08/10/2023
صباح الخير يا شهربان
حديثنا اليوم عن شخصية محبوبة من أجيال مختلفة .
مجيد جبيرة
بواكير العام 1967 كانت بدايات المعرفة ....
المرحوم " مجيد رشيد يحيى " الشهير بـ " مجيد جبيرة " تعرفت عليه عن طريق الأخ مروان عبد الرزاق و أخيه غسان و وليد مجيد والمرحوم وداد طلعت , و صار رغم فارق العمر الكبير بيننا و بينه صديقا ً لا يمل و أخ أكبر تفتقده إذا غاب عنك ساعات , عمل " مجيد " في تلك الفترة " جايجي " في مقهى " لطيف خلف المطلك " الواقعة في الساحة المعروفة بساحة المصرف و التي يتفرع منها طريق محطة القطار و " إمام سافر " , وكان مقابل المقهى محل لشخص يبيع المواد الكمالية و القرطاسية , وكنا على أيامها في فورة الشباب و نتخذ من المقهى ملتقى لنا , نلعب " الدومينو " و " طاولة النرد " و تدور أحاديثنا فيما بين اللعب حول الوضع السياسي في البلاد .
كانت تلك الأيام قد شهدت عودة حزب البعث للحكم إثر إنقلاب 17 تموز 1968 و كنا على عهدها قد أنتمينا إلى الحزب الشيوعي العراقي – القيادة المركزية , و حتما ً كانت بعض الأحاديث تخوض في تدوير الشأن السياسي حول الكيفية التي عاد بها البعثيين إلى السلطة و مالذي سيجري بعدئذٍ ؟
مرة من المرات و على ما يبدو فإن الرجل صاحب المحل المقابل للمقهى كان جالسا ً قريبا ً منا يشرب الشاي و كان ينصت لحديثنا , وبعد خروجه من المقهى ذاهبا ً إلى محله , تبعه " مجيد " بعد قرابة الربع ساعة ليشتري منه ورقة رسالة و ظرف ثم قدم نحوي ليجذبني بعيدا ً عن أصدقائي و بعيدا ً عن أنظار صاحب المحل ثم قدم الورقة و الظرف إلي :
- لمن تريد أن أكتب لك الرسالة يا مجيد ؟
ما قاله ساعتها أضحكني كثيرا ً و في نفس الوقت جعلني أعتز به أكثر .
- لوالدي المتوفي قبل 20 عام ... لمن أيها الغبي ؟ إنظر إلى الورقة جيدا ً و إقرأ ظلال الكلمات الواردة فيها من أثر الكتابة بالقلم الجاف .
تمعنت بالورقة جيدا ً فإذا بها تقرير مرفوع لضابط أمن المقدادية حول حديثنا العفوي عن الوضع السياسي لكن كاتبه أضاف عليه " ملحا ً و بهارا ً " و صوره للضابط على أنه إجتماع حزبي بعد أن درج أسمائنا واحدا ً واحدا ً حتى أولئك الذين ليس لهم علاقة بالقيادة المركزية للحزب الشيوعي .
- ولكن يا " مجيد " كيف واتتك هذه الفكرة العبقرية , و من هو هذا الشخص ؟
- هذا الشخص أعرفه جيدا ً كوكيل أمن هذا أولا ً , و ثانيا لاحظته بعد أن خرج من المقهى إنه أخرج دفتر ورق الرسائل و أخذ يكتب بالقلم الجاف دون أن ينتزع الورقة منه , فتوقعت أن القلم سيترك أثرا ً في الورقة التي تليها .. هههههههههههه أليس أخاك بعبقري ؟
- و الله أنت فلتة زمانك , و حتى أنا لو كنت مكانك لما واتتني هذه الفكرة .
شكرته كثيرا ً و عدت إلى أصدقائي الذين تسائلوا عن الرسالة و لمن يريد " مجيد " إرسالها ؟ قلت إنها لأخيه الذي يخدم العسكرية حاليا ً في الموصل . و بعد أن أنهينا اللعب و عاد كل منا في طريقه إلى البيت على أمل اللقاء مساء ً , للسهر مع السيدة " أم كلثوم " التي كنا و ما زلت أنا أعشق كل أغانيها و زيارة العم " يوسف عتيشا – أبو نبيل " في محله للتسوق لمتطلبات السهرة من " عرق مسيح و عصرية و بيرة فريدة و لاكر " .
