Shahraban - Downtown

Shahraban - Downtown هذه الصفحة للتعريف بأبناء شهربان و ساكنيها ممن لم يحضو?

02/06/2026

خضير عباس القيسي ( خضير شامية )
خمسينات و ستينات القرن المنصرم , لا أعتقد أن الأجيال الحالية من المأصلين كأبناء البلدة أو الوافدين إليها بعد التغييرات السياسية التي طرأت على البلد مثل ثورة 14 تموز 1958 وإنقلاب 8 شباط 1963 و ما تلاهما من إنقلابات إنتهاءا ً بحرب الثمانية سنوات بين تظامين فاسدين إزهقت فيها أرواحا ً عزيزة علينا من أبناء البلدة , لا أعتقد أن هذه الأجيال تمتلك تصور كامل عن طبوغرافية البلدة و ما كانت عليه أوضاعها , سأحاول أن أصحب و أسحب من يقرأ موضوعتي هذه تاريخيا ً إلى تلك الأيام .
كانت المدينة من أجمل ما خلق الله , تحيطها البساتين من كل جهة لا بل تتداخل أسيجة بعضها ( أطوافها الطينية العالية ) مع سطوح بعض بيوتاتها , يخترقها النهير الخالد ( الشاخة ) متلويا بين البيوت كالثعبان و أنشأت بعض تلك البيوت حدائق غناء على ضفتي النهر و حتى تنتقل بين محلاتها كانت هناك العديد من القناطر الممتدة على النهر , كان ناسها أروع ناس . نسيج عراقي متجانس عربا ً و كردا ً و تركمانا ً , مسلمين و يهودا ً و مسيحيين و صابئة مندائيين .
لم يكن الشارع الرئيسي فيها الممتد من محلة الرمادية و حتى الساحة التي تقابل حسينية المقدادية اليوم , قد نال حظه من التبليط حتى النصف الأول من العقد الأول من الخمسينات , و كان التبليط وفق أسلوب بدائي , يفرش فيه الحصى فوق طبقة الرمال و الترية الأساسية فيه من قبل عمال مياومين ( أجور يومية ) و من ثم تشهل نار كبيرة في كل مقطع منه لإذابة مادة القير الواردة في براميل حديدية ليصب بعدها في صفيح ( صفائح النفط و البنزين الفارغة حيث كان يباع بهذا الشكل في العلاوي الخاصة لعدم وجود محطة ووقود في المدينة يومذاك ) يتقله نفس العمال بإستخدام خشبة توضع على الظهر و تتدلى من جانبيها صفيحتان , يستلمها الأسطى ليفرغ محتواهما بالتناوب في صفيحة أصغر من الألمنيوم الثخين ( البليت ) فوهتها مطوية لتستعمل كمرشة للقير .
أيامها لم تكن هناك الأحياء التي نسمع أسمائها اليوم كحي المعلمين و العسكري لا بل حتى الحي العصري كان في أوائل إنتقال بعض أوجه البلدة إليه , و لم يكن هناك الشارع الذي يربط اليوم بين المدينة و دور الضباط و لم تكن هناك دور سكنية تسمى الحرية اليوم , و بحكم ذلك لم تكن هناك طرق معبدة تربط المدينة بقراها الكثيرة , كانت تتحول إلى برك وحل في موسم الأمطار بشكل ينقطع فيه سكانها عن المدينة لموسم الشتاء .
ولحل هذا الإشكال نشأت مهنة ( هي في الواقع تاريخية قديمة ) العطار , و هذا بدوره يتبضع من أسواق المدينة شايا ً و سكرا ً و أقمشة يملأ بها السلتين التي يضعهما على حصانه و ينطلق بهما نحوأحدي القرى ليبيع أغراضه وفق إسلوب المقايضة و يبت في أحيان كثيرة في القرية التي قصدها ليعود في اليوم الثاني محملا ً بالدجاج الحي و سلتيه مملوئتان بالبيض و الدهن الحر و أحيانا ً بعض مشتقات الحليب .
واحد من هؤلاء و هو الأقرب لي ولقلبي المرحوم ( خضير شامية ) , جار العمر و زوجته المرحومة التي تربط أهلي بها صلة رحم , كان رحمه الله عند عودته من القرى ما أن ينزل السلال من على ظهر الحصان حتى يسلمه لي لأمتطيه حتى قنطرة الإنكليز و أنزل به إلى النهر ليرتوي بالماء و من ثم أضع له الشعير في ( العليج ) ليأكل منه على مهل و نحن عائدان إلى البيت يستلمه مني ويذهب به إلى خان الحاج ( هوبي ) حيث يبيته هناك .
كان ذا صوت رائع في الغناء , أملته عليه الطروف التي يعمل فيها , فالغناء كان تسليته الوحيدة على ظهر الحصان و هو يخوض في أوحال تلك الطرق شتاء ً و عبارها صيفا ً و كانت رئتيه تتشبعان بنقاوة الهواء فتنطلق الحنجرة في مواويل و عتابات من الكثيرالذي يحفظه عن ظهر قلب و الذي كان يصفها بأنها السلوى له في الطرق الموحشة أحيانا ً نحو تلك القرى.
أنجب خضير شامية ستة أولاد هم على التوالي ( إسماعيل البكر / لطيف / أكرم / إبراهيم " الشهير بلقب - عاش " / خليل / رعد ) و أربع بنات كبيرتهن المرحومة زوجة المرحوم جبار مريم فدعوس و الباقيات تزوجن في بغداد , الأربعة الأوائل أمتهنوا سياقة السيارات , خليل كان كريم العين لذا لم بسمح له , الصغير رعد توفى و هو يافع بمرض إلتهاب السحايا الدماغية و كان لموته تأثيرا ً كبيرا على شخصية ( خضير العطار ) بحيث أنه أحتضن النعش على ظهر الباص الخشبي من البيت و حتى مقبرة المقداد مودعا أياه بقصائد رثاء ( فراكيات ) أبكت كل من حضر مراسم التشييع و الدفن .
لم ينجرف أي من أبنائه سياسيا ً لكنهم تعاطفوا مع ثورة 14 تموز عدا إبراهيم الذي إنحاز لإصدقائه من القوميين العرب و الحرس القومي لكنه نال ما ناله من العذاب بعد إنقلاب شباط 1963 من حلفائهم البعثيين بحيث صار دخول المدينة من الإمور المحرمة عليه بأمر أحدهم الذي تبوء فيما بعد مركزا ً حزبيا ً كبيرا ً .
بعد إنتقال العائلة إلى بغداد رفض ( العطار ) الذهاب معهم و بقي في المدينة , أما عن مصير تجارته و أين كان يذهب بما جناه من القرى , فإنه كان يسوقه عن طريق المرحوم شوكت سائق أحد باصي الخشب العاملين على طريق شهربان – بغداد إلى الشورجة في بغداد أيام لم يكن هناك حقول دواجن تغذي العاصمة .
أما طريقة تسويق البيض , بعد الفحص بالطريقة البدائية الرائعة التي كان يجيدها , كان يضم أصابع يده على البيضة تاركا ً فتحة صغيرة بين الإبهام و الخنصر لينظر منها و فتحة أكبر بين اصابعه العلوية موجها ً البيضة نحو المصباح الكهربائي في الغرفة , ليميز البيض الملقح عن غيره فيعزله عن الباقي الذي سيوضع في صندوق الشاي المصنوع من طبقة من الخشب ( المعاكس ) الفارغ بعد فرش طبقة سميكة نوعا ً ما من القش ( التبن ) و التي تغطى بطبقة أخرى يوضع عليها البيض , هكذا حتى يمتلئ الصندوق و يحكم غلقه , أما الدجاج فإنه يوضع في أقفاص مصنوعة من جريد النخل و الدهن الحر في أوعية مكتومة و الجبن في أكياس من القماش الأبيض ( الخام ) ليعود له شوكت في اليوم الثاني بقوائم البيع وأثمانها نقدا ً .
أنقطعت علاقتي به بعد مغادرتي البلدة 1968 بعد الإنقلاب البعثي , حتى أني لا أعرف كيفية رحيله عن عالمنا إلى دار الأبدية راجيا ً من تسنى له المعرفة به بعد 1968 أن ينعش ذاكرتنا بما يعرف في التعليقات و شكرا ً
و من يحتفظ بصورة له أن يزودنا بها مشكورا ً

25/05/2026

في شهربان العزيزة مرت شخصيات تكاد تحني الرأس إحتراما ً لمواقفها المسؤولة رغم أن سيرتها الذاتية لا تكاد تشجعك على تناولها لكن عيشها على هامش الحياة و دون التفكر بإحداث تغيير فيها كما يحلم البعض من عبدة الدينار .
واحد من هذه الشخصيات الهامشية و التي تبنت االإلحاد في مواقف معينة كادت أن تجلب عليها نقمة المجتمع المقاد من قبل مجاميع المتدينين .
أبو عبد الأمير ( عبد الله الكناس ) .

