21/08/2026
⚖️قراءة في حكم بطلان حكم التحكيم
أصدرت محكمة بنغازي الابتدائية حكمها في الدعوى المنظورة أمامها حيث أودعت أسباب قضائها وقضت في المنطوق بفسخ عقد إيجار قطعة الأرض المبرم بتاريخ ثمانية يونيو سنة ألفين وستة وإلزام الشركة المدعى عليها بتعويض المدعي مادياً عن ما فاته من كسب وما لحقه من خسارة بمبلغ وقدره مليار دينار ليبي وإلزام الشركة المدعى عليها بتعويض المدعي أدبياً بمبلغ وقدره خمسة مليار دينار ليبي والقضاء ببطلان حكم التحكيم الصادر بتاريخ اثنين وعشرين مارس سنة ألفين وثلاثة عشر بجميع أجزائه وآثاره وعدم الاعتداد به داخل وخارج ليبيا واعتباره كأن لم يكن وإلزام الشركة المدعى عليها بالمصاريف القضائية ورفض ما عدا ذلك من طلبات
🖋وينصب التقييم القانوني للحكم على ما ورد في البند الرابع من المنطوق والمتعلق بالقضاء ببطلان حكم التحكيم إذ يتسم التسبيب الوارد بصدده بخروج بيّن عن المبادئ المستقرة في فقه التحكيم الدولي والمحلي حيث اعتمد على خلط إجرائي وموضوعي بين آلية الفسخ القضائي وعارضة البطلان و ذلك النحو التالي
أولاً الخرق الصريح لمبدأ استقلالية شرط التحكيم
بنت المحكمة قضاءها ببطلان حكم التحكيم على الفسخ الرجعي للرابطة العقدية معتبرةً أن انهيار العقد يستتبع تلقائياً انعدام شرط التحكيم المضمن فيه وتجريده من أي أثر قانوني
التأصيل الناقد يُعد هذا الطرح انتهاكاً لأساسيات التحكيم التجاري والدولي فالشرط التحكيمي صلب العقد هو اتفاق مستقل بذاته عن العقد الأصلي لا يزول بفسخ العقد أو إنشائه أو بطلانه بل يظل حياً ومنتجاً لآثاره خصيصاً للفصل في النزاعات المترتبة على ذلك الفسخ والآثار الناشئة عنه
ثانياً التوسع غير السائغ في مفهوم النظام العام ومجاوزة حد الرقابة الإجرائية
خاضت المحكمة في تقييم العدالة الموضوعية لحكم التحكيم واعتبرت التقديرات المالية والتعويضات المقضي بها للإثراء بلا سبب وفوات الكسب صوراً لمخالفة النظام العام والشرائع الآمرة
التأصيل الناقد قاضي دعوى البطلان يمارس رقابة إجرائية وسيرة شكلية للتحكيم ولا يملك إعادة مراقبة تقدير الوقائع أو التعويضات التي قدرها المحكمون وإن إقحام أسباب تتعلق بالتقدير المالي تحت مظلة النظام العام يُفرغ التحكيم من غايته الاستقرارية ويتعدى حدود الولاية القضائية الممنوحة لمحكمة البطلان
ثالثاً الخلط بين القوة القاهرة كسبب للإعفاء وتأثيرها على العقد الإجرائي للتحكيم
استند الحكم إلى مرور البلاد بظروف استثنائية وحالة حرب للاستدلال على وجود عيوب إرادة وتدليس وضغط من الشركة للاستئثار بحكم تحكيمي
التأصيل الناقد اعتوار هذا التسبيب يكمن في قصور التدليل إذ إن القوة القاهرة أو الظروف الأمنية قد تؤثر في التزامات التنفيذ العادي للعقد المادي لكنها لا تُبطل اتفاق التحكيم ما لم يثبت بالدليل القاطع قيام إكراه أو تدليس مباشر شاب الرضا وقت إبرام شرط التحكيم ذاته والاستناد المباشر للأوضاع العامة دون ربط سببي محكم يُعد استنتاجاً غير سائغ
رابعاً الانحراف في تكييف انسحاب المحكم وتشكيل الهيئة
اعتبر الحكم أن انسحاب المحكم المعين من قبل الدولة وعدم توقيعه يعيب تشكيل الهيئة ويهدر أصول التقاضي والنظام العام
التأصيل الناقد انسحاب أحد المحكمين بعد اكتمال المداولة أو رفعه يده دون سبب قانوني لا يُبطل الحكم التحكيمي متى صدر بالأغلبية القانونية للهيئة والقول بعكس ذلك يعطي أي طرف سلطة تعطيل العدالة وإفشال العملية التحكيمية بمجرد توجيه محكمه للانسحاب وهو ما تتفق المبادئ الدولية والمحلية على رفضه لحماية نجاعة التحكيم
خامساً القصور في فهم الشرط النافي للطعن بالنصوص الاتفاقية فسّرت المحكمة الملحق الصادر بالنص على عدم جواز الطعن بأنه افتراس لولاية القضاء الوطني واعتداء على حق التقاضي
التأصيل الناقد الاتفاق على نهائية أحكام التحكيم وتنازل الأطراف عن طرق الطعن العادية كالاستئناف إرادة مشروعة ومكفولة في أغلب التشريعات المنظمة للتحكيم ولا يُصادر ذلك الحق الأصيل في رفع دعوى البطلان المباشرة المرتكزة على العيوب الشديدة الحصر وخبرة المحكمة في الخلط بين الطعن العادي ودعوى البطلان الأصلية تمثل خطأً في التكييف السليم للطلبات
وتشير هذه المحاور بمجملها إلى أن القضاء ببطلان حكم التحكيم في هذا موضع الطعن اعتمد على أسباب الموضوع لا الإجراء وشابه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال مما يجعله عرضة للإلغاء لدى الدرجات الأعلى