22/04/2025
القاضي بين ضغط الأفكار الشعبية وواجب الإلمام بواقع النزاعات!
في عالم يزداد فيه التشويش بين الرأي العام والحقيقة القانونية، يبرز سؤال جوهري: هل يجب على القاضي أن يخضع لتأثير الأفكار الشعبية، أم أن واجبه يفرض عليه أن يكون حارسا للعدالة بمعزل عن موجات الرأي العام؟
الجواب، ببساطة ووضوح، أن القاضي لا يمكنه أن يكون أسير مزاج المجتمع، ولا صدى للأصوات المرتفعة خارجه، لأن العدالة لا تبنى على العواطف العابرة، ولا توزن بميزان ما يراه "الناس"، بل تقاس بميزان القانون والحقيقة المجردة.
القاضي، بصفته ضمير العدالة، يتحمل مسؤولية استثنائية، فهو يقف عند مفترق طرق بين نص القانون، والواقع المعروض أمامه، وصوت الشارع الذي غالبا ما يكون مشحونا بالعاطفة، ومفتقرا للمعطيات الدقيقة. إن خضوع القاضي للأفكار الشعبية قد يقوده، دون وعي، إلى إصدار أحكام ترضي المجتمع مؤقتا، لكنها تظلم الفرد وتسيء إلى العدالة.
العدالة ليست مشهدا مسرحيا يكتب لجمهور ينتظر نهاية مرضية، بل هي عملية دقيقة تقوم على التمحيص، التثبت، الموازنة، والارتكاز على أدلة واقعية لا على أهواء الناس.
لكن في المقابل، لا يجب أن يكون القاضي معزولا عن الواقع. فالإلمام بواقع المجتمع، بثقافته، بخصوصيات تركيبته الاجتماعية، ضروري لفهم دوافع التصرفات، وتأويل النصوص بما يتماشى مع سياق الحياة الواقعية، وليس بعيدا عنها. إن العدالة العمياء بالمفهوم السطحي، أي التي تغض الطرف عن الظروف الاجتماعية والثقافية للمتقاضين، عدالة ناقصة، تفتقد روح القانون حتى وإن تمسكت بحرفه.
من هنا تنبع الحاجة الملحة لأن يكون القاضي:
مستقلا عن الأفكار الشعبية: لأن العدالة الحقيقية لا تخضع لتقلبات الرأي العام، ولا لموجة إعلامية، ولا لصيحات مواقع التواصل الاجتماعي.
ملما بواقع النزاعات: لأن فهم خلفيات النزاع والسياق الاجتماعي يساعد في تحقيق توازن عادل بين النصوص القانونية ومقاصدها الواقعية.
بهذه الثنائية المتوازنة — استقلال عن تأثير الأفكار الشعبية، وإلمام عميق بواقع المجتمع — وحدها يتحقق العدل، ويترسخ الإيمان بسلطة القضاء كملاذ أخير يعلو فوق الأهواء، ولا يخضع إلا لسلطان الضمير والقانون.
ختاما، العدالة ليست دائما ما يرضي الناس، بل ما ينصف الإنسان.
# مروان_سقارب
محام بهيئة الدارالبيضاء