قبل أيام حفزني منشور لصديق و أخ عزيز على أستذكار شخصية رائعة من شخصيات مدينتي من بقايا الزمان المنصرم .. و أعني به .. عقد الستينات والسبعينات من القرن الماضي .
و بالضبط عام الهزيمة المرة و ما أصطلح على تسميته بنكسة حزيران 1967 .
أبو عبد الأمير .. موظف في بلدية المدينة بعنوان ( كناس ) كان يجوب شوارع المدينة حاملا ً مكنسته العريضة المكونة خوص سعف النخيل المحاك بطريقة فولكلورية رائعة و المثبتة على ذراع طويلة من شجر الحور ( القوغ ) جامعاً ما يكنس من الأزبال في أمكنة محددة ليأتي بعده موظف آخر في بلدية المدينة هو العم أبو فاضل يقود حماره الذي وضع على ظهره ( سابل ) وهذا هو عبارة عن وعاء محاك أيضا من خوص سعف النخيل يوضع على ظهر الحمار لينقسم إلى وعائين .. كل واحد من جهة ويحمل تلك الأزبال ليلقيها في مكب لها خارج البلدة .
في أيام الجمعة .. كان القرويين من الناس , والمدينة للإطلاع محاطة بسلسلة من القرى التابعة لها إداريا و بشكل دائري غير منتظم , يأتون إلى سوقها للتبضع .. وأداء مراسم صلاة الجمعة .. عندما يرفع آذانها فتراهم ينطلقون من مقهى ( مانع ) الرابضة على كتف النهر ... فريق بإتجاه جامع المدينة الكبير و فريق نحو حسينيتها .. بعد أن فرغوا من شرب الشاي و لعب الدومينو .. ساعات ما بين الصباح الباكر و الظهيرة .. إنقضت في المقهى بمرح وصداقات لا ينفرط عراها رغم الإختلاف و التنوع العرقي و المذهبي .
لم أكن أعلم ولا أدري ماهي مصيبة ( أبو عبد الأمير ) معهم و هو الآخر يكون يوم الجمعة ..يوم أستراحته إلا بعد أن أكتشفت ورأيت رؤية العين تصرفه معهم ... لأدرك منذ ذلك اليوم بأنه شخص ملحد . وعندما سألت الوالد عنه .. أجاب على الفور :
" خلي يولي بابه .. هذا واحد زنديق .. كافر و ملحد "
أما كيف كان هذا الرجل الكبير بالسن والأمي ملحدا ً في زمن ٍ يفترض فيه إن أقرانه كلهم ممن يؤمون الجوامع و يغشى عليهم أثناء الصلاة من الخشوع , هذا ما أكتشفته ذات جمعة كما أسلفت كنا فيها أنا وأصدقاء لي جالسين في تلك المقهى الكبيرة , الواقعة على جرف النهر وتظللها أشجار الصفصاف العالية و النسيم يتخللها ليدخل المقهى باردا ً عليلا ً .
يدخل ( أبو عبد الأمير ) المقهى وبين أصابعه تجلس بزهو سيجارته ( اللف ) ويختار مقعدا له قريبا ً على مجموعة من القرويين لاعبي الدومينو و بالشكل الذي يكون فيه عائقا ً لهم أثناء الخروج , فلا يستطيع أحدهم الخروج إلا بعد الإستئذان منه ليفسح له المجال لذلك , ويطلب زجاجة كوكا كولا .. يرتشفها بتأني مخرجا ً أصوات يستدعي بها لفت أنظارهم إليه وهو يكرع زجاجته , التي ما أن ينتهي منها حتى يطلب من عامل المقهى رفعها .
ما أن يرفع الأذان للصلاة حتى يترك هؤلاء الآتيين بأحلى زينتهم لأداء طقسها لعبتهم للذهاب إلى الجامع الكبير أو الحسينية كما أسلفت , و للخروج لا بد من الإستئذان , ليبتدأ الحوار التالي :
أبو عبد الأمير : ها يابه وين رايح ؟
القروي : ما تدري وين ؟ غير للجامع نصلي .
أبو عبد الأمير : يلله أعبر .. بس دير بالك تطخ الميز ليوكع البطل وينكسر .
القروي : يا بطل هو الميز فارغ .
أبو عبد الأمير : ها .. شنو أنت أعمى .. ما تشوف .. مو هذا البطل كدامك .. مو شفتني دا أتزقنبه لو لا .
القروي : أي شفتك .. بس هسه وينه ؟
أبو عبد الأمير : إذا بطل كدام عينك و ما شفته .. لعد متكلي شلون شفت هذا الفوك وآمنت بيه وراح تروح تضربله جقلمبة .
القروي ( مبتسما ً ) : ولك جان أستحيت على شيباتك .. مو رجلك بباب كبرك .. بطل من هاي السوالف التعبانة . في أمان الله
أبو عبد الأمير : روح .. شسويلكم .. تردون تبقون زواج طول عمركم .. روح خلي يسفط براسكم حجي ... هذا الإيمامي أبو الفروخ .
القروي ( ضاحكا ً هذه المرة بصوت ٍ عال ٍ ) : الله أيفين حظك ... مهمود الشيب .
لم أره وقد أنتفخت أوداجه وأحمرت غضبا ً .. ولم يستل خنجره مهللا ٍ مكبرا ً ليحتز رقبة أبا عبد الأمير .. ولم أر أبا عبد الأمير منفعلا ً من شتائم القروي ... بل ظل الأثنان يقهقهان لحين وصول القروي إلى بوابة المقهى .
أنتهت أعراس إنتصارات ( أحمد سعيد ) يوم السابع من حزيران 1967 و التي أبتدأت يوم 5 منه لنصحو على فاجعة إلتحاق سيناء و الضفة الغربية و هضبة الجولان بخارطة دويلة أسرائيل ( اللقيطة ) كما حلى ويحلو للقومجية العرب تسميتها , و عجلت حكوماتنا ( الوطنية أكثر من اللازم ) بأستحداث صناديق دعم المجهود الحربي , لجمع التبرعات من المواطنين لنصرة قضيتنا القومية المصيرية , قضية فلسطين .
