31/01/2022
"لما صودر كتاب تاريخ بغداد حزنت حزناً شديدًا، وكان أول ما فكرت فيه نسختي التي لم أتسلم منها إلا جزءًًا واحدًا مع أني دفعت من ثمن الكتاب مبلغًا يقسم على ٢ وعلى ٤وعلى ١١، ِّ ولناشر الكتاب أن يذكر هذا حتى لا يضيع على الموقع فيه أدناه ما أنفقه من المال!
ثم أخذت أفكر في السبب الذي من أجله صودر الكتاب، وهو إثبات ما قيل في هجاء أبي حنيفة، وتذكرت أني كنت جمعت أشياء كثيرة مما هوجم به الشافعي رحمه ﷲاستعدادًا لكتاب شرعت في وضعه نقدًا لمذهبه، وكان ذلك يوم نشرتُ كتاب (الأخلاق عندالغزالي) الذي استقبله علماء الأزهر الشريف استقبالاً يثبط العزائم ويشلّ النشاط. وقداتفق — مع الأسف — أني غيرت ذلك الميدان وانصرفت بعض الانصراف عن دراسةالتشريع الإسلامي، وأقبلت كل الإقبال على دراسة الأدب الخالص حيث لا نصطدم إلا قليلًا بعقائد الناس.
الدكاترة زكي مبارك في كتابه " اسمار و احاديث ص 286
و قلت، كم فقدنا من المعارف بسبب التحرج من تناول موضوعات مهمة كانت ولازالت تؤطر عبر تاريخ الامة حياة العرب و المسلمين و فكرهم و سلوكهم، اقحمناها في القطعيات و ان كانت مجرد ظنيات ثبوتا و دلالة.
و كم حرمنا هذا التحرج من تناول شخصيات تاريخية كانت مؤثرة درجة انها تحولت إلى رموز للامة، سيطرت على مخيالنا و وعينا الجماعي و طالت القداسة تصرفاتها و مواقفها و اقوالها ضدا عن المقرر في الشريعة، اذ لا عصمة لبشر، فاصبحت تلك الموضوعات عصية عن النقد :ببيان ما شابها من خلل في التأصيل و التأسيس العلمي و الانضباط لقواعده المقررة، و عصية عن التحليل: للاستنباط منها صحيح القواعد و الاحكام و طرح سقيم الافكار و الاراء، و عصية عن الدرس: بردها للاصول المنطقية و العقلية و النظريات العلمية التي انتجها الفكر الانساني في الشرق و الغرب، فان تعلقت بالدين نحاكمها لصحيح المنقول و القطعي منه، َو اصبحت تلك الشخصيات بسبب ذلك التحرج عصية حتى عن التنقيب في ظروفها الاجتماعية و النفسية و السياسية، التي أثرت فيها وكانت بيئة و مناخا و رحما خصبا لولادة تلك الاراء و الافكار و سببا في اتخاذ تلك المواقف التي سجلها التاريخ.
فإذا اختار امثال زكي مبارك و هو من هو في الشجاعة و الاقبال على ساحات الوغى الفكرية و الأدبية ، و هو من قضى عمره في السجال و النقد و المعارك الأدبية مع اقرانه و غيرهم من أعلام الأدب ، الانصراف عن مواضيع تَهيُّبا من الاصطدام بعقائد الناس، فان غيره أولى بهذا الانسحاب و كذلك فعل كثير من المفكرين و الأدباء و العلماء و الفقهاء المحققين و المجتهدين المتنورين عبر التاريخ، ممن لا يملكون قوة و عناد و حماسة و شدة و صلابة هذا الأديب ذي السجايا البدوية.
ان هذا الحرج حرمنا من انتاج المعرفة التي تولد من الموازنة بين الشخصيات ومطارحة الأفكار بعرضها على النقيض و الرأي المخالف، و مماحكتها معه لانتاج المعرفة تحت صليل المقارعة الفكرية و المعارك الادبية و السجالات الكلامية و الاختلاف الفقهي.
