Shahraban - Downtown

Shahraban - Downtown هذه الصفحة للتعريف بأبناء شهربان و ساكنيها ممن لم يحضو?

20/12/2024

أخواتي و أخوتي أبناء شهربان الأكارم
إنني فيما أكتب من ذكريات عن المدينة و عن أحداث عايشتها لا أهدف للإساءة للأشهاص الذيم ترد أسمائهم فيها بقدر ما أريد إغناء الذاكرة الجمعية للأجيال الجديدة التي ربما لم تحض بفرصة لسماع تلد الأحداث التي مرت عبر حقبة الخمسينات و الستينات من القرن المنصرم لذا أرجو أن لا أكون مسببا للإحراج بالنسبة للأبناء و العوائل ممن سترد أسمائهم في هذه الذكريات . تقبلوا فائق إحترامي .

(الأنسان اثمن رأس مال والانسان اخو الانسان)ما أحلى أن تدخل على صفحة صديق و أخ أكبر لتجد هذه العبارة تؤطر الصفحة ما أحلى ...
20/12/2024

(الأنسان اثمن رأس مال والانسان اخو الانسان)
ما أحلى أن تدخل على صفحة صديق و أخ أكبر لتجد هذه العبارة تؤطر الصفحة
ما أحلى أن يكون لديك صديق صدوق رغم فارق العمر الكبير بينكما , يعطر صفحتك بالتعليقات الجميلة و التي تغنيها أحيان كثيرة بما يختزن من أرشيف ذاكرته الواسعة الممتدة في أعماق تاريخ المدينة .
ترجل عن صهوة الحياة الفانية نافضا ً عن كتفيه تعب السنين الطوال التي قضاها بين ظهراني المدينة مفعمة بالحب و المرح الذي يوزعه على الناس ليمتطي الخلود مسافرا ً عبر الزمن نحو المستقر .
وداعا ً " أبا رافد "
وداعا ً " آخر رجال الموهيكانز "
وداعا ً " يا ملك الأخلاق الحميدة "

ثلاثة شموس أفلت من حياتي و من سماء المدينة .. ثلاثة نجوم تركت آثارا ً و علامات ساطعة في مسيرتي الحياتية أكسبتني الكثير ا...
17/12/2024

ثلاثة شموس أفلت من حياتي و من سماء المدينة ..
ثلاثة نجوم تركت آثارا ً و علامات ساطعة في مسيرتي الحياتية أكسبتني الكثير الكثير من محبة الناس أينما حللت و رحلت .
أسأل الله العلي القدير لهم الرحمة و المغفرة .. أساتذتي و مقومي أخلاقي المرحومين أكرم إبراهيم و توأم الروح غانم نوري و الشهيد المغدور أخي و رفيقي طالب عبد الحميد .
و أن يمن بالصحة و السلامة و العمر المديد على رابعهم صديق العمر الأخ محمد ناجي أبو هيمن .
أخترتها كفاتحة لعودة التواصل معكم أحبتي بعد الإنقطاع الخارج عن الإرادة .

كل شيء مصيره الزوال ... إلا ربي و صالح الأعمال رحل من كان خير ممثل ٍ لصالح الأعمال رحل من كان هو صالح الأعمال رحل من كان...
29/03/2024

كل شيء مصيره الزوال ... إلا ربي و صالح الأعمال
رحل من كان خير ممثل ٍ لصالح الأعمال
رحل من كان هو صالح الأعمال
رحل من كانت الأخلاق الحميدة تحسده
رحل من كان للتقى خير مثال
رحل صديقي و أخي و عضيدي
تاركا ورائه حب مجايليه و رفاق مسيرته و الذكر الحميد
رحمك الله أحمد يوم ولدت و يوم تبعث حيا
رحمك الله وليغفر لك و يسكنك فسيح جناته

هذا هو حال الدنيا يا أبا أحمد في كل يوم تذوي شمعة من شموع مدينة الرمان التي ادمت قلبها الكبير الأحداث المشوؤومة بما سلطت...
25/01/2024

هذا هو حال الدنيا يا أبا أحمد
في كل يوم تذوي شمعة من شموع مدينة الرمان التي ادمت قلبها الكبير الأحداث المشوؤومة بما سلطته عليها من ثعالب و ذئاب بشرية . تذوي تلك الشموع سواء هنا في بقايا المدينة أوفي بلدان الشتات .. و صارت أوراق شجرة الحور الكبيرة تتساقط صفراها و خضراها بسبب من شحة المياه و حزنها على غياب الفروع التي أنتجتها أثناء النمو .
تلك هي مدينتنا المحببة إلى النفس بما فيها من ذكريات جميلة يا أبا أحمد .. فهل يمكن إلا أن تحين ساعتنا أن ننسى .. قفشات طالب النجار الإنسان بكل معنى الكلمة .. أم تسليات أخي و أخيك أحمد لكل الناس .. كلا .. لم يغيب الموت روحيهما اللتين ما زالتا تنظران بحنو من الأعالي السحيقة نحو قلب المدينة النابض .. و ها أنت اليوم تحل ضيفا ً عليهما بكل ما حملت من زاد لرحلة الخلود .. الطيبة .. الحنان .. الأخلاق الحميدة .. حبك المهيمن على الروح لزملائك و أنتم تضعون اللبنات الأولى لفرقة مسرحية في البلدة التي ما كانت معتادة على ذلك .. ما الذي يمكنني أن أنساه لك و لأخويك و للوالد المرحوم من ذكريات .. ستبقى حيا ً في ضميري مادام هناك شهيق و زفير يتصاعد في صدري .. ولن أنسى أبدا ً مواقفك معي أو مع العائلة ككل فأنت نعم الأخ و القريب و الصديق .
إرقد بسلام يا من فجعتنا بالغياب المبكر
لروحك الرحمة و لعائلتك الصبر على المصاب إن شاء الله

" كان جدي يُشَبّه الحياة بالقطار .. عرباته مليئة بالناس و البضائع .. و كان يُشَبّهها بالغيوم المجتمعة .. الغيوم المليئة ...
03/01/2024