و في مدينتنا جاء متصرف اللواء يومها وجلس مع صندوقه في قاعة نقابة المعلمين بعد أن أمر القائمقام بأرسال شرطته لتبليغ أثرياء المدينة المعروفين لديه بالأسماء و بما يحملون من ألقاب فخامة آنذاك , فهذا ( بيك ) و ذاك ( آغا ) والآخر ( أفندي ) ..... إلى آخر ما تحتويه القائمة من رنين .
معظم الحضور في القاعة كان من فقراء المدينة و متوسطي حالها , مضافا ً إليهم نزر يسير من أثريائها , تفحص المتصرف الوجوه بحثا ً عن شخص يعرفه فلم يجده , همس بأسمه في أذن القائمقام قائلا ً :
المتصرف : أين الحاج ..............؟
القائمقام : أنه غير موجود في البيت جنابك .. كما أخبرني الشرطي .
المتصرف : أرسل في طلبه ثانية ً (قالها الرجل بأمتعاض ٍ شديد) يجب أن يحضر و يتبرع حتى لو أنتظرته ليوم غد .
الساعة كانت تقارب التاسعة عندما أعلن عن فتح الصندوق , و أنهالت الدنانير المفردة وأنصافها و أرباعها من قبل الفقراء و متوسطي الحال على الصندوق , وبين الفينة والأخرى كان أحد الأثرياء يرمي ورقة ذات خمسة دنانير فيه .
على ذكر ( الحاج ) ... عندما أصدرت حكومة الثورة عام 1959 عملتها الجديدة ذات الشعار بدلا ً عن صورة الملك .. قيل بأنه جلب سيارة بيك آب شوفرليت حمراء مملوءة ( كواني قلم أحمر ) بالأوراق النقدية لأستبدالها تحت حماية أولاده الثلاثة حاملي بنادق الصيد ذات الأسطوانتين , فهو صاحب أطيان وبساتين ورثها عن أبيه .
لم تعثر الشرطة على أثر له ذلك النهار .. الذي عند منتصفه صدف أن يمر فيه ( أبو عبد الأمير ) من أمام النادي قافلا ً من دائرة البلدية مستلما ً راتبه ليرى الناس في هرج ٍ و مرج ٍ , جماعة داخلة و أخرى خارجة , هل يعقل إنهم جميعا ً باتو يشربون الخمر جهاراً نهارا , أم إن هناك أمر ما لا أعلمه .. تسائل مع نفسه ؟
إقترب من أحد الشرطة مستفسرا ً عما يجري ......
أبو عبد الأمير : هاي شكو وليدي ... شو الدنيه مكلوبه اليوم .. حفلة ؟ ديوزعون عرك بلاش .. شنو ؟
الشرطي : عمو ياحفلة .. يا عرك بلاش .. شنو أنته وين نايم .. ما تسمع أخبار ؟
أبو عبد الأمير : لا والله وليدي .. شتشوف عمك أشكول أخبار ؟ ليش شكو شصار ؟
الشرطي : عمو .. أكلنا تبن .. فلسطين راحت والجيوش أنكسرت .. و هسه ديلمون تبرعات للمجهود الحربي ..
أبو عبد الأمير : آفه عليك أبو أموري .. هذا يومك .. من رخصتك إبني ..
دخل القاعة حاملا ً مكنسته واضعا أطراف دشداشته في حزامه مظهرا ً لباسه الطويل و أتجه مباشرة إلى الصندوق .. أخرج ما في جيبه من نقود ليضعها في الصندوق ويستدير يروم الخروج .. أستغرب المتصرف من كمية النقود التي وضعها في الصندوق ملتفتا ً إلى القائمقام متسائلا ً :
المتصرف : من هذا ؟
القائمقام : جنابك ... هذا كناس .. يعمل لدينا في البلدية .
المتصرف : و كم وضع في الصندوق ؟ هل أنتبهت عليه ؟
القائمقام : نعم .. جنابك .. اليوم نحن ندفع الرواتب .. كل راتبه .. 24 دينار ..
المتصرف : عجيب ... هذا يرمي كل راتبه .. و الأثرياء خيرهم يضع 5 دنانير .. لا تدعوه يذهب .
يمد المتصرف يده في جيبه , يخرج 24 دينارا ً .. يضعها في يد ( أبو عبد الأمير ) قائلا ً :
المتصرف : والله حرام أن نتقبلها منك .. بارك الله بك وبمشاعرك الوطنية الفياضة ..
ما أن يأخذها ( أبو عبد الأمير ) حتى يضعها مباشرة في الصندوق ويخرج من القاعة مهرولا ً حتى لا يوقفوه مرة أخرى ويجبروه على تقبل النقود . ( 1 )
بحلول المساء ... لم يحضر الحاج ( ........ ) بل حضر أحد أبنائه ( الأصغر فيهم ) قائلا ً :
الولد : هل تبحثون عن أبي ؟
المتصرف : نعم
الولد : إنه يمتلك مخبأ في بستانه تحت شجيرات العناب ذات الأشواك , لجأ إليه مذ عرف بنيتكم جمع التبرعات .. إذا ترغبون سأذهب مع الشرطة لأدلهم عليه .
المتصرف : بوركت يا ولد
ذهبت مفرزة الشرطة لتجلب الحاج ( ........ ) و تخرجه من عرينه لينتهي به المطاف عند الصندوق مخرجا مبلغا ً لم يصل إلى نصف راتب ( أبو عبد الأمير ) ويضعه فيه تحت أنظار المتصرف و القائمقام المذهولين من جراء المقارنة بين تصرف رجلين ... أحدهما لا يمتلك من حطام الدنيا سوى أجور قوة عمله التي يبيعها للدولة .. و الآخر يمتلك الدنيا بما فيها .