ان عواطف الامة الانفعالية غير العقلانية تجاه هذا التراث الفكري و رموزه، جعلها توسع دائرة المقدس لتشمل هذا التراث وتهب له العصمة المانعة من النقد و النظر عبر التاريخ ، فكانت النتيجة اننا خسرنا رصيدا معرفيا زاخرا كانت ستنتجه عقول جبارة حباها الله بذكاء خارق و قدرة و جلد هائلين لمطالعة المسطور في الكتب من معارف بنهم شديد من امثال زكي مبارك، و لقد قاوم هذا الاديب الشرس الجبار و اخرج ذررا أدبية نادرة من ساحات الوغى الأدبية و من تحت قذائف النار التي كان يوجهها له من يحكمون و يقررون في مجالات التعليم و الثقافة، و أخرجها من بين اشلاء الصراع الشرس مع العقليات المحافظة المتنفذة انداك في الادارة و مراكز القرار السياسي و الديني، نعم لقد كان زكي مبارك اشجع بكثير من ان يستجيب لهؤلاء الذين طاردوه و جوعوا عياله و قطعوا رزقه، فكتب مدامع العشاق متحديا خصومه المحافظين و واجههم بالقول :"يقولون إن مدامع العشاق التي أنشرها في جريدة الصباح مما يفسد الشباب،وذلك منهم جهل بأسرار الجمال، وما له من الأثر في تهذيب النفوس، وتثقيف العقول.ويهددون ويوعدون بالويل والثبور، إذا أنا مضيت في هذا البحث الشائق الطريف! فهل حسب هؤلاء السفهاء أني أكتب لهم حتى أنزل عند رأيهم السخيف المأفون!".
و ظل زكي هائما مأخوذا بسحر الجمال و الحسن و بما خلده شعراء العرب و أدباؤهم في هذا الباب من صور فنية و ادبية رائعة جسدت قصص المحبين و نوازعهم و آلامهم و اشجانهم و حسراتهم و زفراتهم و أنينهم تحت وطأة مشاعر الحب و الصبابة و العشق. قال زكي في مدامع العشاق مصرا على المضي في طريق من سحر بهم، منتصرا لما آمن به:" وبعد فإنه لم يبق ما أسكن إليه في هذا الوجود غير حديث الحب، وبلايا المحبين ،وقد رأيت أن أساير شعراء العرب في أعذب ما جرى على ألسنتهم: وهو النسيب، وأن أبدأ ذلك بما انتهوا إليه، وهو الحديث عن الدموع، وما لها من سبب قريب أو بعيد، حتى إذا هدأت ثورة القلب بعد هذا الدمع المسفوح، عدت فصاحبت الشعراء، وذكرت كيف فتكت بهم النظرة الأولى، وبينت مهوى عيونهم، ومصرع قلوبهم، بين الخدود الفواتن،والعيون الفواتك، ولن أتحرج من ذكر ما كان من الوقائع بين الخصر النحيل، والردف الثقيل، وعلي وحدى إثم الفتنة التي ستقيمها هذه الأبحاث الشائقة في صدور الشباب والكهول، ومن شاء السلامة من القراء أن يكف منذ الآن عن قراءة هذا الحديث."
