29/03/2025
كارل بوبر ومعايير العلمية
"مصدر منهج كارل بوبر
أشار كارل بوبر Karl Popper، إبان حلقة دراسية، إلى مصدر منهجه. وقال إنه لاحظ - في بداية القرن العشرين، وكان حينها طالبًا – تفريخًا مفرطًا لنظريات جديدة غالبًا ما تكون مكتملة اكتمالًا نهائيًا (La quête inachevée, p. 60).
وكان يهتم في هذه الأثناء بنسبية إنشتين وبالتحليل النفسي الفرويدي وبعلم النفس الذي أسسه أدلر وبالماركسية. وكانت هذه النظريات تثير في أوساط الطلبة نقاشات حــ.. ـادة. فشعر كارل بوبر حينذاك بأن المذاهب الثلاثة الأخيرة كانت أقرب إلى الأساطير منها إلى العلم، بالرغم من ادعائها العلمية (La quête inachevée, p. 61).
وكانت نظرية إنشتين تبدو له مختلفة جدًا عن بقية النظريات الأخرى. واندهش لكون إنشتين نفسه قد أشار إلى أن نظريته لن تكون مقبولة إذا لم تنجح في خضوعها لبعض الاختبارات. إن هذا الموقف النقدي لإنشتين، الذي جعله، حسب كارل بوبر، يقبل أن تخضع نظريته للتفنيد، هو موقف مميز للعلم.
الاستقراء والاستنباط
يتعلق الحدس الثاني لكارل بوبر بالاستقراء. لقد ارتأى أن جزءًا كبيرًا من المعرفة لا يتم الحصول عليه عن طريق الاستقراء وإنما عن طريق الاستنباط. ولقد اعتمد على النقد الذي وجهه دافيد هيوم للاستقراء، والذي أوضح فيه أن الاستقراء يكون خاطئًا أحيانًا، وأنه غير قابل في جميع الحالات للبرهنة على صدقه كونياً. (فللبرهنة على صحة استقراء معين ينبغي معرفة جميع الوقائع حتى نهاية الزمن).
لكن كارل بوبر قام بتوسيع مجال المشكل الذي طرحه دافيد هيوم، أي "قام بإعادة صياغته بطريقة موضوعية" (La quête inachevée, p. 115)، وذلك بتطبيقه على العلاقة ما بين معطيات الوقائع الملاحظة والنظريات العلمية.
عدم كفاية التحقق والتفنيد كمعيار للعلمية
وبناءً على هذه القاعدة العامة، تمكن بوبر من توضيح عدم كفاية التحقق في العلوم. إن إعادة صياغة العلم كإجراء استنباطي قدّم أساسًا منطقيًا لمعياره عن العلمية من خلال التجربة.
إن ملاحظة مجموعة من الوقائع المُعزِزة لنظرية معينة لا تثبت صحتها بشكل يقيني وبصفة كونية حسب كارل بوبر. إنه إجراء من النوع الاستقرائي، وبهذا المعنى يمكن في لحظة معينة أن تظهر واقعة تناقض النظرية المعنية.
إننا نجد دومًا مجموعة من الوقائع تعزز نظرية ما، حتى وإن كان الأمر غير مقنع ويدخل ضمن النزوات.
معايير العلمية
طرح كارل بوبر مشكل الفصل ما بين منهج علمي ومنهج تأملي (علم مزعوم، إيديولوجيا) انطلاقًا من مسألة المنهج بصفة عامة (أي بالجمع بين ما هو نظري وما هو تجريبي في مجال البحث).
ينبغي أن يشتغل العلم، حسب بوبر، بطريقة استنباطية، بحيث ينطلق من العام الذي هو النظرية نحو الخاص الذي هو الواقعة التجريبية. أي أن على العلم أن يعمل وفق الخطوات الثلاث التالية:
1. النظرية
2. استنباط النتائج
3. التجربة (التي بإمكانها تفنيد النظرية)
تتضمن عملية التحقق من علمية منهج يدعي العلمية أربع مراحل هي:
- تقييم الانسجام النظري للنسق
- إبراز البناء المنطقي للنظرية
- المقارنة بنظريات أخرى
- الاختبارات التجريبية
وتعتبر المرحلة الأخيرة مهمة لأنها هي التي تشكل إسهامًا خاصًا لكارل بوبر.