كم هو صعب أن تفقد وجها ً صبوحا منيرا ً و محيا كانت ترسم البسمة على وجوه التعبانين في ظرف أنت أحوج ما تكون له .. أخي و نب...
21/05/2026

كم هو صعب أن تفقد وجها ً صبوحا منيرا ً و محيا كانت ترسم البسمة على وجوه التعبانين في ظرف أنت أحوج ما تكون له .. أخي و نبراس شبابي و بوصلته غانم نوري الخياط .
في ذكراه طافت بالرأس كلمات حيرى أثرت أن أسطرها هنا لكم و لطلابه كهدية متواضعة بحقه .

الأستاذ المرحوم غانم نوري الخياط

من الشيوعيين رجالاَ صدقوا ما عاهدوا الشعب و الوطن عليه فمنهم من صان الأمانة و سارعلى دروب المجد منتشيا ً بحب ٍ لا مثيل له للفقراء من العمال و الفلاحين و تحمل كل صنوف التعذيب المهين للأنظمة الفاشية المؤدي إلى الموت أحيانا ً دفاعا ً عن إيمانه المطلق بعدالة قضيته التي تدور في فلك الإنسانية و العدالة الإجتماعية في توزيع الثروات الوطنية .
و منهم من عانى ظروفا ً إقتصادية صعبة نتيجة سحب اليد من الوظيفة الأمر الذي أجبر الكثير ىشاء من المعلمين و المدرسين و الموظفين على العمل في مهن آخرى من أجل لقمة العيش و سد إحتياجات عوائلهم في ظروف قمع فاشي و إمتهان للعيش الكريم الذي كان يشدد في إستعمالها النظام المجرم .
و منهم من تناساهم رفاقهم لا سبب , إلا لكونهم و بحكم إستيعابهم لأسس النظرية التي أهتدوا بنورها مذ كانوا شبابا ً يافعين , إكتشفوا البون الشاسع بين الأخلاق الشيوعية الحقة و بين سلوكيات بعض من تدرجوا في المراتب الحزبية التي تتنافى مع المبادئ و الأخلاق المشار إليها آنفا ً, فأثروا العمل على تقويم تلك الهنات المخجلة لكنهم ووجهوا بجدار خرساني صلب من التهويشات المجنونة و الإفتراءات التي ينجح فيها دائما ً من هم الأكثر تأهيلا ً للخيانة على حد وصف لينين و نعني بذلك المثقفين الذين قفزوا للمراتب الأمامية و التي لم تشهد في صفوفها و لفترات طويلة عمالا ً أو فلاحين بل أمتلأت بالكثير ممن لهم القدرة على تبرير الخيانة .
لذلك إختار الكثير من العناصر الوطنية و بحكم الفقرة الخاصة بالنظام الداخلي للحزب التي تثبت الحق في الإنسحاب متى ما وجد ذلك متماشيا ً مع ظروفه الخاصة أو متى ما وجد سياسة الحزب غير متوافقة مع فهمه للنظرية و السياسة التي يراها ضرورية الإتباع في الظروف السياسية المختلفة :
( الحزب هو إتحاد طوعي بين مواطنين ......إلخ )
و من تجربتي في العيش طيلة عمر بأكمله في تلك الصفوف كانت النعوت التي تطلق على أي رفيق ترك صفوفهم تكاد تملأ قاموس كامل من الصفات الجاهزة لديهم لمقاطعته و إهماله و نبذه سياسيا ً و من بين هؤلاء شيوعيون أماجد كان لهم الفضل الرئيس في تكوين شخصيتي و بنائي الفكري .
( غانم نوري الخياط ) كان و ما زال رغم غياب الجسد يي أجمل مدينة عيش معنا ذكريات جميلة في أجمل مدينة حباها الله بنهر كان يتلوي بين بيوتاتها كثعبان هائل ليخرج منها مرويا ً حدائقها المنزلية و البساتين المحيطة بها , هذا الرجل عاش و مات عصاميا ً لم يحن رقبته لأحد , في أيام الحصار الجائر كانت بسطية في الشارع المحاذي للنهر و في رأس الفرع المؤدي إلى بيت العائلة يبيع فيها الطحين بالمفرد غير آبه بنطرات البعض الذين كانوا يتألمون في دواخلهم لوضعه , هذا الرجل عاش و مات شريفا ً لم أسمع منه غيبة ً لأحد و لم يتبادل نميمة حول شخص ثالث مع طرف ثاني .
كان صدرا ً واسعا ً إستنع خلال معايشتي له لنقد جارح بعض الشيء من قبل رفاق شباب صغار عندما كان يطرح رأيه في نقاشات تدور في المقهى حتى أن أحدهم ( رحمه الله أيضا ً ) قال له :
" أنتم الشيوعيون القدماء إنسحبتم و جلستم فوق التل و أخذتم توزعون النقاط الصفرية لنا , تعملون بدون وعي على تثبيط عزيمتنا " . و كان هذا الشاب مندفعا ً بفورة العنفوان وراء الدجالين المعشعشين في قيادة الحزب الذين جرجروا الألاف مثله وراء جبحتهم الوطنية الكبرى عام 1973 .
إرتسمت على محياه المنير وقتها إبتسامة عريضة و كان جوابه :
" أنت الآن في فورة الشباب و تنساق وراء طروحاتهم , لكنهم سيعضوك يوما ً بالشكل الذي يدفعك للجلوس معنا و إعطائهم الصفر الأكبر " .
مثل ( غانم ) من الشيوعيون مروا خفافا ً كالنسمة في هذه الحياة لم يتجرأ أحد من مجايليهم أو الشباب من الجيل الذي جاء بعدهم أن يبوح بكلمة واحدة بأنه قد تعرض لإعتداء منهم سواء بالكلمة أو باليد .. كان غانم كتلة من الأخلاق تسير الهوينا على الأرض فلا تترك أثرا ً عليها , رغم ثقل الهموم التي كان ينوء تحت أعبائها , كان فنانا ًفي ترك أثره في نفوس محبيه و من بينهم كاتب هذه السطور الذي تلقى منه إتصالا ً هاتفيا ً في أخريات أيامه التي كان قاسمها المشترك المرض , و ما زال حتى الساعة صوته يرن في إذنه لأن أمثاله و إن غابوا كأجساد فلا يمكن أن يغيبوا عن بال محبيهم الذين عايشوهم لفترة طويلة من العمر .

20/12/2024

أخواتي و أخوتي أبناء شهربان الأكارم
إنني فيما أكتب من ذكريات عن المدينة و عن أحداث عايشتها لا أهدف للإساءة للأشهاص الذيم ترد أسمائهم فيها بقدر ما أريد إغناء الذاكرة الجمعية للأجيال الجديدة التي ربما لم تحض بفرصة لسماع تلد الأحداث التي مرت عبر حقبة الخمسينات و الستينات من القرن المنصرم لذا أرجو أن لا أكون مسببا للإحراج بالنسبة للأبناء و العوائل ممن سترد أسمائهم في هذه الذكريات . تقبلوا فائق إحترامي .

(الأنسان اثمن رأس مال والانسان اخو الانسان)ما أحلى أن تدخل على صفحة صديق و أخ أكبر لتجد هذه العبارة تؤطر الصفحة ما أحلى ...
20/12/2024

(الأنسان اثمن رأس مال والانسان اخو الانسان)
ما أحلى أن تدخل على صفحة صديق و أخ أكبر لتجد هذه العبارة تؤطر الصفحة
ما أحلى أن يكون لديك صديق صدوق رغم فارق العمر الكبير بينكما , يعطر صفحتك بالتعليقات الجميلة و التي تغنيها أحيان كثيرة بما يختزن من أرشيف ذاكرته الواسعة الممتدة في أعماق تاريخ المدينة .
ترجل عن صهوة الحياة الفانية نافضا ً عن كتفيه تعب السنين الطوال التي قضاها بين ظهراني المدينة مفعمة بالحب و المرح الذي يوزعه على الناس ليمتطي الخلود مسافرا ً عبر الزمن نحو المستقر .
وداعا ً " أبا رافد "
وداعا ً " آخر رجال الموهيكانز "
وداعا ً " يا ملك الأخلاق الحميدة "

ثلاثة شموس أفلت من حياتي و من سماء المدينة .. ثلاثة نجوم تركت آثارا ً و علامات ساطعة في مسيرتي الحياتية أكسبتني الكثير ا...
17/12/2024

ثلاثة شموس أفلت من حياتي و من سماء المدينة ..
ثلاثة نجوم تركت آثارا ً و علامات ساطعة في مسيرتي الحياتية أكسبتني الكثير الكثير من محبة الناس أينما حللت و رحلت .
أسأل الله العلي القدير لهم الرحمة و المغفرة .. أساتذتي و مقومي أخلاقي المرحومين أكرم إبراهيم و توأم الروح غانم نوري و الشهيد المغدور أخي و رفيقي طالب عبد الحميد .
و أن يمن بالصحة و السلامة و العمر المديد على رابعهم صديق العمر الأخ محمد ناجي أبو هيمن .
أخترتها كفاتحة لعودة التواصل معكم أحبتي بعد الإنقطاع الخارج عن الإرادة .

كل شيء مصيره الزوال ... إلا ربي و صالح الأعمال رحل من كان خير ممثل ٍ لصالح الأعمال رحل من كان هو صالح الأعمال رحل من كان...
29/03/2024

كل شيء مصيره الزوال ... إلا ربي و صالح الأعمال
رحل من كان خير ممثل ٍ لصالح الأعمال
رحل من كان هو صالح الأعمال
رحل من كانت الأخلاق الحميدة تحسده
رحل من كان للتقى خير مثال
رحل صديقي و أخي و عضيدي
تاركا ورائه حب مجايليه و رفاق مسيرته و الذكر الحميد
رحمك الله أحمد يوم ولدت و يوم تبعث حيا
رحمك الله وليغفر لك و يسكنك فسيح جناته

هذا هو حال الدنيا يا أبا أحمد في كل يوم تذوي شمعة من شموع مدينة الرمان التي ادمت قلبها الكبير الأحداث المشوؤومة بما سلطت...
25/01/2024