و يمضي أديبنا المغوار في تقرير فلسفته و مذهبه في الأدب قائلا :" وما كان أغناني عن الفزع إلى حكم الأخلاق، لأرجع الخير والشر إلى النيات، لا إلى الأعمال، فقد آن لنا أن نعرف أن من الحق، بل من الواجب، أن ندرس الجمال، وأن نتغنى به، وأن نصفه بالنثر البليغ، والشعر الجميل، وأن نكتب عمن كلفوا بالحسن: من العشاق، والشعراء."، بل وصل به الأمر بأن وصف الحب في إحدى محاضراته عن" حب ابن ابي ربيعة و شعره" بأنه نفحة من نفحات النبوة و قد وصف المشهد و ما لقيه من معارضة و هجوم من قبل مشايخ الأزهر في مقدمة الطبعة الثالثة لكتابه :" حب ابن ابي ربيعة و شعره" ص ٢١ و ٢٢ :" .. ولقد أذكر — والنفس تأكلها الحسرة على سذاجة تلك الأيام الخالية — أنني قلت في أول محاضرة ألقيتها عن ابن أبي ربيعة: «إن الحب نفحة من نفحات النبوة»، ثم أخذت أقيم على ذلك الأدلة والبراهين ، فعارضني جماعة من المستمعين على رأسهم صديقي الأستاذ الشيخ عبد الجواد رمضان، فلما كانت المحاضرة الثانية كنت قد أخذت الأهبة للدفاع عن تلك النظرية، وكان صديقي قد استقدم طائفة من زملائه علماء الأزهر لمعاونته اذا جد الجدُّ واحتدم النضال، فما هي إلا أن قلت: «أيها السادة! لقد أسلفنا في َّ المحاضرة الماضية أن الحب نفحة من نفحات النبوة»، حتى انفجر الأشياخ دفعة واحدة َّ مطالبين بوقف هذا الهراء، فتدخل الأستاذ الدكتور أحمد ضيف، وأبان لهم في رفق ودعابة أن الحب «كلام فارغ»، وأنني على خطأ فيما أقول مبين ، وأشار إليَّ بتخطي
ِّ هذه الفكرة، وطي ِّكل حديث فيه نبوة وأنبياء، حتى لا يثور القوم من جديد!"
كل هذه المعارك و المواجهات العنيفة كان يواجهها زكي مبارك بشجاعة نادرة و ببسالة استثنائية و جرأة علمية كبيرة كلها حماسة، لأنه آمن بأن الأدب فن يتعالى على الرقابة و القيود التي يضعها رجال محافظون يملكون السلطة السياسية او الدينية، و لذلك عقد فصلا شائقا رائقا في ذات المقدمة ساق فيه أدلة و شواهد و براهين قوية على أن الأدب المكشوف لا يخضع لحكم متمزمت ينهل من الاخلاق و الدين ، يقول فيه :" غير أني أحب أن أنتهز هذه الفرصة لأعرض لك رأيي في إيثار الأدب المكشوف ، إذ كنت واثقا من أنك سترى في جملة هذا الكتاب ما أخشى أن تتحرج منه، أو تتنكر له،مع أن الأدب كالفن يجب أن يسمو عن الأوضاع والتقاليد، حتى لا يفتر ْ ويضَوى بوضعه تحت رحمة المتزمتين من رجال الدين، ورعاية المتحرجين من دعاة الأخلاق" و استطرد في حديثه محاولا اقامة الدليل تلو الدليل على ان الادب المكشوف فن و ليس لهو او هزل و عبث مستدلا بنص طويل لابن قتيبة اورده في مقدمة مصنفه" عيون الاخبار" و أبدى زكي تبنيه لما جاء في كلام ابن قتيبة بما في ذلك القيود التي وضعها للادب المكشوف و تمييزه عن شعر الفرزدق و جرير لما فيه من ابتهار الاخوات و قذف المحصنات الغافلات و قال زكي بعد الانتهاء من نقل كلام ابن قتيبة :" ومن هذه الكلمة نرى أن ابن قتيبة يقيد الأدب المكشوف بقيد ٍ واحد؛ هو أن لا يكون«تعييرا وابتهارا في الأخوات والأمهات، وقذفًا للمحصنات الغافلات.» ونراه ينهى عن أن يكون ذلك النوع ديدن الكاتب وهجيراه، ويحصره في المواطن التي تنقصها الكناية،ويذهب بحلاوتها التعريض، وكذلك يرى اليوم أنصار الأدب المكشوف، فهم لا يريدون َّ أن يفرغوا للهزل والعبث، وإنما يريدون أن يعطوا كل مقام حقَّه من الحلاوة و المرارة ،أو الشدة واللين."