" كان جدي يُشَبّه الحياة بالقطار .. عرباته مليئة بالناس و البضائع .. و كان يُشَبّهها بالغيوم المجتمعة .. الغيوم المليئة بالأمطار .. و كان أحيانا ً يُشَبّهها بالعصافير .. بالعصافير التي تتجول من مكان ٍ لآخر و تشعُرُ بعبء الغربة ِ و الشوق .
فهمت ُ بعدها أن الحياة مليئة بالأعباء .. و الحياة أساسا ً موجودة للتحمل .. نحن نحمل الزمن على أكتافنا .. و نحمل الذكريات .. المشاعر .. الحب .. و الأهم ُ من هذا نحمل الألم .. و لربما أن الألم هو أصعب عبء نتحمله .. كل من يموت .. و كل من يذهب يتسبب بألم بداخلنا .. يتسبب بجروح ٍ لا تشفى .. و كلما كبر هذا الألم بداخلنا يتحول إلى خوف .
الوجوه التي جلسنا معها بالأمس و عملنا و مشينا و ضحكنا و أستمتعنا معها .. و أن تعرف أن أحدهم سيذهب يوما ً ما .. و أن تعرف بأنه ما عاد على قيد الحياة .. تفهم ساعتها أن الإنسان لا يخاف من الموت .. ربما الموت هو ذهابه بجانب من يحب .. و ربما هو كعودتهم من الضيافة .. و ربما هو اللقاء بمن يحبون .. لكن الخسارة هي أكبرخوف لدى الإنسان .. فهي الأكثر ألما ً . "
في مصاب كهذا .. خانتني الكلمات فاستعرت هذه النصوص المعبرة من مقدمة إحدى حلقات مسلسل ٍ أتابعه منذ سنوات .. فيصرخ الخوف في داخلي .. لماذا ؟ .. لماذ الغربة و الفراق .. و لماذا يموت أخوتك و أصدقائك و رفاقك في الغربة .. و أكثر الأحيان وحيدين .. لماذا ؟
بعد أن فجعت قبل سنوات بأخي و صديقي و رفيقي وليد سلمان .. الذي منحني القدر فرصة لقائه بعد غربة طويلة في فرنسا أثناء زيارته للمدينة قبل أعوام .. يكتب علينا القدر أن نفجع بأخيه الأكبر د. خالد سلمان المختص بالفيزياء الذي حرمنا القدر من تلك الفرصة منذ سبعينات القرن الماضي .
أتقدم لأخوتي فؤاد و أياد و عماد و ماجد بخالص التعازي مؤكدا ً بأنني أشاطرهم الحزن و ألعن الظروف التي أجبرتنا على التغرب داخل أسوار الوطن و التي أجبرت أبناء بلادنا على التغرب خارجها مهما كانت أسبابها و نتائجها .
الرحمة و الغفران لروح الفقيد و الصبر على ألم المصاب للعائلة الكريمة .

صباح الخير يا  شهربان حديثنا اليوم عن شخصية محبوبة من أجيال مختلفة . مجيد جبيرة بواكير العام 1967 كانت بدايات المعرفة .....
08/10/2023

صباح الخير يا شهربان
حديثنا اليوم عن شخصية محبوبة من أجيال مختلفة .