كان المرحوم " مجيد " كما أسلفت أكبر منا بفارق زمني و كان أيضا ً يعشق السيدة و أغانيها , و كان هو من يتولى جلب الطلبات أثناء جلسات السمر الليلية و يهيء المسجل و الأشرطة , ذات مرة أقترح أحدنا أن لا نذهب خارج المدينة , بل هناك إمكانية للذهاب إلى الحي العصري و الجلوس في هيكل الدار غير المكتمل العائد لأخ له من أبيه و كان هذا الهيكل منزويا ً بعيدا ً عن البيوت المكتملة , و كان " مجيد " يعرف بأني أحب الإستماع في قمة النشوة للسيدة و هي تشدو " جددت حبك ليه " و من ثم المقطع الرهيب " إن مر عالخاطر ذكراه ... تنزل من الوجد دموعي " فيحتفظ لي بربع عرق مسيح سادة لأتناوله مع المقطع .
في كل الليالي التي كنا نسهر فيها في الهيكل المنزوي كان " مجيد " يجلب معه حوضا ً بلاستيكيا ً يخلط فيه كل العرق مع كل البيرة و الثلج و يستعمل مغرفة ستيل ليملآ الأقداح و مع صوت السيدة الصداح تبدأ الليالي الملاح و يستمر السهر تقريبا ً حتى الساعات الأولى من الصباح يستذكر فيها كل " متسلطن " معشوقته و تبدأ الذكريات بالمرور أمام النواظر كالغمام في كبد السماء .
ذات ليلة , تفتحت قريحته و أخذ يسرد لي ذكرياته مع الجيل الذي " خرجه " قبلنا كما تحلو له التسمية و أخذ يحدد لي أسمائهم و كلهم من معارفنا و أقربائنا فقال :
- أتعرف ماهي ميزتهم عنكم ؟
- كلا مع الأسف .
- إنهم كانوا يحبون المشي في شارع المحطة وصولا ً إلى مرقد " إمام مسافر " بعد تناول المشروب أيام الربيع و الأمطار الخفيفة حيث رائحة القداح الرهيبة تملأ الجو بعبيرها .
- أها !! و ماذا بعد ؟
- إنهم كانوا على عكسكم يتلذذون بأكل " الباجة " بعد المشروب .
- تمام أعرف الكثير من أبناء جيلي أيضا ً يحبونها بعد المشروب .
- ولكن ليس كحالكم هذه الأيام , فيومها لم تكن هناك مطاعم للباجة في مدينتنا و كان من يشتهيها يتناولها في البيت مع أهله .
- أكيد .
- ولكن الشباب كانوا يريدون تناولها و كأنهم في سفرة ربيعية , فأقترح أحدهم أن يكون شرائها تساهميا ً كما هو حالنا اليوم مع المشروب , فأنت تلاحظ بأن كل واحد منكم له طلبه الخاص لكني عند البدء أخلط المشروب كله في الحوض البلاستيكي و أبدأ في التوزيع حسب مبدأ المساواة و التشارك .
- أي , و ماذا حصل بعدها ..؟
- إقترح المرحوم " أسامة " أن يجمعوا النقود و يعطوها لي لأقوم بالشراء و طبخها في بيتنا من قبل شقيقاتي و بعد إكمال المشروب تذهب لبيتنا لتناول العشاء .
- جميل جدا ً هذه الروح الأصيلة لأبناء بلدتنا .
- إستمع للأخير وبدون مجاملات من هذا النوع . أنت تدري على أيامها كانت الكهرباء تجهز للمدينة من المشروع الكائن على طريق " جزيرة " و قرب " الشاخة " و يديره المرحوم " رفعت الكمالي – والد آيدن " و كانت من النوع الواطئ الفولتية " 110 " و لم تكن كل البيوت في المدينة تمتلك عدادات بسبب من إرتفاع كلفة التجهيز و من ضمن تلك البيوت كان بيتنا .
- عذرا على المقاطعة .. أذكر ذلك جيدا ً فقد كانت العوائل الميسورة فقط تنير بيوتها بالكهرباء و باقي الناس بألـ " فانوس " أو " اللالة " أو بطل النفط و الفتيلة و التمرة كغطاء للبطل ... !!!!
- أها ...!! جيد أنك تتذكر ذلك .. أستلمت النقود منهم و كان مبلغا ً لا بأس به ... و في الليل بعد المشروب توجهنا إلى بيتنا لأكل الباجة .. وضعت فانوسين في الغرفة الكبيرة .. و كان ضوئهما خافتا بعض الشيء .. و جلس الشباب على الأرض يأكلون الثريد و فوقه الباجة .