يقترح كارل بوبر معيارًا يراه أكثر إقناعًا وملاءمة من معيار التحقق من أجل الحسم في صلاحية نظرية معينة، وهو معيار التفنيد.
النسبية ومـ.. عـاداة النسبية
اهتم كارل بوبر بالتمييز بين المعرفة العلمية وبين العقائد الإيديولوجية، واتضح ذلك في تركيزه على الفصل بين المجالين. أشار إلى أن ما يسمح بالحسم في علمية أو عدم علمية نظرية ما هو المنهج وليس النتائج.
وبرهن على أن التحقق غيرُ كافٍ كمعيار للفصل بين ما هو علمي وما ليس علميًا. وأضاف متطلبات وشروطًا جديدة للحكم على علمية أو عدم علمية نظرية معينة.
وجعله موقفه هذا يـ.. عادي النسبية بإبرازه أن كل المعارف لا تتساوى في الأهمية ولا يمكن الخلط فيما بينها أو دمج بعضها مع بعض.
لكن الطابع الظرفي للمعرفة التي تقدمها العلوم يدعم النسبية.
الاستنباط والاستقراء
للاستقراء معانٍ مختلفة. فالاستقراء الذي انتقده دافيد هيوم David Hume هو برهنة خاطئة تستخلص نتيجة يقينية عن المستقبل مما يحدث بانتظام في الماضي.
يقول كارل بوبر عن دور الاستقراء في بناء العلم:
"يمكننا التأكيد على أن النظريات لا يمكنها أبدًا أن تُستنتجَ من معطيات الملاحظة، ولا أن تتلقى منها تبريرًا عقلانيًا" (Conjectures et refutations, p. 73).
ومع ذلك، يبرز تاريخ العلوم التجريبية أنها تعمل دوماً انطلاقًا من مجموعة الوقائع الملاحظة.
كيف ستقدم نظرية معينة معرفةً إذا لم تهتم بجانب معين من الواقع؟ هناك دومًا مرجع واقعي أول بالنسبة للمعرفة العلمية التجريبية، حتى وإن كانت للنظرية ديناميكيتها الخاصة، ويمكنها الابتعاد عن الواقع ثم العودة إليه في صيغة تجارب حاسمة.
يقتضي استعمال الاستنباط في العلم القيام بتوقع ما سوف يحدث انطلاقًا من حالة واقعية معروفة بالاعتماد على نظرية معينة.
تستعمل كل العلوم الاستنباط، ولكن كارل بوبر يمنح الاستنباط مكانة مركزية لأنه يعتمد على الفيزياء النظرية والكوسمولوجيا، وهما مجالان تحظى فيهما النظرية باستقلال قوي، ويكون فيهما الطابع الاستنباطي مسيطرًا.
تم تعزيز وتدعيم أطروحة كارل بوبر بموقف ألبير إنشتين الذي قال:
"تعلمت شيئًا آخر من نظرية الجاذبية، وهو أنه لا يمكن أبدًا لمجموعة من الوقائع التجريبية، مهما كان حجمها، أن تقيم معادلات معقدة مثل معادلة الجاذبية. يمكن اختبار نظرية ما عن طريق التجربة، لكن لا وجود لطريق يقود من التجربة إلى إقامة نظرية معينة" (Einstein, A. Notes autobiographiques, Paty Michel, p. 364).
إن تأييد إنشتين لأطروحة كارل بوبر يجعلها حاسمة ومقنعة. لكن هذا لا يعني أنها قابلة للتعميم."
جوينيي باتريك - ترجمة د. حنان قصبي
المرجع:
JUIGNET Patrick. Karl Popper et les critères de la scientificité. Philosophie, science et société. 2015.