06/02/2026
#المبدأ: لا يجوز مزاحمة الدائن الأول ومشاركته في استيفاء الدين من الراتب الشهري للمدين ما لم يتم استيفاء دين الحاجز المتقدم أولاً، لأن سند دينه أسبق ثبوتاً بالتاريخ، ولا تثبت حجية السند العادي في تاريخه تجاه الغير إلا من يوم اكتساب التاريخ الثابت وفق المادة 26 من قانون الإثبات … وهذا ما ذهبت إليه محكمة استئناف كربلاء بصفتها التمييزية الموقرة بموجب القرار المرقم ٤٢٧/ت/تنفيذ/٢٠٢٤ والمؤرخ في ٢٠٢٤/١١/٢٤.
#التفاصيل:
نفذ الدائن (أ) في مديرية التنفيذ على المدين (ب) طالباً استيفاء دينه من راتب المدين، وضمن سياق التنفيذ ظهر وجود دائن آخر (ج) يطالب بالدين أيضاً ضمن أضبارة تنفيذية أخرى على ذات المدين، فتداخلت المطالبات على مورد واحد هو الراتب وما يتحصل منه من مبالغ شهرية ، أصدر المنفذ العدل قراراً بتوزيع الحصيلة التنفيذية وتنظيم جدول اشتراك على أساس أسبقية الدين وثبوت التاريخ، فاعتبر أن الدائن (ج) هو الحاجز المتقدم لأن دينه ثابت التاريخ بسند رسمي محرر بتاريخ أسبق، وأن له حكماً قضائياً باتاً يثبت مبلغ الدين، كما أن الحجز على راتب المدين تم بناءً على طلبه بوقت متقدم. في المقابل، كان الدائن (أ) يستند إلى سند عادي اكتسب تاريخاً ثابتاً لاحقاً بالتأشير عليه من جهة مختصة، وإن كان قد صدر له أيضاً حكم قضائي يثبت دينه واتخذ إجراءات حجز على راتب أحد المدينين المتضامنين ، وبهذا الأساس قرر المنفذ العدل صرف المبالغ المتحصلة أولاً للدائن الحاجز المتقدم (ج) حتى تمام استيفاء دينه كاملاً، ثم بعد انتهاء ذلك يُصرف ما يتبقى لصالح الدائن (أ) وفق التسلسل، مع تبليغ الدائنين أصولياً وتنظيم جدول الاشتراك وفق الضوابط ، طعن الدائن (أ) تمييزاً بقرار التوزيع، إلا أن محكمة استئناف كربلاء بصفتها التمييزية الموقرة وجدت أن القرار المطعون فيه صحيح وموافق للقانون، لأن معيار التقديم في المزاحمة على الأموال المحجوزة لا يُبنى على الرغبة بالمشاركة أو تقارب المواعيد، بل يُبنى على ثبوت التاريخ وأثره تجاه الغير، وعلى التزام المنفذ العدل بتطبيق قواعد توزيع الحصيلة التنفيذية، وأن الحاجز المتأخر لا يشارك الحاجز المتقدم في الراتب ما لم يكن سند الحجز المتأخر ثابت التاريخ بما يسبق أو يوافق الحجز المتقدم. لذلك قررت تصديق قرار المنفذ العدل ورد الطعن وتحميل المميز الرسم.
:
• نص المادة 110 من قانون التنفيذ رقم 45 لسنة 1980:
أولاً – إن أسبقية أحد الدائنين في حجز أموال المدين لا يمنحه حق امتياز لدينه.
ثانياً – إذا استند الحجز المتأخر إلى حكم مبني على إقرار شفهي أو على نكول عن اليمين أو على إقرار تحريري لم يثبت رسمياً أن تاريخه يسبق أو يوافق الحجز المتقدم، فليس للحاجز المتأخر المشاركة في الأموال المحجوزة، بل له أن يستوفي دينه من أموال المدين الأخرى.
ثالثاً – تطبق أحكام الفقرة (ثانياً) من هذه المادة إذا استند الحجز المتأخر على محرر لم يثبت رسمياً أن تاريخه يسبق أو يوافق الحجز المتقدم.
هذه المادة ترسم الحد الفاصل بين “الأسبقية في الحجز” وبين “حق المشاركة”. فالأسبقية وحدها لا تخلق امتيازاً، لكنها تمنع المزاحمة عندما يكون سند الحجز المتأخر غير صالح لإثبات تاريخ سابق أو معاصر للحجز المتقدم تجاه الغير. والغاية هنا حماية استقرار إجراءات التنفيذ ومنع تفتيت مورد الاستيفاء (كالراتب) بين مطالبات متأخرة لا تملك سنداً ثابت التاريخ ينهض لمواجهة الغير.
• نص المادة 111 من قانون التنفيذ رقم 45 لسنة 1980:
أولاً – يُحسم مبدئياً من المبالغ المستحصلة المصاريف التنفيذية التي أنفقها الدائن في سبيل استحصال تلك المبالغ، وإذا لم يكف الباقي لتسديد طلب الدائنين الذين طلبوا استيفاء ديونهم فيقسم بينهم بنسبة مقدار كل منها إذا كانت كلها ممتازة أو عادية من مرتبة واحدة.