" و أبتدأت الإعتراضات تأتي من هنا و هناك :
أسامة – لك ها شنو مجيد هاي بعدها ما مستوية .. شنو هاي مال كبش جبير
- لا و الله عيني هاي " إعلي القصاب " جان ابح خروف هرفي و جبت الباجة مالته .
أسامة – لك دعلي الضوه مال الفانوس أشوية خل أنشوف .. أشو هاي بس أتجرجر و لحمتهه م اتنكع .. لك حتى اللسان
ما مستوي زين .
- صار عيني خل أعلي الضوه مال الفوانيس حتى تاكلون زين " .
- و تعرف ورة ما عليت الضوه طفرت أريد أنهزم و جان يلزموني أثنين منهم عد باب الغرفة , و عينك ما تشوف إلا النور , كتل اللي أكلته بس الله يدري بيه شنو .
- ليش عيني " مجيد " شنو السبب , أخاف جنت مسوي بيهم مقلب .
- و الله ما تسولف .. بس مقلب يعجبك .
- لا بشرفك إشجنت مسويلهم بمكان الباجة .
- تعذرني ما أكدر أكلك .
لكن في نهاية الأمر هو أخبرني بما صنع معهم , و أنا أيضا ً تعذرون لأني لا أستطسع ذكره , لكنه مقلب و حركة لم يفكر حتى إبليس في صنعها .
و أذكر مرة من المرات أقترح علينا الخروج من الهيكل بعد الشرب , ورغم برودة الجو في شباط من كل عام , و الهاب إلى شارع المحطة و الإستماع إلى السيدة " أم كلثوم " هناك , و كان الجو مطيرا ً يومها لكن المطر توقف قبل خروجنا , و نحن نسير و نستمع إلى " دليلي إحتار " و عند وصولنا قرب مرقد " إمام مسافر " , سمعت صوته و هو يستنجد بنا إذ كنا نسير في المقدمة و هو و أثنين من الأصدقاء في الخلف , تقريبا ً تفصلنا عنهم مسافة عشرة أمتار , و عندما إلتفتنا إليه لنرى ما به , رأيناه محمولا ُ من ذراعيه من قبل أحدهما و من قدميه من قبل الآخر و هما يهزانه يمينا ً و يسارا في حركة كنا نسميها " طوط حية " و هو يتوسل إليهما :
- لكم لا عيني فدوة تره المي بارد و الله .
- لا يمعودين تره ينشل و يموت و الله . .....!!!!!
لم ينفع صراخنا و هرولتنا نحوهم إذ كان صوت إرتطام جسمه في قاع الساقية قد وصلنا قبل وصولنا لإنقاذه . و عندما سألناهما عن السبب إنفجرا ضاحكين ... :
- أراد أن يعمل معنا ً مقلبا ً لكننا أستبقنا الأمر فعاقبناه على ما أراد فعله , ثم لا عليكم فهو يرتاح لما حصل له .
وقف يرتجف من البرد و هو محاولا ً عصر ملابسه و ينفض الماء عن شعر رأسه بحركة مسرحية و هو مبتسم قائلا ً :
- لا يا كلاب , ما كلتوا أخونا و أكبر منا , لك ليش هيج سويتوا ؟
- تسكت لو أحجي أشلون صارت السالفة .
- لا ... لا .. ماكو داعي , لعد خلونه نرجع حتى على الأقل أبدل هدومي .
ذات يوم كان شقيق له صيدلي قد رام الزواج , و أستأجر بيتا ً في " قرية سلامة " و كانت العادة أن يذهب العرسان من المثقفين في شهر العسل " ثلاثة أيام " إما إلى الموصل أو البصرة , و أختار شقيقه البصرة , و كان البيت مؤثث بالكامل و مخصص لأستقبالهما عند عودتهما , و قد ترك مفتاح البيت لدى " مجيد " .
- إسمعوا لكم اليوم ماكو هيكل و ما أدري شنو .. أكو بيت مأثث و فراش هوايه .. نسكر و نتونس و ننام و نطلع الصبح غبشه حتى الجيران لا يحسون بينه .
أخنا نتبادل النظرات فيما بيننا وحصلت الموافقة فورا ً , وسرعان ما أخذ يجمع النقود من كل واحد حسب طلبه من المشروب ليذهب إلى العم " يوسف عتيشه " و يتسوق لنا . بالنسبة لي بقيت مشكلة المبيت فأنا أعرف أن والدي لن يوافق و لكن لا بد من تدبير حيلة ما .