مجيد جبيرة
بواكير العام 1967 كانت بدايات المعرفة ....
المرحوم " مجيد رشيد يحيى " الشهير بـ " مجيد جبيرة " تعرفت عليه عن طريق الأخ مروان عبد الرزاق و أخيه غسان و وليد مجيد والمرحوم وداد طلعت , و صار رغم فارق العمر الكبير بيننا و بينه صديقا ً لا يمل و أخ أكبر تفتقده إذا غاب عنك ساعات , عمل " مجيد " في تلك الفترة " جايجي " في مقهى " لطيف خلف المطلك " الواقعة في الساحة المعروفة بساحة المصرف و التي يتفرع منها طريق محطة القطار و " إمام سافر " , وكان مقابل المقهى محل لشخص يبيع المواد الكمالية و القرطاسية , وكنا على أيامها في فورة الشباب و نتخذ من المقهى ملتقى لنا , نلعب " الدومينو " و " طاولة النرد " و تدور أحاديثنا فيما بين اللعب حول الوضع السياسي في البلاد .
كانت تلك الأيام قد شهدت عودة حزب البعث للحكم إثر إنقلاب 17 تموز 1968 و كنا على عهدها قد أنتمينا إلى الحزب الشيوعي العراقي – القيادة المركزية , و حتما ً كانت بعض الأحاديث تخوض في تدوير الشأن السياسي حول الكيفية التي عاد بها البعثيين إلى السلطة و مالذي سيجري بعدئذٍ ؟
مرة من المرات و على ما يبدو فإن الرجل صاحب المحل المقابل للمقهى كان جالسا ً قريبا ً منا يشرب الشاي و كان ينصت لحديثنا , وبعد خروجه من المقهى ذاهبا ً إلى محله , تبعه " مجيد " بعد قرابة الربع ساعة ليشتري منه ورقة رسالة و ظرف ثم قدم نحوي ليجذبني بعيدا ً عن أصدقائي و بعيدا ً عن أنظار صاحب المحل ثم قدم الورقة و الظرف إلي :
- لمن تريد أن أكتب لك الرسالة يا مجيد ؟
ما قاله ساعتها أضحكني كثيرا ً و في نفس الوقت جعلني أعتز به أكثر .
- لوالدي المتوفي قبل 20 عام ... لمن أيها الغبي ؟ إنظر إلى الورقة جيدا ً و إقرأ ظلال الكلمات الواردة فيها من أثر الكتابة بالقلم الجاف .
تمعنت بالورقة جيدا ً فإذا بها تقرير مرفوع لضابط أمن المقدادية حول حديثنا العفوي عن الوضع السياسي لكن كاتبه أضاف عليه " ملحا ً و بهارا ً " و صوره للضابط على أنه إجتماع حزبي بعد أن درج أسمائنا واحدا ً واحدا ً حتى أولئك الذين ليس لهم علاقة بالقيادة المركزية للحزب الشيوعي .
- ولكن يا " مجيد " كيف واتتك هذه الفكرة العبقرية , و من هو هذا الشخص ؟
- هذا الشخص أعرفه جيدا ً كوكيل أمن هذا أولا ً , و ثانيا لاحظته بعد أن خرج من المقهى إنه أخرج دفتر ورق الرسائل و أخذ يكتب بالقلم الجاف دون أن ينتزع الورقة منه , فتوقعت أن القلم سيترك أثرا ً في الورقة التي تليها .. هههههههههههه أليس أخاك بعبقري ؟
- و الله أنت فلتة زمانك , و حتى أنا لو كنت مكانك لما واتتني هذه الفكرة .
شكرته كثيرا ً و عدت إلى أصدقائي الذين تسائلوا عن الرسالة و لمن يريد " مجيد " إرسالها ؟ قلت إنها لأخيه الذي يخدم العسكرية حاليا ً في الموصل . و بعد أن أنهينا اللعب و عاد كل منا في طريقه إلى البيت على أمل اللقاء مساء ً , للسهر مع السيدة " أم كلثوم " التي كنا و ما زلت أنا أعشق كل أغانيها و زيارة العم " يوسف عتيشا – أبو نبيل " في محله للتسوق لمتطلبات السهرة من " عرق مسيح و عصرية و بيرة فريدة و لاكر " .
كان المرحوم " مجيد " كما أسلفت أكبر منا بفارق زمني و كان أيضا ً يعشق السيدة و أغانيها , و كان هو من يتولى جلب الطلبات أثناء جلسات السمر الليلية و يهيء المسجل و الأشرطة , ذات مرة أقترح أحدنا أن لا نذهب خارج المدينة , بل هناك إمكانية للذهاب إلى الحي العصري و الجلوس في هيكل الدار غير المكتمل العائد لأخ له من أبيه و كان هذا الهيكل منزويا ً بعيدا ً عن البيوت المكتملة , و كان " مجيد " يعرف بأني أحب الإستماع في قمة النشوة للسيدة و هي تشدو " جددت حبك ليه " و من ثم المقطع الرهيب " إن مر عالخاطر ذكراه ... تنزل من الوجد دموعي " فيحتفظ لي بربع عرق مسيح سادة لأتناوله مع المقطع .
في كل الليالي التي كنا نسهر فيها في الهيكل المنزوي كان " مجيد " يجلب معه حوضا ً بلاستيكيا ً يخلط فيه كل العرق مع كل البيرة و الثلج و يستعمل مغرفة ستيل ليملآ الأقداح و مع صوت السيدة الصداح تبدأ الليالي الملاح و يستمر السهر تقريبا ً حتى الساعات الأولى من الصباح يستذكر فيها كل " متسلطن " معشوقته و تبدأ الذكريات بالمرور أمام النواظر كالغمام في كبد السماء .
ذات ليلة , تفتحت قريحته و أخذ يسرد لي ذكرياته مع الجيل الذي " خرجه " قبلنا كما تحلو له التسمية و أخذ يحدد لي أسمائهم و كلهم من معارفنا و أقربائنا فقال :
- أتعرف ماهي ميزتهم عنكم ؟
- كلا مع الأسف .
- إنهم كانوا يحبون المشي في شارع المحطة وصولا ً إلى مرقد " إمام مسافر " بعد تناول المشروب أيام الربيع و الأمطار الخفيفة حيث رائحة القداح الرهيبة تملأ الجو بعبيرها .
- أها !! و ماذا بعد ؟
- إنهم كانوا على عكسكم يتلذذون بأكل " الباجة " بعد المشروب .
- تمام أعرف الكثير من أبناء جيلي أيضا ً يحبونها بعد المشروب .