و يستمر زكي مبارك في توجيه النقض للعقول المحافظة محاولا هز بنيتهم الفكرية التي يقبعون داخلها من خلال فهم معين لنصوص الدين، فاعتبر أن الاسلام بتحريمه التصوير قد جنى على المسلمين جناية عظيمة و عطل مواهبهم الفنية فماذا خسر المسلمون بحكم التحريم هذا؟ نترك الاجابة لأديبنا الدكاترة زكي اذ قال :" وسيسأل القارئ: وما الذي خسرناه بانصراف المسلمين عن النحت والتصوير؟
ُ ونجيبه بأننا حرمنا بذلك من الوقوف على ميولهم وغرائزهم وسجاياهم، فلو تركهم الدين أحرارا في شرح ألوان حياتهم لرأينا كيف كانوا يلعبون وكيف كانوا يجدون و كيف كانت تجيش بصدورهم هواجس المنى ونوازع الآمال، ولكنه قيَّدهم فلم يتركوا لنا إلاآثارا ضئيلةً لا تكفي في كشف ما كانوا يضمرون."، و لم يقف زكي عند هذا الحد بل اعتبر موقف النبي من الشعر و الشعراء ساهم في اخماده، من خلال ما تقوله بعض الادعياء على النبي عليه الصلاة و السلام من أنه ما قرأ بيتا من الشعر الا كسره، و اعتبر ذلك إفكا و بهتانا مبينا و في هذا يقول زكي :" ولو عدنا إلى الشعر لرأينا أثر المتزمتين في إخماده كان غايةً في الشناعة والقبح، فقد عرض النبي بالشعر وهاجم الشعراء متأثًِّرا بعداوة من عاداه من شعراء العرب و شعراء اليهود ، فكان من ذلك أن أسرف جمهور المسلمين في بغض الشعر والنيل من الشعراء".
كل هذه الشواهد دالة على ان عددا من الفنون و الآداب شهدت ضمورا في تاريخ الامة نتيجة تسلط رجال الدين المحافظين عليها وسيلتهم في ذلك سلطة التاويل و التفسير للنصوص الدينية لا النصوص ذاتها ، هذا التسلط الذي أنتج عبر قرون عقلية محافظة تتحرج من صنوف عدة من الأدب و الفن، و هو ما كان زكي يصفه بجناية التحرج، هذا الضمور الذي يملك عليه أديبنا العديد من الأدلة و البراهين، بل ذهب إلى أن جناية التحرج لم تقف عند الفن و الأدب و وصلت إلى العلم حيث أكد أن الغزالي كان يكره التشريح، لأنه يذهب بفريق من العلماء إلى أن النفس تموت!.
لينتهي الأديب الدكاترة زكي مبارك إلى تقرير فلسفته و مذهبه في الأدب بالقول:"ولو أن الدين والخلق وقفا عند حدود العقل لخف الأمر وهان، ولكنهما صارا ِسنادا لكل ضعيف الحجة سقيم البرهان، فلنعلن حرية الآداب والفنون، وليرضى من شاءبالجهالة يحرسها الدين وتحوطها الأخلاق!".
إن الاديب زكي مبارك مهما كان مندفعا في فترة شبابه متحمسا في الانتصار لمذهبه و رأيه و افكاره، فخورا بنفسه بما بلغه من التحصيل المعرفي العميق و الكبير و الدقيق في الادب و اللغة ، و الذي فاق فيه اساتذته و اقرانه، دائم الزهو بنفسه و بما يجود به قلمه، فان أراءه كانت تنم عن فراسة و حدس أديب كبير، و فلسفته في الأدب تنم عن ذكاء اجتماعي و نبوغ عقلي نادرين، و نظرته للحياة و تذوقه الجمال أنى كان و حيث كان و شغفه بالحسن ، و نظره الثاقب في مناحي السلوك البشري و في نوازع النفوس و آمالها و آلامها و مما كانت تجسده الاشعار و النصوص الادبية المختلفة الأجناس التي أفنى زكي عمره في دراستها، بل جسدها و حكى عنها هو أيضا و درسها و فَلْسفها و نقلها الينا في مصنفاته ببيان و بلاغة ساحرين و بأسلوب نثري عذب لم يُسبق إليه، كل ذلك دليل على رسوخ الدكاترة زكي في أعماق الأدب و علومه و علو كعبه في الدراسات و التحقيقات الأدبية ، و مصنفاته ناطقة بذلك نطق قلمه الفصيح .