تسللنا كاللصوص إلى البيت .. هههههه , و أخذ " مجيد " يدور علينا بطلباتنا و أبتدأنا نشرب منذ الساعة السابعة مساء ً و نستمع للأغاني المتنوعة لأم كلثوم , لم تكد الساعة الحادية عشرة تأزف إلا و كنت قد أنتهيت من ربع العرق الثاني , بالمناسبة كان سعر الربع على أيامها 300 فلسا ً , و كنت بحاجة للإستمرار في الشرب و كذلك بقية الشلة , لكن " أبو نبيل " كان قد أغلق دكانته في ساعتها , و إذا به " مجيد " يعلنها مدوية :
- من يريد المزيد فأنا أبيع له , و ليكن في علمكم فإن الربع سعره 600 فلسا ًو لا أقبل حتى و لو بفلس أقل , و الما يريد يضرب راسه بالحايط .
و بصوت واحد صاحت الشلة :
- و لك أنت مجرم , بس يله إذا كان شغله يم هاك اللي ببالنا سميه حجي .
أستأذنت أنا و أخذت الدراجة الهوائية قائلا ً :
- لقد وجدت ما سأقنع أهلي به و أعود في دقائق إنتظروني !!!!
دقائق و كنت في البيت , لم أجد أبي لأنه كان لا يزال في محل الخياطة , ودار بين و بين الوالدة الحديث التالي :
- هلو يوم .. شنو أبويه ليهسه ما رجع ؟
- لا و الله بعده بالمحل . شغل عنده هوايه مطلوب .
- زين يوم عفيه إذا أجه كوليله , آني معزوم بعرس مال صديقي بالمنصورية و يمكن راح نبات هناك الليلة كلنه .
- زين يمه , بس دير بالك على نفسك .
- مع السلامة يوم .
دقائق و كنت عائدا ً لتستمر الحفلة حتى ساعة متأخرة من الليل عندما خلدنا إلى النوم لساعة أو ساعتين ليوقظنا " مجيد " و يعمل على إخراجنا من البيت على شكل دفعات و يتبعنا هو مع آخر دفعة حاملا ً سلة كبيرة معلومة من أغصان شجرة الرمان و وضع عليها غطاء من القماش .
- ماهذا يا " مجيد " ؟
- هههههههههههههههه , الناس سيتصورون أننا جئنا بهدية للعريس و العروسة , لك هاي العزة و السخام مالتكم البطالة الفارغة , راح أخليهن بالشارع و يجون ناس عالكدر عبالهم بيهه كلال مال شكر .. ههههههه .
و فعلا ً وضعها على حافة الطريق المؤدي إلى خارج المدينة بإتجاه " خانقين " . فاتني أن أذكر أن " مجيد " قبل تلك الأيام التي كان يعمل فيها في المقهى المقابل لدكانة وكيل الأمن , كان قد أشتغل في مقهى المرحوم " كريم كله " عند تخوم الحي العصري لفترة قبل أن تتوطد علاقتنا به , وقد حدثت نوادر على أيامها , كانت مقهى الحاج " كريم " محطة إستراحة للباصات الإيرانية التي تقل الزوار من إيران إلى المراقد المقدسة في كل من النجف و كربلاء و الكاظمية و سامراء و كان المقر الرئيس لمكاتبها في مدينة الكاظمية ... و عندما تنطلق من هناك في الصباح قاصدة العودة لبلادها كانت تتوقف عند المقهى ليتناول الزوار طعام الغداء .. و بالعكس فالقادمون يتوقفون لتناول الفطور الصباحي هناك , و كانت التوصية من قبل الشركات التي أذكر من أشهرها " تي بي تي " و " ميهن تور " للسواقين بالتوقف هناك و هذا له سبب في الثقة و الأمان لأن الحاج " كريم " يعتبر من ذوي الأصول الإيرانية و على ما أتذكره فهو على الأغلب كان ينحدر من " كرمنشاه " لكن أجداده نزحوا إلى العراق منذ زمن بعيد .
