30/05/2026
كتب المحامي الأستاذ اسكندر الياس على صفحته:
من أقوال المرحوم نجيب رياض الصلح:
«المحاماة ليست مهنة من لا مهنة له، بل مهنة من يملك أن يكون قاضياً، لكنه إختار أن يكون محامياً».
فالمحاماة مهنة تساهم في تنفيذ الخدمة العامة، عبر تأدية رسالة سامية تتمثل بمشاركة القضاء في إرساء العدالة وتحقيقها بين الناس وفي المجتمعات.
لذلك، فقد سُمّيت في روما «مهنة النبلاء»، وسُمّيت عند العرب «لسان الحق». لأن المحامي يتكلم بإسم حق مهدد، أو حق مهدور، أو بإسم مظلوم يبحث عن إنصاف، أو بريءٍ يحتاج إلى من يرفع عنه غبار الإتهام.
ويفترض أن تتوفر في من يوّد أن يمارس هذه المهنة "هيبة" تتجلى بصور متعددة.
هذه الهيبة ُتكتسب من خلال التقيد بأحكام القوانين والأنظمة النقابية، لا سيما نظام آداب المهنة وأعرافها وتقاليدها ومناقب المحامين.
كما أنها لا تُمنح بقرار، ولا تُصنع بمرسوم، ولا تُشترى بالمال، إنما تُبنى بصبرٍ طويل، وبمواقف يومية ولو صغيرة، بكلمة حقٍّ تُقال، بمرافعة شجاعة، بأمانة لا تساوم، وبضمير لا يُباع.
أما الهيبة الحقيقية فتبدأ من الضمير. فالمحامي الذي يبيع ضميره لقاء حفنة من المال يفقد هيبته قبل أن يفقد قضيته، ويخسر إحترامه لنفسه، وثقة الناس به، ومعنى الرسالة التي يحملها.
وهناك هيبة الأخلاق. فالقانون إذا إنفصل عن الأخلاق تحوّل إلى مكرٍ وحيلة. فقوة المحامي الحقيقية في أمانته، وإستقامته، وصدقه مع نفسه، وموكله والقضاء. إن هيبته لا تأتي من رَفع الصوت، بل من رفعة الموقف، ولا من قسوة العبارة، بل من صلابة الحجة.
ومن مظاهر الهيبة أيضاً الزيّ الأسود، بما يضفيه من وقارٍ ومهابة على عمل المحامي. فهو رمزٌ لإنتماء المحامي إلى تقليدٍ عريق، يذكره بأنه يمثل مهنة لها تاريخ وكرامة وذاكرة.
وتتجلّى هيبة المحامي كذلك في استقلاليته. فهو لا يتبع سلطاناً، ولا يخضع لجاه، وينحني فقط أمام ضميره والقانون، ولا يبايع إلا الحق. فالاستقلالية في المحاماة هي شرط وجودها وكرامتها.
ويحافظ المحامي على هيبته مهنياً بالعلم، وبالإطلاع المستمر على القوانين والاجتهادات، وبالتحضير الجيد لكل قضية تُسند إليه، وبإحترامه لمواعيده، ولزملائه، وللقضاء، ولأصول المخاطبة والمرافعة. فالعلم هو سلاح المحامي الأول.
كما يحافظ المحامي على هيبته أخلاقياً حين يرفض القضايا الظالمة، ويحفظ سرّ موكله، ويصدقه القول، ولا يعده بما لا يملك، ولا يجعل من قلقه باباً للاستغلال. فالموكل، حين يضع قضيته بين يدي المحامي، إنما يسلّمه خوفه وكرامته ومصيره، وأحياناً حياته كلها.
وتظهر هذه الهيبة أيضاً في المظهر اللائق المتفق مع ما تفرضه المهنة من مهابة، واللغة المهذبة، والهدوء، والابتعاد عن الجدل العقيم والصراخ والإسفاف.
أما اجتماعياً، فإن هيبة المحاماة تكتمل حين يخرج المحامي من حدود مكتبه إلى فضاء المجتمع، مشاركاً في نشر الثقافة القانونية، وناصراً لاستقلالية النقابة، وحارساً لقيم العدالة والحرية والكرامة العامة. فالمحاماة لا تعيش في الملفات وحدها، بل في المجتمع الذي تحتاجه ويحتاجها.
ومن هنا، فإن علاقة المحامي بالقاضي هي علاقة تكامل. فالقاضي يرى في المحامي عوناً له في الوصول إلى الحقيقة، وشريكاً في إنارة جوانب النزاع، وضمانةً أساسية لحسن سير العدالة.
وعندما يثق الموكل بأنه بين أيدٍ أمينة، وعندما يشعر الخصم أنه أمام محام نبيل، وعندما يرى القاضي في المحامي عوناً صادقاً، وعندما يحافظ المحامي على ضميره وشرف مهنته، عندها فقط نستطيع القول إن للمحاماة هيبتها.