- ولكن ليس كحالكم هذه الأيام , فيومها لم تكن هناك مطاعم للباجة في مدينتنا و كان من يشتهيها يتناولها في البيت مع أهله .
- أكيد .
- ولكن الشباب كانوا يريدون تناولها و كأنهم في سفرة ربيعية , فأقترح أحدهم أن يكون شرائها تساهميا ً كما هو حالنا اليوم مع المشروب , فأنت تلاحظ بأن كل واحد منكم له طلبه الخاص لكني عند البدء أخلط المشروب كله في الحوض البلاستيكي و أبدأ في التوزيع حسب مبدأ المساواة و التشارك .
- أي , و ماذا حصل بعدها ..؟
- إقترح المرحوم " أسامة " أن يجمعوا النقود و يعطوها لي لأقوم بالشراء و طبخها في بيتنا من قبل شقيقاتي و بعد إكمال المشروب تذهب لبيتنا لتناول العشاء .
- جميل جدا ً هذه الروح الأصيلة لأبناء بلدتنا .
- إستمع للأخير وبدون مجاملات من هذا النوع . أنت تدري على أيامها كانت الكهرباء تجهز للمدينة من المشروع الكائن على طريق " جزيرة " و قرب " الشاخة " و يديره المرحوم " رفعت الكمالي – والد آيدن " و كانت من النوع الواطئ الفولتية " 110 " و لم تكن كل البيوت في المدينة تمتلك عدادات بسبب من إرتفاع كلفة التجهيز و من ضمن تلك البيوت كان بيتنا .
- عذرا على المقاطعة .. أذكر ذلك جيدا ً فقد كانت العوائل الميسورة فقط تنير بيوتها بالكهرباء و باقي الناس بألـ " فانوس " أو " اللالة " أو بطل النفط و الفتيلة و التمرة كغطاء للبطل ... !!!!
- أها ...!! جيد أنك تتذكر ذلك .. أستلمت النقود منهم و كان مبلغا ً لا بأس به ... و في الليل بعد المشروب توجهنا إلى بيتنا لأكل الباجة .. وضعت فانوسين في الغرفة الكبيرة .. و كان ضوئهما خافتا بعض الشيء .. و جلس الشباب على الأرض يأكلون الثريد و فوقه الباجة .
" و أبتدأت الإعتراضات تأتي من هنا و هناك :
أسامة – لك ها شنو مجيد هاي بعدها ما مستوية .. شنو هاي مال كبش جبير
- لا و الله عيني هاي " إعلي القصاب " جان ابح خروف هرفي و جبت الباجة مالته .
أسامة – لك دعلي الضوه مال الفانوس أشوية خل أنشوف .. أشو هاي بس أتجرجر و لحمتهه م اتنكع .. لك حتى اللسان
ما مستوي زين .
- صار عيني خل أعلي الضوه مال الفوانيس حتى تاكلون زين " .
- و تعرف ورة ما عليت الضوه طفرت أريد أنهزم و جان يلزموني أثنين منهم عد باب الغرفة , و عينك ما تشوف إلا النور , كتل اللي أكلته بس الله يدري بيه شنو .
- ليش عيني " مجيد " شنو السبب , أخاف جنت مسوي بيهم مقلب .
- و الله ما تسولف .. بس مقلب يعجبك .
- لا بشرفك إشجنت مسويلهم بمكان الباجة .
- تعذرني ما أكدر أكلك .
لكن في نهاية الأمر هو أخبرني بما صنع معهم , و أنا أيضا ً تعذرون لأني لا أستطسع ذكره , لكنه مقلب و حركة لم يفكر حتى إبليس في صنعها .
و أذكر مرة من المرات أقترح علينا الخروج من الهيكل بعد الشرب , ورغم برودة الجو في شباط من كل عام , و الهاب إلى شارع المحطة و الإستماع إلى السيدة " أم كلثوم " هناك , و كان الجو مطيرا ً يومها لكن المطر توقف قبل خروجنا , و نحن نسير و نستمع إلى " دليلي إحتار " و عند وصولنا قرب مرقد " إمام مسافر " , سمعت صوته و هو يستنجد بنا إذ كنا نسير في المقدمة و هو و أثنين من الأصدقاء في الخلف , تقريبا ً تفصلنا عنهم مسافة عشرة أمتار , و عندما إلتفتنا إليه لنرى ما به , رأيناه محمولا ُ من ذراعيه من قبل أحدهما و من قدميه من قبل الآخر و هما يهزانه يمينا ً و يسارا في حركة كنا نسميها " طوط حية " و هو يتوسل إليهما :
- لكم لا عيني فدوة تره المي بارد و الله .
- لا يمعودين تره ينشل و يموت و الله . .....!!!!!
لم ينفع صراخنا و هرولتنا نحوهم إذ كان صوت إرتطام جسمه في قاع الساقية قد وصلنا قبل وصولنا لإنقاذه . و عندما سألناهما عن السبب إنفجرا ضاحكين ... :
- أراد أن يعمل معنا ً مقلبا ً لكننا أستبقنا الأمر فعاقبناه على ما أراد فعله , ثم لا عليكم فهو يرتاح لما حصل له .
وقف يرتجف من البرد و هو محاولا ً عصر ملابسه و ينفض الماء عن شعر رأسه بحركة مسرحية و هو مبتسم قائلا ً :
- لا يا كلاب , ما كلتوا أخونا و أكبر منا , لك ليش هيج سويتوا ؟
- تسكت لو أحجي أشلون صارت السالفة .
- لا ... لا .. ماكو داعي , لعد خلونه نرجع حتى على الأقل أبدل هدومي .
ذات يوم كان شقيق له صيدلي قد رام الزواج , و أستأجر بيتا ً في " قرية سلامة " و كانت العادة أن يذهب العرسان من المثقفين في شهر العسل " ثلاثة أيام " إما إلى الموصل أو البصرة , و أختار شقيقه البصرة , و كان البيت مؤثث بالكامل و مخصص لأستقبالهما عند عودتهما , و قد ترك مفتاح البيت لدى " مجيد " .
- إسمعوا لكم اليوم ماكو هيكل و ما أدري شنو .. أكو بيت مأثث و فراش هوايه .. نسكر و نتونس و ننام و نطلع الصبح غبشه حتى الجيران لا يحسون بينه .
أخنا نتبادل النظرات فيما بيننا وحصلت الموافقة فورا ً , وسرعان ما أخذ يجمع النقود من كل واحد حسب طلبه من المشروب ليذهب إلى العم " يوسف عتيشه " و يتسوق لنا . بالنسبة لي بقيت مشكلة المبيت فأنا أعرف أن والدي لن يوافق و لكن لا بد من تدبير حيلة ما .