هذا هو حال الدنيا يا أبا أحمد
في كل يوم تذوي شمعة من شموع مدينة الرمان التي ادمت قلبها الكبير الأحداث المشوؤومة بما سلطته عليها من ثعالب و ذئاب بشرية . تذوي تلك الشموع سواء هنا في بقايا المدينة أوفي بلدان الشتات .. و صارت أوراق شجرة الحور الكبيرة تتساقط صفراها و خضراها بسبب من شحة المياه و حزنها على غياب الفروع التي أنتجتها أثناء النمو .
تلك هي مدينتنا المحببة إلى النفس بما فيها من ذكريات جميلة يا أبا أحمد .. فهل يمكن إلا أن تحين ساعتنا أن ننسى .. قفشات طالب النجار الإنسان بكل معنى الكلمة .. أم تسليات أخي و أخيك أحمد لكل الناس .. كلا .. لم يغيب الموت روحيهما اللتين ما زالتا تنظران بحنو من الأعالي السحيقة نحو قلب المدينة النابض .. و ها أنت اليوم تحل ضيفا ً عليهما بكل ما حملت من زاد لرحلة الخلود .. الطيبة .. الحنان .. الأخلاق الحميدة .. حبك المهيمن على الروح لزملائك و أنتم تضعون اللبنات الأولى لفرقة مسرحية في البلدة التي ما كانت معتادة على ذلك .. ما الذي يمكنني أن أنساه لك و لأخويك و للوالد المرحوم من ذكريات .. ستبقى حيا ً في ضميري مادام هناك شهيق و زفير يتصاعد في صدري .. ولن أنسى أبدا ً مواقفك معي أو مع العائلة ككل فأنت نعم الأخ و القريب و الصديق .
إرقد بسلام يا من فجعتنا بالغياب المبكر
لروحك الرحمة و لعائلتك الصبر على المصاب إن شاء الله

" كان جدي يُشَبّه الحياة بالقطار .. عرباته مليئة بالناس و البضائع .. و كان يُشَبّهها بالغيوم المجتمعة .. الغيوم المليئة ...
03/01/2024

" كان جدي يُشَبّه الحياة بالقطار .. عرباته مليئة بالناس و البضائع .. و كان يُشَبّهها بالغيوم المجتمعة .. الغيوم المليئة بالأمطار .. و كان أحيانا ً يُشَبّهها بالعصافير .. بالعصافير التي تتجول من مكان ٍ لآخر و تشعُرُ بعبء الغربة ِ و الشوق .
فهمت ُ بعدها أن الحياة مليئة بالأعباء .. و الحياة أساسا ً موجودة للتحمل .. نحن نحمل الزمن على أكتافنا .. و نحمل الذكريات .. المشاعر .. الحب .. و الأهم ُ من هذا نحمل الألم .. و لربما أن الألم هو أصعب عبء نتحمله .. كل من يموت .. و كل من يذهب يتسبب بألم بداخلنا .. يتسبب بجروح ٍ لا تشفى .. و كلما كبر هذا الألم بداخلنا يتحول إلى خوف .
الوجوه التي جلسنا معها بالأمس و عملنا و مشينا و ضحكنا و أستمتعنا معها .. و أن تعرف أن أحدهم سيذهب يوما ً ما .. و أن تعرف بأنه ما عاد على قيد الحياة .. تفهم ساعتها أن الإنسان لا يخاف من الموت .. ربما الموت هو ذهابه بجانب من يحب .. و ربما هو كعودتهم من الضيافة .. و ربما هو اللقاء بمن يحبون .. لكن الخسارة هي أكبرخوف لدى الإنسان .. فهي الأكثر ألما ً . "
في مصاب كهذا .. خانتني الكلمات فاستعرت هذه النصوص المعبرة من مقدمة إحدى حلقات مسلسل ٍ أتابعه منذ سنوات .. فيصرخ الخوف في داخلي .. لماذا ؟ .. لماذ الغربة و الفراق .. و لماذا يموت أخوتك و أصدقائك و رفاقك في الغربة .. و أكثر الأحيان وحيدين .. لماذا ؟
بعد أن فجعت قبل سنوات بأخي و صديقي و رفيقي وليد سلمان .. الذي منحني القدر فرصة لقائه بعد غربة طويلة في فرنسا أثناء زيارته للمدينة قبل أعوام .. يكتب علينا القدر أن نفجع بأخيه الأكبر د. خالد سلمان المختص بالفيزياء الذي حرمنا القدر من تلك الفرصة منذ سبعينات القرن الماضي .
أتقدم لأخوتي فؤاد و أياد و عماد و ماجد بخالص التعازي مؤكدا ً بأنني أشاطرهم الحزن و ألعن الظروف التي أجبرتنا على التغرب داخل أسوار الوطن و التي أجبرت أبناء بلادنا على التغرب خارجها مهما كانت أسبابها و نتائجها .
الرحمة و الغفران لروح الفقيد و الصبر على ألم المصاب للعائلة الكريمة .

صباح الخير يا  شهربان حديثنا اليوم عن شخصية محبوبة من أجيال مختلفة . مجيد جبيرة بواكير العام 1967 كانت بدايات المعرفة .....
08/10/2023

صباح الخير يا شهربان
حديثنا اليوم عن شخصية محبوبة من أجيال مختلفة .

