08/01/2026
⸻
تزيف القيم في واقعنا الأردني والعربي حين يُعاد تعريف الفساد باعتباره شطارة، وتُبرَّر الخيانة على أنها وجهة نظر، ويُطلب من الناس التعايش مع الانحراف بوصفه قدرًا لا مفرّ منه.
ففي مجتمعات قامت تاريخيًا على منظومة أخلاقية راسخة، يجري اليوم تفكيك هذه المنظومة بهدوء، لا عبر الصدام المباشر معها، بل من خلال التطبيع مع الخطأ، وتسويق الرداءة، وتخوين الموقف المبدئي، وتجريم الصوت الصادق.
لقد عُرف الأردن، كما كثير من الأقطار العربية، بثقافة الدولة والمؤسسات، وبقيمة النزاهة والالتزام والمسؤولية العامة. غير أن أخطر ما يواجهه اليوم ليس مجرد أزمات اقتصادية أو ضغوط سياسية، بل محاولات منهجية لإعادة تشكيل الوعي العام، بحيث يصبح الفاسد “ذكيًا”، وصاحب المصلحة الضيقة “واقعيًا”، ومن يتمسك بثوابت الوطن والأمة “حالمًا” أو “متطرفًا”.
وعلى المستوى العربي، تتجلى الأزمة بصورة أشد وضوحًا؛ إذ تُختزل القضايا الكبرى، من السيادة إلى فلسطين، في حسابات آنية ومساومات سياسية، وتُقدَّم التنازلات على أنها حكمة، والتفريط على أنه شجاعة، فيما يُلاحق كل من يرفض هذا المنطق بتهم التخوين أو عدم مواكبة العصر.
إن معركة الأردن والعرب اليوم ليست معركة شعارات، بل معركة قيم ومعايير. فالدول لا تُهزم فقط حين تُكسر جيوشها، بل حين يُكسر وعي شعوبها، وحين يُقنع الناس بأن ما كان خيانة بالأمس صار رأيًا محترمًا اليوم، وما كان فسادًا صار مهارة تستحق الإشادة