الإيرانيون يحبون الشاي المطبوخ على طريقتنا , و كان " مجيد " مرتاحا ً معهم , لكن النادرة التي أتذكرها و كأنها حصلت يوم أمس رغم هذا الكم من السنين التي مرت , هي قدوم الأخوة السعوديين الشيعة من الإحساء في أرتال من الباصات متوجهين لزيارة قم و مشهد , و كانت على أيامها العلاقات بين كل من العراق و السعودية و إيران " دهن و دبس " كما يقول أهلنا في أمثالهم , و كان هؤلاء بعد إنهاء الطعام يطلبون الشاي , و عندما يقدمه لهم يبدأون بالولولة :
- ول ول ول .. يبه هاذ شنهي .. هاذ سم ماهو شاي.
- شنو سم .. شنو ما عاجبكم .. أشلون تحبوه ؟
- كُب نصو وخلي عليه ماي .
و لأربعة مرات متتالية يقدم الشاي لهم و هم يرفضونه و يطالبون بتخفيفه , عندها ضحك " مجيد " كثيرا ً عندما أخذ لهم فأستقبلوه و هم فرحين :
- أيه يا الله هداك .. هاذ الشاي .
وضع " مجيد " قليلا ً من الشاي الجاف في المصفاة المعلقة قرب السماور .. و أخذ يصب الماء الحار عليه ويملأ الإستكانات و يأخذها لهم ... و أنتقل من حالي الضجر و الوصول لحد الكفر إلى حالة الإنشراح و هو يراهم جذلين في شرب الشاي الذي كما يسميه هو " جاي العروس " .
و في تلك الأيام التي سبقت سكرتنا في بيت العريس كان " مجيد " يعمل في المقهى المفرزة من بناية سينما شهربان الصيفي العائدة للمرحوم " على يزلي " و مفرز من المقهى الواسعة محل صغير أتخذه " مجيد " مطعما ً للمشويات يكون معظم وقت العمل فيه في المساء .
عند خروجنا من البيت و توجهنا نحو المدينة كان المقترح الذي وافق عليه الجميع أن نذهب إلى مطعم " يحيى – أبو زكي " الكائن على طريق " المقام " لتناول الفطور و الذي سيكون عبارة عن كباب و تكه , بعد الإنتهاء من الفطور تفرقنا كل لحال سبيله على أمل اللقاء مساء ً و الإستعداد لسهرة جديدة .
و أنا متوجه إلى البيت ألتقيت شلة من الأصدقاء " بالمناسبة كان اليوم الأول من أيام عيد الفطر " الذين فرقت بيننا الأيام و أقترحوا أن نذهب إلى نادي المعلمين لشرب شيء ما , عندما وصلنا هناك كان الجميع نيام رغم أن الساعة تجاوزت العاشرة صباحا ً , أيقظهم السيد " نجيب " و وجههم لخدمتنا , بعد شرب الربع الثاني و بطل بيرة .. شعرت بالإكتفاء و قليل من الدوار و أستأذنت لدفع الحساب و نهضنا نروم العودة إلى بيوتنا .
و هنا أنتهى كل شيء بالنسبة لي إذ لم أعد أتذكر شيئا ً , حتى العصر و قرابة الرابعة و النصف أحسست بنسيم لطيف يتحرك حولي يمينا ً و يسارا ً , فتحت عيناي بصعوبة لأجد نفسي ممددا ً على الأرض فوق حصير من تلك التي توضع على مصاطب الجلوس " الكرويتات " في المقاهي و وسادة خفيفة تحت رأسي و يد ٌ تمسح على جبيني بقطعة قماش مبللة بالماء و إذا به " مجيد " .
- ما هذا يا " مجيد " أين أنا ؟
- أنت هنا في المحل .
- مالذي حصل ؟
- لا أدري لقد جاء بك فلان و فلان و أنت تقريبا ً فاقد الوعي فطلبت منهما أن يدخلاك المحل و أنت نائم هنا منذ قرابة 4 ساعات و أنا وضعت المروحة قرب رأسك و عملت لك الكمادات .
- وأين ذهبا ؟
- إنهما في المقهى ينتظرانك أن تصحو بعض الشيء .
ما أن نهضت من رقدتي إلا و كان الدوار قد أعاد الكرة , فما كان من " مجيد " إلا أن ينادي على أخي و صديقي و رفيقي المرحوم " وليد سلمان جاسم " الي حضر مهرولا ً و أمسك بي قائلا ً :
- ما هذا الذي أنت تفعله بنفسك ؟ هل جننت ؟
- و الله تقريبا ً وصلت الحافة ... هههههههههه
- هيا معي .
- إلى أين ؟
- إلى المستشفى .