مجيد جبيرة
بواكير العام 1967 كانت بدايات المعرفة ....
المرحوم " مجيد رشيد يحيى " الشهير بـ " مجيد جبيرة " تعرفت عليه عن طريق الأخ مروان عبد الرزاق و أخيه غسان و وليد مجيد والمرحوم وداد طلعت , و صار رغم فارق العمر الكبير بيننا و بينه صديقا ً لا يمل و أخ أكبر تفتقده إذا غاب عنك ساعات , عمل " مجيد " في تلك الفترة " جايجي " في مقهى " لطيف خلف المطلك " الواقعة في الساحة المعروفة بساحة المصرف و التي يتفرع منها طريق محطة القطار و " إمام سافر " , وكان مقابل المقهى محل لشخص يبيع المواد الكمالية و القرطاسية , وكنا على أيامها في فورة الشباب و نتخذ من المقهى ملتقى لنا , نلعب " الدومينو " و " طاولة النرد " و تدور أحاديثنا فيما بين اللعب حول الوضع السياسي في البلاد .
كانت تلك الأيام قد شهدت عودة حزب البعث للحكم إثر إنقلاب 17 تموز 1968 و كنا على عهدها قد أنتمينا إلى الحزب الشيوعي العراقي – القيادة المركزية , و حتما ً كانت بعض الأحاديث تخوض في تدوير الشأن السياسي حول الكيفية التي عاد بها البعثيين إلى السلطة و مالذي سيجري بعدئذٍ ؟
مرة من المرات و على ما يبدو فإن الرجل صاحب المحل المقابل للمقهى كان جالسا ً قريبا ً منا يشرب الشاي و كان ينصت لحديثنا , وبعد خروجه من المقهى ذاهبا ً إلى محله , تبعه " مجيد " بعد قرابة الربع ساعة ليشتري منه ورقة رسالة و ظرف ثم قدم نحوي ليجذبني بعيدا ً عن أصدقائي و بعيدا ً عن أنظار صاحب المحل ثم قدم الورقة و الظرف إلي :
- لمن تريد أن أكتب لك الرسالة يا مجيد ؟
ما قاله ساعتها أضحكني كثيرا ً و في نفس الوقت جعلني أعتز به أكثر .
- لوالدي المتوفي قبل 20 عام ... لمن أيها الغبي ؟ إنظر إلى الورقة جيدا ً و إقرأ ظلال الكلمات الواردة فيها من أثر الكتابة بالقلم الجاف .
تمعنت بالورقة جيدا ً فإذا بها تقرير مرفوع لضابط أمن المقدادية حول حديثنا العفوي عن الوضع السياسي لكن كاتبه أضاف عليه " ملحا ً و بهارا ً " و صوره للضابط على أنه إجتماع حزبي بعد أن درج أسمائنا واحدا ً واحدا ً حتى أولئك الذين ليس لهم علاقة بالقيادة المركزية للحزب الشيوعي .
- ولكن يا " مجيد " كيف واتتك هذه الفكرة العبقرية , و من هو هذا الشخص ؟
- هذا الشخص أعرفه جيدا ً كوكيل أمن هذا أولا ً , و ثانيا لاحظته بعد أن خرج من المقهى إنه أخرج دفتر ورق الرسائل و أخذ يكتب بالقلم الجاف دون أن ينتزع الورقة منه , فتوقعت أن القلم سيترك أثرا ً في الورقة التي تليها .. هههههههههههه أليس أخاك بعبقري ؟
- و الله أنت فلتة زمانك , و حتى أنا لو كنت مكانك لما واتتني هذه الفكرة .
شكرته كثيرا ً و عدت إلى أصدقائي الذين تسائلوا عن الرسالة و لمن يريد " مجيد " إرسالها ؟ قلت إنها لأخيه الذي يخدم العسكرية حاليا ً في الموصل . و بعد أن أنهينا اللعب و عاد كل منا في طريقه إلى البيت على أمل اللقاء مساء ً , للسهر مع السيدة " أم كلثوم " التي كنا و ما زلت أنا أعشق كل أغانيها و زيارة العم " يوسف عتيشا – أبو نبيل " في محله للتسوق لمتطلبات السهرة من " عرق مسيح و عصرية و بيرة فريدة و لاكر " .
كان المرحوم " مجيد " كما أسلفت أكبر منا بفارق زمني و كان أيضا ً يعشق السيدة و أغانيها , و كان هو من يتولى جلب الطلبات أثناء جلسات السمر الليلية و يهيء المسجل و الأشرطة , ذات مرة أقترح أحدنا أن لا نذهب خارج المدينة , بل هناك إمكانية للذهاب إلى الحي العصري و الجلوس في هيكل الدار غير المكتمل العائد لأخ له من أبيه و كان هذا الهيكل منزويا ً بعيدا ً عن البيوت المكتملة , و كان " مجيد " يعرف بأني أحب الإستماع في قمة النشوة للسيدة و هي تشدو " جددت حبك ليه " و من ثم المقطع الرهيب " إن مر عالخاطر ذكراه ... تنزل من الوجد دموعي " فيحتفظ لي بربع عرق مسيح سادة لأتناوله مع المقطع .
في كل الليالي التي كنا نسهر فيها في الهيكل المنزوي كان " مجيد " يجلب معه حوضا ً بلاستيكيا ً يخلط فيه كل العرق مع كل البيرة و الثلج و يستعمل مغرفة ستيل ليملآ الأقداح و مع صوت السيدة الصداح تبدأ الليالي الملاح و يستمر السهر تقريبا ً حتى الساعات الأولى من الصباح يستذكر فيها كل " متسلطن " معشوقته و تبدأ الذكريات بالمرور أمام النواظر كالغمام في كبد السماء .
ذات ليلة , تفتحت قريحته و أخذ يسرد لي ذكرياته مع الجيل الذي " خرجه " قبلنا كما تحلو له التسمية و أخذ يحدد لي أسمائهم و كلهم من معارفنا و أقربائنا فقال :
- أتعرف ماهي ميزتهم عنكم ؟
- كلا مع الأسف .
- إنهم كانوا يحبون المشي في شارع المحطة وصولا ً إلى مرقد " إمام مسافر " بعد تناول المشروب أيام الربيع و الأمطار الخفيفة حيث رائحة القداح الرهيبة تملأ الجو بعبيرها .
- أها !! و ماذا بعد ؟
- إنهم كانوا على عكسكم يتلذذون بأكل " الباجة " بعد المشروب .
- تمام أعرف الكثير من أبناء جيلي أيضا ً يحبونها بعد المشروب .
- ولكن ليس كحالكم هذه الأيام , فيومها لم تكن هناك مطاعم للباجة في مدينتنا و كان من يشتهيها يتناولها في البيت مع أهله .
- أكيد .
- ولكن الشباب كانوا يريدون تناولها و كأنهم في سفرة ربيعية , فأقترح أحدهم أن يكون شرائها تساهميا ً كما هو حالنا اليوم مع المشروب , فأنت تلاحظ بأن كل واحد منكم له طلبه الخاص لكني عند البدء أخلط المشروب كله في الحوض البلاستيكي و أبدأ في التوزيع حسب مبدأ المساواة و التشارك .
- أي , و ماذا حصل بعدها ..؟
- إقترح المرحوم " أسامة " أن يجمعوا النقود و يعطوها لي لأقوم بالشراء و طبخها في بيتنا من قبل شقيقاتي و بعد إكمال المشروب تذهب لبيتنا لتناول العشاء .
- جميل جدا ً هذه الروح الأصيلة لأبناء بلدتنا .
- إستمع للأخير وبدون مجاملات من هذا النوع . أنت تدري على أيامها كانت الكهرباء تجهز للمدينة من المشروع الكائن على طريق " جزيرة " و قرب " الشاخة " و يديره المرحوم " رفعت الكمالي – والد آيدن " و كانت من النوع الواطئ الفولتية " 110 " و لم تكن كل البيوت في المدينة تمتلك عدادات بسبب من إرتفاع كلفة التجهيز و من ضمن تلك البيوت كان بيتنا .
- عذرا على المقاطعة .. أذكر ذلك جيدا ً فقد كانت العوائل الميسورة فقط تنير بيوتها بالكهرباء و باقي الناس بألـ " فانوس " أو " اللالة " أو بطل النفط و الفتيلة و التمرة كغطاء للبطل ... !!!!
- أها ...!! جيد أنك تتذكر ذلك .. أستلمت النقود منهم و كان مبلغا ً لا بأس به ... و في الليل بعد المشروب توجهنا إلى بيتنا لأكل الباجة .. وضعت فانوسين في الغرفة الكبيرة .. و كان ضوئهما خافتا بعض الشيء .. و جلس الشباب على الأرض يأكلون الثريد و فوقه الباجة .
" و أبتدأت الإعتراضات تأتي من هنا و هناك :