تسللنا كاللصوص إلى البيت .. هههههه , و أخذ " مجيد " يدور علينا بطلباتنا و أبتدأنا نشرب منذ الساعة السابعة مساء ً و نستمع للأغاني المتنوعة لأم كلثوم , لم تكد الساعة الحادية عشرة تأزف إلا و كنت قد أنتهيت من ربع العرق الثاني , بالمناسبة كان سعر الربع على أيامها 300 فلسا ً , و كنت بحاجة للإستمرار في الشرب و كذلك بقية الشلة , لكن " أبو نبيل " كان قد أغلق دكانته في ساعتها , و إذا به " مجيد " يعلنها مدوية :
- من يريد المزيد فأنا أبيع له , و ليكن في علمكم فإن الربع سعره 600 فلسا ًو لا أقبل حتى و لو بفلس أقل , و الما يريد يضرب راسه بالحايط .
و بصوت واحد صاحت الشلة :
- و لك أنت مجرم , بس يله إذا كان شغله يم هاك اللي ببالنا سميه حجي .
أستأذنت أنا و أخذت الدراجة الهوائية قائلا ً :
- لقد وجدت ما سأقنع أهلي به و أعود في دقائق إنتظروني !!!!
دقائق و كنت في البيت , لم أجد أبي لأنه كان لا يزال في محل الخياطة , ودار بين و بين الوالدة الحديث التالي :
- هلو يوم .. شنو أبويه ليهسه ما رجع ؟
- لا و الله بعده بالمحل . شغل عنده هوايه مطلوب .
- زين يوم عفيه إذا أجه كوليله , آني معزوم بعرس مال صديقي بالمنصورية و يمكن راح نبات هناك الليلة كلنه .
- زين يمه , بس دير بالك على نفسك .
- مع السلامة يوم .
دقائق و كنت عائدا ً لتستمر الحفلة حتى ساعة متأخرة من الليل عندما خلدنا إلى النوم لساعة أو ساعتين ليوقظنا " مجيد " و يعمل على إخراجنا من البيت على شكل دفعات و يتبعنا هو مع آخر دفعة حاملا ً سلة كبيرة معلومة من أغصان شجرة الرمان و وضع عليها غطاء من القماش .
- ماهذا يا " مجيد " ؟
- هههههههههههههههه , الناس سيتصورون أننا جئنا بهدية للعريس و العروسة , لك هاي العزة و السخام مالتكم البطالة الفارغة , راح أخليهن بالشارع و يجون ناس عالكدر عبالهم بيهه كلال مال شكر .. ههههههه .
و فعلا ً وضعها على حافة الطريق المؤدي إلى خارج المدينة بإتجاه " خانقين " . فاتني أن أذكر أن " مجيد " قبل تلك الأيام التي كان يعمل فيها في المقهى المقابل لدكانة وكيل الأمن , كان قد أشتغل في مقهى المرحوم " كريم كله " عند تخوم الحي العصري لفترة قبل أن تتوطد علاقتنا به , وقد حدثت نوادر على أيامها , كانت مقهى الحاج " كريم " محطة إستراحة للباصات الإيرانية التي تقل الزوار من إيران إلى المراقد المقدسة في كل من النجف و كربلاء و الكاظمية و سامراء و كان المقر الرئيس لمكاتبها في مدينة الكاظمية ... و عندما تنطلق من هناك في الصباح قاصدة العودة لبلادها كانت تتوقف عند المقهى ليتناول الزوار طعام الغداء .. و بالعكس فالقادمون يتوقفون لتناول الفطور الصباحي هناك , و كانت التوصية من قبل الشركات التي أذكر من أشهرها " تي بي تي " و " ميهن تور " للسواقين بالتوقف هناك و هذا له سبب في الثقة و الأمان لأن الحاج " كريم " يعتبر من ذوي الأصول الإيرانية و على ما أتذكره فهو على الأغلب كان ينحدر من " كرمنشاه " لكن أجداده نزحوا إلى العراق منذ زمن بعيد .
الإيرانيون يحبون الشاي المطبوخ على طريقتنا , و كان " مجيد " مرتاحا ً معهم , لكن النادرة التي أتذكرها و كأنها حصلت يوم أمس رغم هذا الكم من السنين التي مرت , هي قدوم الأخوة السعوديين الشيعة من الإحساء في أرتال من الباصات متوجهين لزيارة قم و مشهد , و كانت على أيامها العلاقات بين كل من العراق و السعودية و إيران " دهن و دبس " كما يقول أهلنا في أمثالهم , و كان هؤلاء بعد إنهاء الطعام يطلبون الشاي , و عندما يقدمه لهم يبدأون بالولولة :
- ول ول ول .. يبه هاذ شنهي .. هاذ سم ماهو شاي.
- شنو سم .. شنو ما عاجبكم .. أشلون تحبوه ؟
- كُب نصو وخلي عليه ماي .
و لأربعة مرات متتالية يقدم الشاي لهم و هم يرفضونه و يطالبون بتخفيفه , عندها ضحك " مجيد " كثيرا ً عندما أخذ لهم فأستقبلوه و هم فرحين :
- أيه يا الله هداك .. هاذ الشاي .
وضع " مجيد " قليلا ً من الشاي الجاف في المصفاة المعلقة قرب السماور .. و أخذ يصب الماء الحار عليه ويملأ الإستكانات و يأخذها لهم ... و أنتقل من حالي الضجر و الوصول لحد الكفر إلى حالة الإنشراح و هو يراهم جذلين في شرب الشاي الذي كما يسميه هو " جاي العروس " .
و في تلك الأيام التي سبقت سكرتنا في بيت العريس كان " مجيد " يعمل في المقهى المفرزة من بناية سينما شهربان الصيفي العائدة للمرحوم " على يزلي " و مفرز من المقهى الواسعة محل صغير أتخذه " مجيد " مطعما ً للمشويات يكون معظم وقت العمل فيه في المساء .
عند خروجنا من البيت و توجهنا نحو المدينة كان المقترح الذي وافق عليه الجميع أن نذهب إلى مطعم " يحيى – أبو زكي " الكائن على طريق " المقام " لتناول الفطور و الذي سيكون عبارة عن كباب و تكه , بعد الإنتهاء من الفطور تفرقنا كل لحال سبيله على أمل اللقاء مساء ً و الإستعداد لسهرة جديدة .
