08/06/2026
**المحامي الشبعان**
~~~~~
حين تختار محاميًا ليتولى قضيتك، لا تبحث فقط عن الأكثر شهرة، ولا عن صاحب المكتب الأكبر، ولا عن الشخص الذي يَعِدك منذ اللقاء الأول بأن القضية مضمونة وأن الحكم في يدِه.
ابحث عن المحامي "الشبعان".
والمقصود بالشبع هنا ليس امتلاك المال وحده، ولا أن يكون المحامي ثريًا؛ فكم من إنسان يملك الكثير ولا يزال أسيرًا للطمع، وكم من إنسان محدود الإمكانات لكنه عزيز النفس، نزيه اليد، لا يبيع ضميره ولا كلمته.
المقصود بالمحامي الشبعان هو ذلك المحامي الذي لا يتوقف مستقبله على أتعاب قضيتك، ولا يطارده الخوف من أن تنصرف إلى غيره، ولا يحتاج إلى استرضائك بالكلام الذي تحب سماعه.
هو المحامي الذي يستطيع أن يقول لك بوضوح:
موقفك القانوني ضعيف.
هذا الطلب لا سند له.
هذه القضية لا تستحق أن تُقام.
هذا الطريق سيستهلك وقتك ومالك دون جدوى.
والصلح في حالتك أفضل من الخصومة.
المحامي المحتاج إلى القضية قد يخشى أن يصارحك بالحقيقة حتى لا يفقد الأتعاب، وقد يتركك تتعلق بآمال غير واقعية، أو يدفعك إلى معارك لا طائل منها، أو يبالغ في تقدير فرص النجاح؛ لأن خسارة القضية بالنسبة إليه تبدأ قبل أن يدخل قاعة المحكمة: تبدأ لحظة خسارة الموكل.
أما المحامي المستغني، فلا يحتاج إلى خداعك كي يحتفظ بك، ولا إلى تخويفك كي تستمر معه، ولا إلى إطالة النزاع كي يظل باب الأتعاب مفتوحًا.
يأخذ قضيتك إذا اقتنع بها، ويعتذر عنها إذا لم يجد فيها ما يستطيع الدفاع عنه بأمانة، ويخبرك بالحقيقة ولو كانت قاسية؛ لأن دوره ليس أن يبيعك الأمل، بل أن يحمي مصالحك في حدود القانون والواقع.
ولا يعني ذلك أن المحامي يعمل بلا مقابل، أو أن تقدير أتعابه أمر يعيبه.
فالمحاماة مهنة، والعمل الجاد له قيمته، والخبرة لها ثمنها، والوقت الذي يُبذل في دراسة قضيتك هو جزء من عمر المحامي وعلمه ومسؤوليته.
لكن الفارق كبير بين محامٍ يتقاضى أتعابه بكرامة مقابل عمل حقيقي، ومحامٍ يرى في كل نزاع فرصةً لا يجوز أن تفلت من يده، ولو كان يعلم أن الطريق مسدود.
حين تختار محاميك، ابحث عن صاحب النفس الممتلئة قبل الجيب الممتلئ؛ عن ذلك الذي لا تغريه أتعاب القضية بأن يجمّل لك الباطل، ولا تمنعه حاجته من أن يقول لك: لا.
فالمحامي الذي لا يقف على باب قضيتك منتظرًا رزقه منها، غالبًا ما يكون أقدر على أن يقف إلى جوارك فيها بصدق، وأمانة، وإخلاص..
---
من أروع ما قرأت.
عن : أ/ مصباح محمد القربة ===
المحامي-