و لعل كل ما كان يعاب على زكي ما هو إلا مبالغات اديب لا يحلو الأدب إلا بها، و خيالات شاعر ملهمة لابداعاته، و تأملات و رغبات و أذواق و مشاعر أسرها الحسن و الجمال، و أشجان و أشواق و شهوات و نزوات صادفت فطرة سليمة و قلبا محبا و عقلا جبارا و طبعا بدويا شهما، فأخرجت للانسانية أدبا جسده زكي في صور فنية بديعة و لوحات أدبية ساحرة، نادرة الوجود، و قل ما يجود بها الزمان.
و ليس بالضرورة أن تكون الأحداث و الأشجان التي يرويها و يصفها الأديب او يتغنى بها الشاعر في شعره واقعية في كل تفاصيلها و لا مطابقة للواقع تمام المطابقة، فالقائلين بأن أعذب الشعر أكذبه لم يعوا رسالة الشاعر و الأديب ، فإنه لا يجوز محاكمة كل الصور الفنية و الأدبية و المشاهد البطولية في الفخر و الحماسة و غير ذلك من الأغراض الأدبية و الشعرية التي تجود بها قريحة الأديب أو الشاعر إلى أحكام الصدق و الكذب و الحل و الحرمة و الاباحة و الحظر، فهي في النهاية نثر و شعر زينته البلاغة و البيان و البديع، و قوامه اللفظ القوي الفصيح و العبارة الجزيلة و التراكيب البليغة و ثمرته المعاني التي تنير الفكر و تفسر الغاز الحياة و تبهج النفس و تسمو بها، و إن لم تصدق على صاحبها فهي لا محالة تصدق عما يجترحه الانسان و يقارفه و تصدق على ما يلاقيه المرؤ في الحياة من فرح و ترح و اغتباط و اكتئاب، و غاية الأديب و الشاعر ليس فقط رواية تجاربه و التغني بأمانيه بل إلهاب المشاعر الانسانية و إيقاضها لتنبعث من الخمول و تتذوق الحياة و الجمال و الحسن و تنطلق للابداع و الانتاج، و لما لا اللهو و الاستمتاع، فما تعبدنا الله بتقطيب الجبين أو ترْكِ المباحات او الانقطاع عن الدنيا، بل نهانا عن التكلف و الغلو و الرهبنة و أنكر و ذم المبالغة في التحريم.