و أنا متوجه إلى البيت ألتقيت شلة من الأصدقاء " بالمناسبة كان اليوم الأول من أيام عيد الفطر " الذين فرقت بيننا الأيام و أقترحوا أن نذهب إلى نادي المعلمين لشرب شيء ما , عندما وصلنا هناك كان الجميع نيام رغم أن الساعة تجاوزت العاشرة صباحا ً , أيقظهم السيد " نجيب " و وجههم لخدمتنا , بعد شرب الربع الثاني و بطل بيرة .. شعرت بالإكتفاء و قليل من الدوار و أستأذنت لدفع الحساب و نهضنا نروم العودة إلى بيوتنا .
و هنا أنتهى كل شيء بالنسبة لي إذ لم أعد أتذكر شيئا ً , حتى العصر و قرابة الرابعة و النصف أحسست بنسيم لطيف يتحرك حولي يمينا ً و يسارا ً , فتحت عيناي بصعوبة لأجد نفسي ممددا ً على الأرض فوق حصير من تلك التي توضع على مصاطب الجلوس " الكرويتات " في المقاهي و وسادة خفيفة تحت رأسي و يد ٌ تمسح على جبيني بقطعة قماش مبللة بالماء و إذا به " مجيد " .
- ما هذا يا " مجيد " أين أنا ؟
- أنت هنا في المحل .
- مالذي حصل ؟
- لا أدري لقد جاء بك فلان و فلان و أنت تقريبا ً فاقد الوعي فطلبت منهما أن يدخلاك المحل و أنت نائم هنا منذ قرابة 4 ساعات و أنا وضعت المروحة قرب رأسك و عملت لك الكمادات .
- وأين ذهبا ؟
- إنهما في المقهى ينتظرانك أن تصحو بعض الشيء .
ما أن نهضت من رقدتي إلا و كان الدوار قد أعاد الكرة , فما كان من " مجيد " إلا أن ينادي على أخي و صديقي و رفيقي المرحوم " وليد سلمان جاسم " الي حضر مهرولا ً و أمسك بي قائلا ً :
- ما هذا الذي أنت تفعله بنفسك ؟ هل جننت ؟
- و الله تقريبا ً وصلت الحافة ... هههههههههه
- هيا معي .
- إلى أين ؟
- إلى المستشفى .
و المستشفى لا تبعد إلا خطوات , و ما أنا داخل أترنح حتى سمعت قهقهة عالية من صوت نسائي , كانت ممرضة مسيحية إنسانة بكل معنى الكلمة و تعرفني :
- هلا .. هلا بالأسد ... جاي يتمايل .. سكران اليوم من الصبح ..
- تسكتين و إلا فأنت تعلمين قبل غيرك بوساخة لساني .. هههههههه
- لا ولك إنجب .. إسكت و أكعد هنا على الكرسي بين ما أحضرلك بيك " كسر خمارية " حتى تصحى .
جاءت بقدح مملؤء بسائل أبيض اللون شبيه بالخمر المخلوط بالماء و قالت :
- تعال هنا قرب المغسلة .. أخاف أيصير شيء .. لا سامح الله .. تتقيأ .
ما أن تناولت محتويات القدح حتى أستفرغت كل ما في معدتي في المغسلة , و هي واقفة جنبي تساعدني في غسل وجهي و ناولتني المنشفة , ثم طلبت مني أن أستلقي على سرير الفحص ثم فتحت زر كم القميص و رفعته لتزرقني بإبرة و هو تقول :
- إذا تريد تموت سويهه مرة ثانية و أنا سأساعدك على الموت ... هههههههههههه
و دعناها شاكرين و عدنا إلى حيث " مجيد " و المقهى , طلب مني المرحوم " وليد " أن أجلس في المقهى و أتناول شيئا ً من المشويات ريثما يذهب هو إلى بيتنا ليجلب شنطة ملابسي و من هناك إلى كراج بغداد . قدم لي " مجيد " اللحم المشوي " التكه " وقدح شاي كبير , و هو يقول :
- شنو السالفه أستادي .. البارحة إحنا مطوخين و رايحين زايد , أشوازاك اليوم ورة الريوك و هم أشربت .
- و الله " مجيد " أستحيت من الولد من زمان نا شايفهم و همه يخدمون بالبصرة و كالوا أنروح للنادي و صار اللي صار .
- أستادي الله أيخليك بعد لا أتسويهه .
- وعد مني إلك " مجودي " الورد .
جاء المرحوم " وليد " بالشنطة وعندما سألته مالذي قدمه كتبرير لوالدي قال :
- قلت له أن أولاد خالتك قد جائوا من بغداد في سفرة جماعية مع أبناء منطقتهم إلى الصدور و أخذوه معهم و أنا سأنتظرهم في المقهى حتى نعود معهم إلى بغداد فأقتنع .
اللطيف هنا , أني عندما سافرنا إلى بغداد في المارسيدس 18 راكب أنا و " وليد " لم أنتبه إلى حالي طيلة الطريق , و عندما نزلت في رأس الشارع المؤدي إلى بيت خالة أبي قرب الجامعة المستنصرية , كان ابناء المنطقة و معهم أبناء خالة أبي كلهم مستعدين للذهاب إلى أحد المنتزهات في بغداد , و أستقبلوني من بعيد ما بين مبتسم و ضاحك , وعندما سألتهم عن سبب ضحكهم غير المبرر , قالوا بصوت واحد :
- شوف حالك ؟
- أشبيه حالي ...
- شوف ردان قميصك .
و عندما نظرت إلى يدي اليمنى فإذا القميص ما زال مرفوعا ً إلى موضع زرق الإبرة ضحكت معهم .
آخر مرة رأيت " مجيد " فيها بعد سنين طوال و في زيارة نادرة للمدينة عندما كان يعمل في مطعم المرحوم " وهاب بشير " وقفت أمام بوابة المطعم و أنا أنظر إليه , لم يعرني إهتماما ً في البداية , لكنه عندما أمعن النظر من وراء الزجاج , خرج متهللا ً و هو يقول :
- إستادي لك وين أنت هالمدة كلهه .. آني عبالي بالخارج .
- أنت عرفتني زين " مجيد " منو آني ؟
كان رغم تقدم العمر و توقعاتي الخاطئة بأنه لن يتوصل لتذكري قد أحتضنني و هو يقول :
- كيف لي أن أنساك , أنت أستادي و إبن أستادي .
وعدته بأن أزوره كلما تسنح الفرصة و لكن القدر كان الأسبق في ذهابه للعالم الآخر ... عالم الفناء الأبدي .
رحم الله " مجيدا ً " و غفر له ما تقدم و تأخر من ذنبه ... فقد كان إنسانا ً بمعنى الكلمة .

