شكلاً بسبب تفصيل بسيط تجهله.
وهناك وجها أخر أكثر غرابة؛ جعلني في البدايات استغرب واليوم أصبح يضحكني، وهو ان بعض الموكلين ياتي مستشيطا من الغضب، ويقول الأستاذ: لقد بلغني ان فلان يعني خصمه قد وكل محاميا، ويضيف قائلا: "كيف يجرؤ خصمي الظالم على توكيل محامٍ؟ وكيف لذلك المحامي فلان ان يدافع عنه وهو يعلم أنه على باطل؟"
وهنا يجب أن نوضح مسألتين في غاية الأهمية:
1. حق الدفاع حق مقدس: الاستعانة بمحامٍ هي ضمانة لكل أطراف العدالة لضمان عدم الحيف، وليس معناه دعم الظلم.
2. منطق الأعراف مقابل منطق القانون: القضاء لا يحكم بالأعراف أو بآراء الشارع و"قال وقيل". القضاء يحكم بالقانون والأدلة. فالحق -وإن كنت صاحبه فعلاً- إذا كان يفتقر إلى الدليل القاطع، فهو في عين القانون هو والعدم سواء. أما مهمة المحامي هي تحويل "حقك الشفهي" إلى "دليل قانوني مقبول".
أما فيما يخص الأمرال والثروة؛ وهي من المواضيع التي كثر فيها التأليف بأن المحامي لا يعرف سوى جمع المال، وكأن المتقاضي نفسه ناسك او قديس في صومعة وطلق الدنيا طلاق ثلاث.
لكن تعالوا نتحدث عن اليوم العادي للمحامي..
عشرات الاتصالات اليومية، عشرات الموكلين في قاعة الانتظار، إجراءات معقدة بين كتابات ضبط المحاكم، ومواعيد تنفذ طاقتك النفسية والجسدية.
ومع ذلك، تجد موكلاً يظن أنه "الموكل الوحيد" لديك! يريد إجابات هاتفية في كل ساعة وفي كل يوم، وينزعج إذا طُلِب منه الحضور للمكتب لمعرفة مآل ملفه بشكل منظم.
بل والأدهى، أن بعض الموكلين يتوقع من المحامي أن يعطيه "محاضرات تفصيلية في القانون" ليشرح له كل جزئية ليقتنع، وكأن سنوات الدراسة والخبرة يجب أن تُختصر في جلسة شاي!
المحاماة ليست مجرد مهنة لجلب المال.. المحاماة هي حرق للأعصاب، وتحمل لآلام الآخرين وهمومهم، ومواجهة يومية مع تعقيدات الحياة والنفوس البشرية.
أن تكون محامياً يعني أن تحمل أوزار قضايا الناس معك إلى بيتك، وأن تدافع عن حقوقهم بينما ينسون هم أحياناً حقك عليك.
أما فيما يخص البحث عن الثروة المحامي كغيره من البشر هو أيضا يريد رغد العيش، لا تعتقد اننا درسنا كل هذه السنوات حتى نعيش عيشة الفقر والتهميش، وهذا لا ينقص شيئا من قدسية رسالة الدفاع ولا الدور الانساني الذي يقوم به المحامي.