و إذا كان زكي قد انصرف عن ألوان من الأدب و الكتابات كي لا يصطدم بعقائد الناس، فليس لأنه جبن أمام معارضة رجال الدين او تسلُّط من يملك القرار، أو أنه آثر السلامة و مجاملة القراء، لا بل إنه صرح في غير ما مرة انه لا يتهيب غضب القارئ، و في ما يلي قوله الذي يبين منهجه في الكتابة الأدبية :"ولم أخدعك، أيها القارئ، فيما تعرضت لشرحه من الحقائق الأدبية والفلسفية: فلم اتهيب َّمساقط غضبك و لم أتلمس مواقع هواك، وإنما صدقت كل الصدق فرآني فريق من الملحدين، ورآني فريق من المؤمنين ، ونسبني قوم إلى المجان، وعَّدِني قوم من الصوفية، وماكنت من أولئك ولا هؤلاء، وإنما أنا سار َ يبحث عن علَم الهداية في بَيَْداء الوجود، وما بيني و بين الله لا يعرفه عدو و لا صديق، و إنما علمه ُعند علام الغيُوب الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، وأنا أتقرب إليه بالصدق في درس شرائع الهَدى وذرائع الضلال. "
إن سيرة حياته دالة على مواجهاته الشجاعة مع كل من قاوم مذهبه في الادب او تعرض لكتاباته بالاسفاف بل تعرض لخصومه و انتقدهم و أخرج سقطاتهم من خبئها عن علم راسخ و فكر متقد خدمة للأدب ، و لاحقهم بتحقيقاته الأدبية إلى أن ظهر عليهم، في تعال كبير عن الأحقاد و الحسابات الضيقة و الكيد و المكر الذي ألِفه الصغار، و ماكان رحمه الله إلا كبيرا، غير أنه لما أعياهم و أفحمهم بأدبه العالي و اطلاعه الواسع كادوه و مكروا به فاتعبوه و الحقوا به الأذى و قطعوا رزقه و حالوا بينه و بين ما كان ينبغي أن يتقلده من مناصب في المؤسسات و الوزارات و الجامعات، أما الساحة الأدبية فقد تربع على عرشها و علا فيها على خصومه علوا كبيرا ، و ما ذلك بغريب عمن أصدر 45 كتابا اثنين منهم باللغة الفرنسية و نشر ما يزيد عن الف مقال و حصل على ثلاثة دكتوراه فلقب بالدكاترة، و لذلك فما انصرف زكي في نظري عن مواضيع العقيدة و الشريعة و الدين و انتقاد بعض الائمة الاعلام، إلا لأنه أزهري يعلم مواطن الحق في قطعيات النصوص ، و لانه كان مجلا للدين و اللغة و التراث الادبي العربي ، و لم يشأ أن يعين معاول الهدم من تيارات التغريب المدعومة من الخارج التي كانت تخلط بين الوحي و الفقه، و لا تقيم وزنا للدين و تدعو للتحلل منه أو ركنه في الزاوية بعيدا عن الشؤون العامة للمسلمين، هذا فضلا عن تبخيسهم للغة العربية و آدابها و التجني عليهما و الهجوم على الهوية و تزييف التاريخ ببحوث و مقالات تفتقد جلها للعلمية في الطرح والموضوعية في المقاربة، رغم أنه كان يعلم علم اليقين ان الفقه الاسلامي و الأدب العربي انتاج بشري و ان ما تقرر من أحكام و قواعد اجتماعية و أُحدث من مذاهب، يطالها الخطأ و الزلل كما الصواب، و ظل ينهى الناس عن نسبتها للدين الحنيف، لالتباسها باهواء القائلين و بأوضاعهم النفسية،و هو القائل :" لاني مقتنع بأن بعض المشرعين يأخذون كثيرا من اهوائهم و هم يضعون القواعد الاجتماعية، و من الخير ان نرجع أغلاط الائمة إلى مذاهبهم في فهم الحياة قبل ان نرجعها إلى الشرع الشريف." ، و قال في موضع أخر : '" من الخير كل الخير ان نعرف ما نسب إلى بعض الائمة من الهفوات، لانهم يتكلمون باسم الدين، مع انه يتفق ان يضع أحدهم القاعدة و هو مأخوذ من حيث لا يشعر بحالته النفسية"، لكنه رغم هذه القناعة أنف و أبى ان يسلك طريقا يسلكه من لا يثق في إخلاصهم واستقلالهم و حيادهم العلمي ، فحرمنا مما كانت ستجود به عبقريته في هذا الباب.
و قد عاش زكي داعيا لبعث الأدب العربي الأصيل الذي لطالما اعتبره أدبا شامخا يصاول أدب الأمم الأخرى، و داعيا للعناية باللغة العربية التي لا تضاهيها في المعمورة لغة مثلها، فلم يكن ابدا ليسمح ان يختلط نقده للتراث و الفقه و أعلام الأمة و رموزها، بإفك المستلبين المقلدين لثقافة الغالب المستعمر.