ألا ليتَ ريعانَ الشبابِ جديدُ ......... ودهراً تولى ، يا بثينَ، يعودُيالها من أيام .. أيام الطفولة و الشباب تلك و ما أزه...
23/09/2023

ألا ليتَ ريعانَ الشبابِ جديدُ ......... ودهراً تولى ، يا بثينَ، يعودُ
يالها من أيام .. أيام الطفولة و الشباب تلك و ما أزهاها رغم البساطة في كل شيء , بيتنا الواقع اليوم ضمن الركن في ملكية " عزيز جمعة الجبوري " كان بسيطا ً في كل شيء , البناء كان من الطابوق لكن سقفه لم يكن من الكونكريت " الصب " بل كان من أعمدة الخشب المغطى بحصائر القصب المغطاة بالطين المخلوط بالتبن , ما زلت أذكر خارطته التي لا تروم أبدا ً النزوح من ثنايا الدماغ .
تفتح الباب الخارجي و أنت داخل ممر " يسمى – مجاز " بطول مترين أو ثلاثة لم أتمكن من تحديده اليوم في ذاكرتي بالضبط , بنهايته يسارأ باب للغرفة الكبيرة و قبالتك سيكون جدار الغرفة الثانية و على يمينك فناء " حوش " المنزل الواسع يحتل زاويته اليمنى حوض كونكريتي صغير تتوسطه حنفية ماء الإسالة .
عندما تدخل الحوش و تترك الزاوية اليمنى يقابلك السلم المؤدي إلى السطح , و في الفراغ تحت السلم يوجد ميز خشبي عليه طباخ نفطي و خزانين زجاجيين للنفط , و على يسارك يقبع عند باب الغرفة الثانية صندوق خشبي بأرجل أربعة تخرج من جانبه حنفية ماء و عندما ترفع الغطاء تجد منصة عليها ربع قالب ثلج و جنبه خزان ماء صغير يبرده الثلج بالتلامس , و في حوض الصندوق مالذ و طاب من الفاكهة الصيفية , ذلك الصندوق كان ثلاجة ايام زمان .
و أنت تصعد السلم تكون قد تركت على يمينك باب المرافق الصحية و باب الغرفة الثالثة المطلة بشباكها على رصيف الشارع الرئيس للمدينة كأختها الكبيرة التي ذكرتها في مقطع سابق , تمضي صعودا ً إلى السطح , فتجد أن السطوح متلاصقة لا يفصل بينها سوى ستار بسمك طابوقة واحدة , و على يمينك يقع سطح منزل المرحوم " خضير عباس القيسي – خضير شاميه " وقبالتك سطح منزل المرحوم " حسن علي أكبر " و على يسارك فراغ إذ أن البيت كما أسلفت كان يقع في الركن , و الفراغ هو الشارع المحاذي للشاخة الآن .
أنت أكبر أولاد العائلة , و يليك ستة أبناء , ثلاثة من الأولاد و ثلاثة من البنات , ثامنتكم بنت توفت و عمرها أشهر قليلة بمرض " ذات الرئة " البغيض , لكن أن يكون هناك في البيت ولد أكبر منك سنا ً ينام في الغرفة الكبيرة التي على اليسار و عندما تسأل عنه يقال لك :
- أنه أخوك الكبير يا ولدي !!
سرعان ما يتقبل عقلك الصغير ذلك .. وبفرح وجذل لا نظير لهما .. أتحدث عن العام 1955 و أنا إبن أربع سنوات , و عندما حدثت ثورة الرابع عشر من تموز شاءت الظروف أن تعيش أحداثها و أنت غض غرير في السابعة من العمر و في المدينة الصغيرة نسبيا ً و هي تعيش الأفراح خصوصا ً بعد ورود الأخبار بأن الزعيم " عبد الكريم قاسم " و اللواء " التاسع عشر " الي يقوده المنطلق من معسكر المنصور هو ً عماد الثورة الرئيس .
و تبعا ً لمشيئة الظروف تلك , تسافر أنت إلى بغداد منتقلا ً مع عمتك الكبرى التي أشرفت على تربيتك لتبدأ في الدوام في المرحلة الثانية الإبتدائية في مدرسية " السرمدية " الإبتدائية لسنتين متتالية و تعود إلى " شهربان " بعد التدهور الحاصل و محاولة إغتيال " عبد الكريم " و يكون صيتك في القدرة على قراءة الكتب قد سبقك إلى المدينة , حيث إنك في بغداد نمت لديك القابلية عليها , قراءة حتى الكتب الجامعية لكن دون إستيعاب لمعاني المفردات الواردة فيها , و قد نقل ذلك إلى والدي أولاد خالته .
تعود للمدينة و أول من يستثمر موهبتك في القراءة " أخوك الأكبر المفترض – محمد " الي لم تسنح له الفرصة في الدراسة و التعلم , إذ أنه كان ينتظر عودتك من المدرسة بفارغ الصبر و ما أن تبدأ تباشير الظلام بالحلول حتى يناديك إلى الغرفة الكبيرة و يبدأ بإخراج وريقات بيضاء ذوات قطع موحد من جيب سترته الداخلي و يطلب منك قراءة ما مكتوب فيها و هو يستمع لك بكل جوارحه و ما أن تنتهي من إحداها حتى يبدأ بتمزيقها و وضعها في " طاسة عمل " من تلك التي تستخدم في البناء سابقا ً لنقل الإسمنت و الجص , و عندما تنتهي الأوراق و تنتهي أنت من قراءة آخرها يشعل فيها النار .
مما علق في ذهنك من تلك الأيام كلمات مبهمة كانت ترد في تلك الوريقات , كلمات مثل " الحزب " و " الشيوعي " و " اللجنة المركزية " و " المكتب السياسي " لكنها فتحت آفاق ذهنك للبحث عن هذا الكم المجهول من الكلمات مستقبلاً و أنارت لك الطريق للإنتماء بعز و شرف لدين و مذهب الإنسانية المتمثل بالفكر و الحزب الشيوعي , و بهذا كان أخي الأكبر " محمد " هو المعلم و الهادي .
كبر أخي " محمد " و صار في سن الزواج وصار يبحث عن عروسة , وعندما إهتدى لفتاة من مدينته الأصلية " مندلي " صار ألأمر حقيقة فكان زواجه في بيتنا , في نفس الغرفة الكبيرة التي كان ينام فيها .
لنتكلم الآن عن " محمد " كشخص ... هو أحد أفراد عائلة كبيرة من الأولاد كانت تقطن " مندلي " , و عندما توفى معيلها لم تستطع السيدة الفاضلة المرحومة والدته إقامة أودهم و إطعامهم فكان أن جاءت بـ " محمد " إلى شهربان ليكون تكفله من حصة والدي رحمه الله و رحم موتاكم , و على ما أذكر فإنها ذهبت بإخوان له إلى بغداد ليتكفلهم إناس من أقربائهم كانوا يعملون في صناعة الحلويات في منطقة باب الشيخ , سبق لنا و زرناهم أنا و عمتي الكبرى أثناء سني معيشتي معها في بغداد لكن الصلة إنقطعت بعد عودتنا إلى شهربان .
مرت سنة على الزواج و صارت عقيلته حاملا ً بمولودها البكر , حينها جاء " محمد " إلى والدي مستأذنا ً بالإنتقال إلى بيت خاص بهما كان قد أستأجره لهذا الغرض , لم يكن أمام والدي إلا الرضوخ لمشيئته بعد أن قدم الكثير من المبررات .. البيت صغير ..الأولاد يكبرون .. بالإضافة لي و زوجتي و ما سيرزقنا به الله من أولاد ...... إلخ .
كبرت عائلته بعد ولادة " حياة " ثم " ماجد " ثم البنتين الأخرين , ولم أشهد في حياتي سعادة كسعادة هذه العائلة الصغيرة , بما كان يحمله هو من روح مرحة و ما أمتازت به السيدة " نجاة " رحمها الله من رزانة و أدب .
أشتغل لفترة قصيرة مع " علي سعدون – أبو يقظان " أمد الله في عمره في المحل الواقع مقابل الجامع الكبير , ثم أنتقل ليستأجر المحل الخاص به في الجانب الثاني من السوق " محلات الجامع " , كان لروحه المرحة و حب التلاطف الذي تملكه منذ الصغر أثرا ً كبيرا ً في زيادة زبائنه من القرويين حيث أشتهر هو بخياطة " الدشداشة " ... أحبوه لدرجة أن أحدهم كان يخجل من الحضور إلى محله خالي اليدين .. فكانت هداياهم تتوالى من منتوجات حقولهم .
طيلة فترة الحرب العراقية – الإيرانية و عندما كنت أحضر في الإجازة الدورية كان يستقبلني بالأحضان و القبلات لتبدأ بعدها الأسئلة التي تتمحور في ثلاث إتجاهات :
- أخباري الشخصية - أخبار الحرب - أخبار الحزب
و كنت أسرد له بالتفصيل إجابات لكل تساؤلاته , و يتخلل ذلك قفشات له مع المارة من أبناء المدينة , في هذه الأثناء كبر " ماجد " و إلتحق بالدراسة الجامعية و أثناء الدراسة تعرض لمرض الفشل الكلوي فتبرعت له السيدة والدته بكليتها , و تخرج من الكلية " مهندس كهرباء " , لكن القدر غدار إذ كان له بالمرصاد , توفي " ماجد " في عز سني شبابه , فكان لهذه الوفاة أثرها الكبير في نفس " محمد " و زوجته .
في العام 1983 أواسط الشهر الخامس توفي والدي في مستشفى مدينة الطب أثر فشل كلوي حاد بسبب من إصابته بمرض " السكرى " و عندما أحضرنا الجنازة إلى شهربان كان " محمد " في طلائع أهل المدينة الذين أستقبلونا و هو ينحب كالأطفال أحتضنني و هو يقول :
" اليوم فقط شعرت باليتم ... من مات اليوم هو أبي الفعلي " .
مضت الأيام و مضى معها " محمد " أخي الأكبر و صديقي و رفيقي و معلمي إلى العالم الآخر دون أن أتمكن لا من رؤيته و وداعه ولا حضور جنازته .
رحمك الله و أحسن مثواك أبا " ماجد " أيتها العملة النادرة في زمن القذارة و الوساخة , أيها المثال الأعلى للنقاء و الأصالة في زمن قل فيه رجال ممن هم على شاكلتك .