أسامة – لك ها شنو مجيد هاي بعدها ما مستوية .. شنو هاي مال كبش جبير
- لا و الله عيني هاي " إعلي القصاب " جان ابح خروف هرفي و جبت الباجة مالته .
أسامة – لك دعلي الضوه مال الفانوس أشوية خل أنشوف .. أشو هاي بس أتجرجر و لحمتهه م اتنكع .. لك حتى اللسان
ما مستوي زين .
- صار عيني خل أعلي الضوه مال الفوانيس حتى تاكلون زين " .
- و تعرف ورة ما عليت الضوه طفرت أريد أنهزم و جان يلزموني أثنين منهم عد باب الغرفة , و عينك ما تشوف إلا النور , كتل اللي أكلته بس الله يدري بيه شنو .
- ليش عيني " مجيد " شنو السبب , أخاف جنت مسوي بيهم مقلب .
- و الله ما تسولف .. بس مقلب يعجبك .
- لا بشرفك إشجنت مسويلهم بمكان الباجة .
- تعذرني ما أكدر أكلك .
لكن في نهاية الأمر هو أخبرني بما صنع معهم , و أنا أيضا ً تعذرون لأني لا أستطسع ذكره , لكنه مقلب و حركة لم يفكر حتى إبليس في صنعها .
و أذكر مرة من المرات أقترح علينا الخروج من الهيكل بعد الشرب , ورغم برودة الجو في شباط من كل عام , و الهاب إلى شارع المحطة و الإستماع إلى السيدة " أم كلثوم " هناك , و كان الجو مطيرا ً يومها لكن المطر توقف قبل خروجنا , و نحن نسير و نستمع إلى " دليلي إحتار " و عند وصولنا قرب مرقد " إمام مسافر " , سمعت صوته و هو يستنجد بنا إذ كنا نسير في المقدمة و هو و أثنين من الأصدقاء في الخلف , تقريبا ً تفصلنا عنهم مسافة عشرة أمتار , و عندما إلتفتنا إليه لنرى ما به , رأيناه محمولا ُ من ذراعيه من قبل أحدهما و من قدميه من قبل الآخر و هما يهزانه يمينا ً و يسارا في حركة كنا نسميها " طوط حية " و هو يتوسل إليهما :
- لكم لا عيني فدوة تره المي بارد و الله .
- لا يمعودين تره ينشل و يموت و الله . .....!!!!!
لم ينفع صراخنا و هرولتنا نحوهم إذ كان صوت إرتطام جسمه في قاع الساقية قد وصلنا قبل وصولنا لإنقاذه . و عندما سألناهما عن السبب إنفجرا ضاحكين ... :
- أراد أن يعمل معنا ً مقلبا ً لكننا أستبقنا الأمر فعاقبناه على ما أراد فعله , ثم لا عليكم فهو يرتاح لما حصل له .
وقف يرتجف من البرد و هو محاولا ً عصر ملابسه و ينفض الماء عن شعر رأسه بحركة مسرحية و هو مبتسم قائلا ً :
- لا يا كلاب , ما كلتوا أخونا و أكبر منا , لك ليش هيج سويتوا ؟
- تسكت لو أحجي أشلون صارت السالفة .
- لا ... لا .. ماكو داعي , لعد خلونه نرجع حتى على الأقل أبدل هدومي .
ذات يوم كان شقيق له صيدلي قد رام الزواج , و أستأجر بيتا ً في " قرية سلامة " و كانت العادة أن يذهب العرسان من المثقفين في شهر العسل " ثلاثة أيام " إما إلى الموصل أو البصرة , و أختار شقيقه البصرة , و كان البيت مؤثث بالكامل و مخصص لأستقبالهما عند عودتهما , و قد ترك مفتاح البيت لدى " مجيد " .
- إسمعوا لكم اليوم ماكو هيكل و ما أدري شنو .. أكو بيت مأثث و فراش هوايه .. نسكر و نتونس و ننام و نطلع الصبح غبشه حتى الجيران لا يحسون بينه .
أخنا نتبادل النظرات فيما بيننا وحصلت الموافقة فورا ً , وسرعان ما أخذ يجمع النقود من كل واحد حسب طلبه من المشروب ليذهب إلى العم " يوسف عتيشه " و يتسوق لنا . بالنسبة لي بقيت مشكلة المبيت فأنا أعرف أن والدي لن يوافق و لكن لا بد من تدبير حيلة ما .
تسللنا كاللصوص إلى البيت .. هههههه , و أخذ " مجيد " يدور علينا بطلباتنا و أبتدأنا نشرب منذ الساعة السابعة مساء ً و نستمع للأغاني المتنوعة لأم كلثوم , لم تكد الساعة الحادية عشرة تأزف إلا و كنت قد أنتهيت من ربع العرق الثاني , بالمناسبة كان سعر الربع على أيامها 300 فلسا ً , و كنت بحاجة للإستمرار في الشرب و كذلك بقية الشلة , لكن " أبو نبيل " كان قد أغلق دكانته في ساعتها , و إذا به " مجيد " يعلنها مدوية :
- من يريد المزيد فأنا أبيع له , و ليكن في علمكم فإن الربع سعره 600 فلسا ًو لا أقبل حتى و لو بفلس أقل , و الما يريد يضرب راسه بالحايط .
و بصوت واحد صاحت الشلة :
- و لك أنت مجرم , بس يله إذا كان شغله يم هاك اللي ببالنا سميه حجي .
أستأذنت أنا و أخذت الدراجة الهوائية قائلا ً :
- لقد وجدت ما سأقنع أهلي به و أعود في دقائق إنتظروني !!!!
دقائق و كنت في البيت , لم أجد أبي لأنه كان لا يزال في محل الخياطة , ودار بين و بين الوالدة الحديث التالي :
- هلو يوم .. شنو أبويه ليهسه ما رجع ؟
- لا و الله بعده بالمحل . شغل عنده هوايه مطلوب .
- زين يوم عفيه إذا أجه كوليله , آني معزوم بعرس مال صديقي بالمنصورية و يمكن راح نبات هناك الليلة كلنه .
- زين يمه , بس دير بالك على نفسك .
- مع السلامة يوم .
دقائق و كنت عائدا ً لتستمر الحفلة حتى ساعة متأخرة من الليل عندما خلدنا إلى النوم لساعة أو ساعتين ليوقظنا " مجيد " و يعمل على إخراجنا من البيت على شكل دفعات و يتبعنا هو مع آخر دفعة حاملا ً سلة كبيرة معلومة من أغصان شجرة الرمان و وضع عليها غطاء من القماش .
- ماهذا يا " مجيد " ؟
- هههههههههههههههه , الناس سيتصورون أننا جئنا بهدية للعريس و العروسة , لك هاي العزة و السخام مالتكم البطالة الفارغة , راح أخليهن بالشارع و يجون ناس عالكدر عبالهم بيهه كلال مال شكر .. ههههههه .
و فعلا ً وضعها على حافة الطريق المؤدي إلى خارج المدينة بإتجاه " خانقين " . فاتني أن أذكر أن " مجيد " قبل تلك الأيام التي كان يعمل فيها في المقهى المقابل لدكانة وكيل الأمن , كان قد أشتغل في مقهى المرحوم " كريم كله " عند تخوم الحي العصري لفترة قبل أن تتوطد علاقتنا به , وقد حدثت نوادر على أيامها , كانت مقهى الحاج " كريم " محطة إستراحة للباصات الإيرانية التي تقل الزوار من إيران إلى المراقد المقدسة في كل من النجف و كربلاء و الكاظمية و سامراء و كان المقر الرئيس لمكاتبها في مدينة الكاظمية ... و عندما تنطلق من هناك في الصباح قاصدة العودة لبلادها كانت تتوقف عند المقهى ليتناول الزوار طعام الغداء .. و بالعكس فالقادمون يتوقفون لتناول الفطور الصباحي هناك , و كانت التوصية من قبل الشركات التي أذكر من أشهرها " تي بي تي " و " ميهن تور " للسواقين بالتوقف هناك و هذا له سبب في الثقة و الأمان لأن الحاج " كريم " يعتبر من ذوي الأصول الإيرانية و على ما أتذكره فهو على الأغلب كان ينحدر من " كرمنشاه " لكن أجداده نزحوا إلى العراق منذ زمن بعيد .
الإيرانيون يحبون الشاي المطبوخ على طريقتنا , و كان " مجيد " مرتاحا ً معهم , لكن النادرة التي أتذكرها و كأنها حصلت يوم أمس رغم هذا الكم من السنين التي مرت , هي قدوم الأخوة السعوديين الشيعة من الإحساء في أرتال من الباصات متوجهين لزيارة قم و مشهد , و كانت على أيامها العلاقات بين كل من العراق و السعودية و إيران " دهن و دبس " كما يقول أهلنا في أمثالهم , و كان هؤلاء بعد إنهاء الطعام يطلبون الشاي , و عندما يقدمه لهم يبدأون بالولولة :