و أرجوا ألا نكون بانصراف زكي مبارك عن الكتابة في مجال الدين قد حرمنا من رأي هذا الاديب العملاق في قضايا الدين و العقيدة وتاريخ التشريع، و ما كتابه :" اصلاح اشنع خطأ في تاريخ التشريع الاسلامي، كتاب الام: لم يؤلفه الشافعي و انما الفه البويطي و تصرف فيه الربيع ابن سليمان" الا دليلا اولا :على دقة تحقيقاته الأدبية و التاريخية و سعة اطلاعه و تمكنه و ضلوعه في التعامل مع الوثائق التاريخية و المرويات، و دليلا ثانيا: على خيبة رجائي أيضا ، فنحن قد حرمنا فعلا بانصراف زكي عن ذلك من سيل منهمر من الأدب و النظر و الفلسفة و البيان و الرأي و البرهان، و من اطلع على كتبه التي هي اطاريحه في الدكتوراه "النثر الفني في القرن الرابع " و "الاخلاق عند الغزالي"و " التصوف الاسلامي في الادب و الاخلاق" سيعلم حجم الغبن الذي غبن فيه الأدب لما انصرف زكي عن الكتابة في مثل هذه المواضيع و نقدها.
لكن لئن استشعر الحرج زكي في مواضيع العقيدة و الدين، فانه لم يستشعره في أدبه و شعره الخالصين فلم ينصرف زكي عن مذهبه في الحب و مذهبه في النقد الادبي،و اعتبر الحب و صحة القلوب و إجادة التعبير عن أسرارها هي أمارة قوة الأمم و صحة العقول ، إذ قال في كتابه العشاق الثلاثة :
" وطغيان العقل في عصور المدنية لم يَقَْوَ على صدِّ طغيان القلب، لأن القلب هوالجارحة الباقية، ولأنه من أقوى الشواهد على صحة العقل، ولهذا امتازت الأمم القويةبإجادة التعبير عن أسرار القلوب.
وهل ننسى أن الآداب الأجنبية لم تصل إلينا إلا بجاذبية الأدب الوجداني؟"ص 9
و كاد أن يتخذ من الحب دينا للمحبين فيه الشرك و التوحيد، و إليكم هذا النص الأدبي الفريد والممتع القوي اللفظ و المعنى و الذي قل ما يصادفه قارئ في كتاب لأديب قال زكي في كتابه العشاق الثلاثة ص 10 :" لم يكن جميل يرى غير بثينة، ولم يكن كثير يرى غير عزة، ولم يكن العباس يرى غير فوز، وهذه الوحدانية تماسك روحي وثيق، وهو لا يتيسر لغير كبار القلوب.
وللتوحيد في الحب نظائر في أكثر الآداب، ولكنه في الأدب العربي أظهر وأوضح، لأنه نشأ في بيئة مفطورة على إيثار التوحيد.
ِّ إن الشرك في الحب قد يعين على فهم الألوان المختلفة من طبائع الملاح ، وهذا ما قصدإليه فريق من شعراء الفرنسيس والألمان.
ِّ أما التوحيد في الحب فيوجه العاشق إلى درس نفسه بقوة وعمق، ليرى مبلغ قدرته على إدراك ما في الروح من سجاحة الهدى وشراسة الضلال.
المشركين بالحب درسوا طبائع متعددة سمح الشرك بدرس تقلبها دراسة وافية َّ ولا كذلك الموحدون في الحب، فقد درسوا نفوسهم في صحبة أحبابهم دراسة بلغت الغايةفي محاولة التعرف إلى سرائر الأرواح.
ُمثل هؤلاء مثَل الرجل المتزوج ، فهو يفهم سر المرأة بأعمق مما يفهمه الرجل الفاجر؛ِّ لأن المتزوج يرى المرأة في جميع أحوالها، أما الفاجر فلا يرى من المرأة غير تلافيف من البهرج المبطن بالخداع.