ثانياً – إذا كانت الديون عادية وممتازة، فيستوفى الدائنون الممتازون ديونهم أولاً ثم يوزع الباقي على أصحاب الديون العادية، على أن يستوفي أصحاب الديون الممتازة ذوو المرتبة المتقدمة ديونهم أولاً ثم يليهم أصحاب الديون الممتازة ذوو المرتبة المتأخرة.
هذه المادة تُنظم “كيفية التوزيع” بعد ثبوت أحقية الدخول في التوزيع. فهي تبدأ بالمصاريف التنفيذية لأنها كلفة تحصيل المال ذاته، ثم تنتقل لآلية القسمة إذا تعددت الديون، مع التفريق بين الديون الممتازة والديون العادية. وفي التنفيذ على الراتب غالباً ما تكون نقطة الحسم الأولى: من يملك حق الدخول في المشاركة أصلاً، ثم بعد ذلك يأتي دور قواعد التوزيع ونسب القسمة عند اتحاد المرتبة.
• نص المادة 26 من قانون الإثبات رقم 107 لسنة 1979:
أولاً – لا يكون السند العادي حجة على الغير في تاريخه إلا منذ أن يكون له تاريخ ثابت، ويكون تاريخ السند ثابتاً في إحدى الحالات التالية:
أ – من يوم أن يصدق عليه الكاتب العدل.
ب – من يوم أن يثبت مضمونه في ورقة أخرى ثابتة التاريخ.
ج – من يوم أن يؤشر عليه قاضٍ أو موظف عام مختص.
د – من يوم وفاة أحد ممن لهم على السند أثر معترف به من خط أو إمضاء أو بصمة إبهام، أو من يوم أن يصبح مستحيلاً على أحد من هؤلاء أن يكتب أو يبصم لعلة في جسمه، وبوجه عام من يوم وقوع أي حادث آخر يكون قاطعاً في أن السند قد صدر قبل وقوعه.
هذه المادة هي قلب المزاحمة في التنفيذ عندما يكون أحد الدائنين يستند إلى سند رسمي أو سند ثابت التاريخ منذ صدوره، بينما الآخر يستند إلى سند عادي لم يكتسب التاريخ الثابت إلا لاحقاً. فالتاريخ هنا ليس تفصيلاً شكلياً؛ بل هو معيار موضوعي لترتيب أثر السند تجاه الغير، ومنهم الدائنون الآخرون. لذلك يكون من الطبيعي أن يقدَّم الدائن الذي يملك سنداً ثابت التاريخ أسبق، لأن سند غيره لا يحتج بتاريخه على الغير إلا من يوم ثبوته رسمياً.
• نص المادة 210/2 من قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969:
بعد إكمال التدقيقات التمييزية تصدر محكمة التمييز قرارها على أحد الوجوه التالية:
2 – تصديق الحكم المميز إذا كان موافقاً للقانون وإن شابه خطأ في الإجراءات غير مؤثر في صحة الحكم.
ورود هذه المادة في ختام القرار يبين الأساس الإجرائي الذي يجيز للمحكمة الموقرة تصديق القرار التنفيذي المطعون فيه متى ما كان منسجماً مع صحيح القانون، حتى لو أثيرت ملاحظات لا تمس جوهر النتيجة. وفي القرارات التنفيذية تحديداً، يكون جوهر النتيجة هو سلامة تطبيق قواعد المزاحمة وثبوت التاريخ وتوزيع الحصيلة.
#الخلاصة:
متى ما تزاحم دائنون على استيفاء ديونهم من الراتب، فإن الدائن الحاجز المتقدم لا يُزاحم ولا يُشارك من الدائن الحاجز المتأخر إلا إذا كان سند الحجز المتأخر صالحاً للاحتجاج بتاريخه على الغير على نحو يسبق أو يوافق الحجز المتقدم، وإلا انحصر حق الحاجز المتأخر في الاستيفاء من أموال أخرى أو الانتظار إلى حين إكمال استيفاء الحاجز المتقدم.
:
يتجه قضاء محكمة استئناف كربلاء بصفتها التمييزية الموقرة إلى تثبيت قاعدة عملية في التنفيذ مفادها أن المزاحمة على الراتب ليست “مشاركة تلقائية” بين الدائنين، بل تتوقف على تحقق شروط قانونية دقيقة أهمها ثبوت التاريخ وأسبقية الحجز وفقاً لضوابط قانون التنفيذ وقانون الإثبات، وبما يضمن انتظام التوزيع وعدم إرباك مورد الاستيفاء.
:
• إلى وكيل الدائن: بادر إلى تثبيت دينك بسند ينهض للاحتجاج بتاريخه على الغير، واحرص على إجراءات الحجز بأقرب وقت، لأن عنصر ثبوت التاريخ وأسبقية الحجز يصنعان الفارق عند التزاحم على الراتب، كما راجع ملف التنفيذ للتأكد من تنظيم جدول الاشتراك والتبليغات أصولياً حتى لا تضيع عليك أسبقية إجرائية مؤثرة.
• إلى وكيل المدين: إذا تزاحم الدائنون على الراتب فركز على ضبط السقوف القانونية للاستقطاع وتدقيق صحة سندات الدائنين من جهة ثبوت التاريخ وأسبقية الحجز، واطلب تطبيق التوزيع وفق النصوص حصراً، لأن أي خطأ في ترتيب الاستيفاء أو تجاوز لقاعدة الحاجز المتقدم يفتح باب الطعن ويطيل أمد التنفيذ على المدين.
منقول من صفحة الاستاذ فائز الحلي