- ول ول ول .. يبه هاذ شنهي .. هاذ سم ماهو شاي.
- شنو سم .. شنو ما عاجبكم .. أشلون تحبوه ؟
- كُب نصو وخلي عليه ماي .
و لأربعة مرات متتالية يقدم الشاي لهم و هم يرفضونه و يطالبون بتخفيفه , عندها ضحك " مجيد " كثيرا ً عندما أخذ لهم فأستقبلوه و هم فرحين :
- أيه يا الله هداك .. هاذ الشاي .
وضع " مجيد " قليلا ً من الشاي الجاف في المصفاة المعلقة قرب السماور .. و أخذ يصب الماء الحار عليه ويملأ الإستكانات و يأخذها لهم ... و أنتقل من حالي الضجر و الوصول لحد الكفر إلى حالة الإنشراح و هو يراهم جذلين في شرب الشاي الذي كما يسميه هو " جاي العروس " .
و في تلك الأيام التي سبقت سكرتنا في بيت العريس كان " مجيد " يعمل في المقهى المفرزة من بناية سينما شهربان الصيفي العائدة للمرحوم " على يزلي " و مفرز من المقهى الواسعة محل صغير أتخذه " مجيد " مطعما ً للمشويات يكون معظم وقت العمل فيه في المساء .
عند خروجنا من البيت و توجهنا نحو المدينة كان المقترح الذي وافق عليه الجميع أن نذهب إلى مطعم " يحيى – أبو زكي " الكائن على طريق " المقام " لتناول الفطور و الذي سيكون عبارة عن كباب و تكه , بعد الإنتهاء من الفطور تفرقنا كل لحال سبيله على أمل اللقاء مساء ً و الإستعداد لسهرة جديدة .
و أنا متوجه إلى البيت ألتقيت شلة من الأصدقاء " بالمناسبة كان اليوم الأول من أيام عيد الفطر " الذين فرقت بيننا الأيام و أقترحوا أن نذهب إلى نادي المعلمين لشرب شيء ما , عندما وصلنا هناك كان الجميع نيام رغم أن الساعة تجاوزت العاشرة صباحا ً , أيقظهم السيد " نجيب " و وجههم لخدمتنا , بعد شرب الربع الثاني و بطل بيرة .. شعرت بالإكتفاء و قليل من الدوار و أستأذنت لدفع الحساب و نهضنا نروم العودة إلى بيوتنا .
و هنا أنتهى كل شيء بالنسبة لي إذ لم أعد أتذكر شيئا ً , حتى العصر و قرابة الرابعة و النصف أحسست بنسيم لطيف يتحرك حولي يمينا ً و يسارا ً , فتحت عيناي بصعوبة لأجد نفسي ممددا ً على الأرض فوق حصير من تلك التي توضع على مصاطب الجلوس " الكرويتات " في المقاهي و وسادة خفيفة تحت رأسي و يد ٌ تمسح على جبيني بقطعة قماش مبللة بالماء و إذا به " مجيد " .
- ما هذا يا " مجيد " أين أنا ؟
- أنت هنا في المحل .
- مالذي حصل ؟
- لا أدري لقد جاء بك فلان و فلان و أنت تقريبا ً فاقد الوعي فطلبت منهما أن يدخلاك المحل و أنت نائم هنا منذ قرابة 4 ساعات و أنا وضعت المروحة قرب رأسك و عملت لك الكمادات .
- وأين ذهبا ؟
- إنهما في المقهى ينتظرانك أن تصحو بعض الشيء .
ما أن نهضت من رقدتي إلا و كان الدوار قد أعاد الكرة , فما كان من " مجيد " إلا أن ينادي على أخي و صديقي و رفيقي المرحوم " وليد سلمان جاسم " الي حضر مهرولا ً و أمسك بي قائلا ً :
- ما هذا الذي أنت تفعله بنفسك ؟ هل جننت ؟
- و الله تقريبا ً وصلت الحافة ... هههههههههه
- هيا معي .
- إلى أين ؟
- إلى المستشفى .
و المستشفى لا تبعد إلا خطوات , و ما أنا داخل أترنح حتى سمعت قهقهة عالية من صوت نسائي , كانت ممرضة مسيحية إنسانة بكل معنى الكلمة و تعرفني :
- هلا .. هلا بالأسد ... جاي يتمايل .. سكران اليوم من الصبح ..
- تسكتين و إلا فأنت تعلمين قبل غيرك بوساخة لساني .. هههههههه
- لا ولك إنجب .. إسكت و أكعد هنا على الكرسي بين ما أحضرلك بيك " كسر خمارية " حتى تصحى .
جاءت بقدح مملؤء بسائل أبيض اللون شبيه بالخمر المخلوط بالماء و قالت :
- تعال هنا قرب المغسلة .. أخاف أيصير شيء .. لا سامح الله .. تتقيأ .
ما أن تناولت محتويات القدح حتى أستفرغت كل ما في معدتي في المغسلة , و هي واقفة جنبي تساعدني في غسل وجهي و ناولتني المنشفة , ثم طلبت مني أن أستلقي على سرير الفحص ثم فتحت زر كم القميص و رفعته لتزرقني بإبرة و هو تقول :
- إذا تريد تموت سويهه مرة ثانية و أنا سأساعدك على الموت ... هههههههههههه
و دعناها شاكرين و عدنا إلى حيث " مجيد " و المقهى , طلب مني المرحوم " وليد " أن أجلس في المقهى و أتناول شيئا ً من المشويات ريثما يذهب هو إلى بيتنا ليجلب شنطة ملابسي و من هناك إلى كراج بغداد . قدم لي " مجيد " اللحم المشوي " التكه " وقدح شاي كبير , و هو يقول :
- شنو السالفه أستادي .. البارحة إحنا مطوخين و رايحين زايد , أشوازاك اليوم ورة الريوك و هم أشربت .
- و الله " مجيد " أستحيت من الولد من زمان نا شايفهم و همه يخدمون بالبصرة و كالوا أنروح للنادي و صار اللي صار .
- أستادي الله أيخليك بعد لا أتسويهه .
- وعد مني إلك " مجودي " الورد .
جاء المرحوم " وليد " بالشنطة وعندما سألته مالذي قدمه كتبرير لوالدي قال :
- قلت له أن أولاد خالتك قد جائوا من بغداد في سفرة جماعية مع أبناء منطقتهم إلى الصدور و أخذوه معهم و أنا سأنتظرهم في المقهى حتى نعود معهم إلى بغداد فأقتنع .
اللطيف هنا , أني عندما سافرنا إلى بغداد في المارسيدس 18 راكب أنا و " وليد " لم أنتبه إلى حالي طيلة الطريق , و عندما نزلت في رأس الشارع المؤدي إلى بيت خالة أبي قرب الجامعة المستنصرية , كان ابناء المنطقة و معهم أبناء خالة أبي كلهم مستعدين للذهاب إلى أحد المنتزهات في بغداد , و أستقبلوني من بعيد ما بين مبتسم و ضاحك , وعندما سألتهم عن سبب ضحكهم غير المبرر , قالوا بصوت واحد :
- شوف حالك ؟
- أشبيه حالي ...
- شوف ردان قميصك .
و عندما نظرت إلى يدي اليمنى فإذا القميص ما زال مرفوعا ً إلى موضع زرق الإبرة ضحكت معهم .
آخر مرة رأيت " مجيد " فيها بعد سنين طوال و في زيارة نادرة للمدينة عندما كان يعمل في مطعم المرحوم " وهاب بشير " وقفت أمام بوابة المطعم و أنا أنظر إليه , لم يعرني إهتماما ً في البداية , لكنه عندما أمعن النظر من وراء الزجاج , خرج متهللا ً و هو يقول :
- إستادي لك وين أنت هالمدة كلهه .. آني عبالي بالخارج .
- أنت عرفتني زين " مجيد " منو آني ؟
كان رغم تقدم العمر و توقعاتي الخاطئة بأنه لن يتوصل لتذكري قد أحتضنني و هو يقول :
- كيف لي أن أنساك , أنت أستادي و إبن أستادي .
وعدته بأن أزوره كلما تسنح الفرصة و لكن القدر كان الأسبق في ذهابه للعالم الآخر ... عالم الفناء الأبدي .
رحم الله " مجيدا ً " و غفر له ما تقدم و تأخر من ذنبه ... فقد كان إنسانا ً بمعنى الكلمة .

Address

Shahraban
00964

Telephone

07702942038

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when Shahraban - Downtown posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Share