أتذكرون أن نبي الإسلام كان له تسع نساء؟ كان ذلك لأن الله أراد أن يتيح له أعظم فرصة لدرس الطبيعة الإنسانية، ولهذا كانت آراؤه في تحديد الصلات بين الرجال والنساء
أصدق الآراء.
أما بعد فهل بقي ما أنص عليه في هذا التمهيد؟
آمنت بالله ، وكفرت بالحب!
َّ لقد كتبت هذا التمهيد عشرين مرة، ثم مزقت ما كتبت؛ لأني تحدثت فيه عن شجون تنكرها الحكمة التي تقول بأن الرياء سيد الأخلاق!
َّ هل كان ذلك التهيب لأني تخوفت من إيذاء الروح التي انتظرت أن أعلن اسمها في كتابي ليزداد جمالا إلى جمال؟!
ً لن أسميها أبدا، ولن أولع بها الرقباء، فلتغضب كيف شاءت، ولتبدل حياة الحب من حال إلى أحوال، إن كانت تستطيع، ولن تستطيع، فهي ملك يميني إلى آخر الزمان.
ُ تلك الصورة الأولى بعد العشرين من هذا التمهيد، وهي الصورة النهائية، فقد تعبت من مقاتلة الألفاظ والمعاني ، ولم يبق إلا أن أعتصم بالرموز والتلاميح.
َهوى جميل عند بثينة، وهوى كثير عند عزة، وهوى العباس عند فوز، فأين هواي؟
وما هو اسم الجميل الذي أحجبه بحجاب هذا الكتمان؟
َّ هؤلاء الموحدون في الحب لن يكونوا أصدق مني، ولن ترى الدنيا — ولو تحولت إلى فردوس — عاشقًا أصدق مني، ولن أرى أكرم منك يا تلك الروح الغالية، ولا أعذب ولاِ ألطف، وإن توهمت أن الصدود من جنود «الجمال»!
هؤلاء الموحدون في الحب يتكلمون باسمي، على بُعد الزمان والمكان ، فأنا وأنت أول صوت يناغي ضمير الوجود.
َ اقرئي هذا الكتاب، يا تلك الروح، وتناسي أننا تلاقينا لحظة من زمان، لتذوقي طعم النوم لحظة من زمان!
هذا الكتاب آخر العهد بالعتاب، وآه ثم اه من توديع العتاب!
سبحان من لو شاء سوى بيننا ^ و ادال منك فقد اطلت عذابي. " انتهى
فكم من نص أدبي حافل بالجرأة في إبداء الرأي و القدرة على الاختيار و الانحياز و اعتناق المذهب في الادب و الحياة و التشبع بالفلسفة و الايمان، و كم نص أدبي زاخر بالوجدان الملتهب و بالبيان و البلاغة و البرهان و الأسلوب العذب مثل هذا قد حرمنا منه بانصراف زكي مبارك عن الكتابة في قضايا اجتماعية و دينية كي لا يصطدم بعقائد الناس.
إذن فماذا عن كتاب تاريخ بغداد الذي منع من الصدور ، فإنه لم يصلنا الا كتاب "وحي بغداد"، و كل ذلك بسبب ما أسماه زكي بجناية التحرج و معارضة المتزمتين، فأي رزء و مصاب جلل هذا أصاب الامة في أدبها و أدبائها ؟ تتجدد أحزانه في قلوب محبيك يا زكي كلما حلت ذكرى وفاتك في الثالث و العشرين من يناير في كل سنة، و رحيلك عنا و أنت مكلوم القلب مكسور الخاطر، تشكو ظلم الزمان، و ما جار الزمان و إنما جار أهله ، و ها أنت بعد مماتك سكنت القلوب و خلَّدت ذكرك بما اقتبسته من روحك و عقلك و قلبك من مؤلفات و نصوص أدبية كاللؤلؤ المنثور ستبقى غرة في جبين الأدب، و حور في عيون الزمان.
و إنّ وفاتك يازكي إن أحزنت محبيك فقد أخزت أعداءك.
فعليك مني السلام و لروحك السلام ، رحمك الله يا زكي.