23/09/2023

أحبتي آسف لهذا الإنقطاع الطويل و سأعود لكم إشاء الله بقصص و ذكريات جديدة عن شخوص جميلة من مدينتنا

ألا ليت أيام الشباب جديد .. و دهرا ً قد تولى يا ( شهربان ) يعود علامه الدهر حاربنا.......وشتنافركنا والوشاة من ال.. وشتن...
25/06/2023

ألا ليت أيام الشباب جديد .. و دهرا ً قد تولى يا ( شهربان ) يعود

علامه الدهر حاربنا.......وشتنا
فركنا والوشاة من ال.. وشتنا
يكلي إتنا يبعد اهلي.....وشتنا
انهدم ركن الصبر وتلوم بيه

الصفوة من أبنائك يا شهربان .. رحم الله من غادر عالمنا و حفظ الباقين بالصحة و السلامة

22/05/2023

مَضَى مَنْ كَانَ يَحْملُ كُلَّ ثِقْلٍ * ويسبق فضل نائله السؤلا

لو كان كل ذي خلق يسمى خلوقا .. لكنت الأول بين الناس كلهم .. ولو كان كل ذي ملاحة جميل ٌ لكنت الأجمل و الأكثر وسامة بين كلهم .. لو أن الأرض تخجل من سيرهم عليها .. لكنت الأول بين ذوي النبل و الكرامة .. لو ... لو ... لو .. فأنت كلهم .
أخي و عزيزي ..
أي رثاء ممكن أن يكتب لك .. فالكلمات تائهة
أي حقبة ً عشناها معا ً .. يمكن نسيانها .. بعدما تكالبت علينا وحوش البشر .. لتفرقنا و تجعلنا في مهب الرياح .. كل ٌ في بلد و مدينة .. بعيدا ً عن مهبط الآمال و قبلة الأعمال .. شهربان العزيزة ..
أيها الوطني الأشم الذي لم تنل منه صعوبات الحياة وقهره الموت المحتم علينا كنهاية مسيرة .. كتبت سيرتك فيها بحروف من ذهب .. في كل مناحي الحياة .
يا أبن جيل الطيبين .. يا أبن الأكرمين ..إرقد بسلام .. فالمشهود لك إنك أديت الرسالة .

Address

Shahraban
00964

Telephone

07702942038

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when Shahraban - Downtown posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Share