و المستشفى لا تبعد إلا خطوات , و ما أنا داخل أترنح حتى سمعت قهقهة عالية من صوت نسائي , كانت ممرضة مسيحية إنسانة بكل معنى الكلمة و تعرفني :
- هلا .. هلا بالأسد ... جاي يتمايل .. سكران اليوم من الصبح ..
- تسكتين و إلا فأنت تعلمين قبل غيرك بوساخة لساني .. هههههههه
- لا ولك إنجب .. إسكت و أكعد هنا على الكرسي بين ما أحضرلك بيك " كسر خمارية " حتى تصحى .
جاءت بقدح مملؤء بسائل أبيض اللون شبيه بالخمر المخلوط بالماء و قالت :
- تعال هنا قرب المغسلة .. أخاف أيصير شيء .. لا سامح الله .. تتقيأ .
ما أن تناولت محتويات القدح حتى أستفرغت كل ما في معدتي في المغسلة , و هي واقفة جنبي تساعدني في غسل وجهي و ناولتني المنشفة , ثم طلبت مني أن أستلقي على سرير الفحص ثم فتحت زر كم القميص و رفعته لتزرقني بإبرة و هو تقول :
- إذا تريد تموت سويهه مرة ثانية و أنا سأساعدك على الموت ... هههههههههههه
و دعناها شاكرين و عدنا إلى حيث " مجيد " و المقهى , طلب مني المرحوم " وليد " أن أجلس في المقهى و أتناول شيئا ً من المشويات ريثما يذهب هو إلى بيتنا ليجلب شنطة ملابسي و من هناك إلى كراج بغداد . قدم لي " مجيد " اللحم المشوي " التكه " وقدح شاي كبير , و هو يقول :
- شنو السالفه أستادي .. البارحة إحنا مطوخين و رايحين زايد , أشوازاك اليوم ورة الريوك و هم أشربت .
- و الله " مجيد " أستحيت من الولد من زمان نا شايفهم و همه يخدمون بالبصرة و كالوا أنروح للنادي و صار اللي صار .
- أستادي الله أيخليك بعد لا أتسويهه .
- وعد مني إلك " مجودي " الورد .
جاء المرحوم " وليد " بالشنطة وعندما سألته مالذي قدمه كتبرير لوالدي قال :
- قلت له أن أولاد خالتك قد جائوا من بغداد في سفرة جماعية مع أبناء منطقتهم إلى الصدور و أخذوه معهم و أنا سأنتظرهم في المقهى حتى نعود معهم إلى بغداد فأقتنع .
اللطيف هنا , أني عندما سافرنا إلى بغداد في المارسيدس 18 راكب أنا و " وليد " لم أنتبه إلى حالي طيلة الطريق , و عندما نزلت في رأس الشارع المؤدي إلى بيت خالة أبي قرب الجامعة المستنصرية , كان ابناء المنطقة و معهم أبناء خالة أبي كلهم مستعدين للذهاب إلى أحد المنتزهات في بغداد , و أستقبلوني من بعيد ما بين مبتسم و ضاحك , وعندما سألتهم عن سبب ضحكهم غير المبرر , قالوا بصوت واحد :
- شوف حالك ؟
- أشبيه حالي ...
- شوف ردان قميصك .
و عندما نظرت إلى يدي اليمنى فإذا القميص ما زال مرفوعا ً إلى موضع زرق الإبرة ضحكت معهم .
آخر مرة رأيت " مجيد " فيها بعد سنين طوال و في زيارة نادرة للمدينة عندما كان يعمل في مطعم المرحوم " وهاب بشير " وقفت أمام بوابة المطعم و أنا أنظر إليه , لم يعرني إهتماما ً في البداية , لكنه عندما أمعن النظر من وراء الزجاج , خرج متهللا ً و هو يقول :
- إستادي لك وين أنت هالمدة كلهه .. آني عبالي بالخارج .
- أنت عرفتني زين " مجيد " منو آني ؟
كان رغم تقدم العمر و توقعاتي الخاطئة بأنه لن يتوصل لتذكري قد أحتضنني و هو يقول :
- كيف لي أن أنساك , أنت أستادي و إبن أستادي .
وعدته بأن أزوره كلما تسنح الفرصة و لكن القدر كان الأسبق في ذهابه للعالم الآخر ... عالم الفناء الأبدي .
رحم الله " مجيدا ً " و غفر له ما تقدم و تأخر من ذنبه ... فقد كان إنسانا ً بمعنى الكلمة .