24/06/2026
رغم قساوة الظروف و المناخ السياسي في البلد و رغم الإضطرار للمشاركة في الحرب العبثية بين البلدين الجاريين طيلة سبعة سنوات و نصف تقريبا ً و ما رافقها من أهوال تشيب لهاالولدان لم تغب أبدا ً عن بالي المتعب بثقل السنين صورة مدينتي الجميلة في منتصف خمسينات وطيلة عقد الستينات من القرن المنصرم , فهي كانت لا تزال يومذاك مدينة بكر كشابة في العشرينات من عمرها تتغنج دلالا ً بما يلفها لا بل تمتد جدرانها بين بيوتاتها و أزقتها من بساتين عامرة بباسقات النخيل التي تعيش في ظلالها مختلف الإصناف من أشجار الفاكهة وبالأخص الحمضيات , و من فاز بقلبها ذلك النهير الذي أصرت سهام حبه على أختراقه بإلتواءات حادة تشبه إلتوائات الثعبان التي يترك آثارها على الأرض عند مسيره و إنتقاله من هذا الموقع إلى ذاك , و بما يحيطها من قرى قريبة تمتد بشكل دائري ترفد المدينة وسوقها بكل ما تحتاجه من خضار و حيوانات داجنة و أيدي عاملة .
في مدينتي الجميلة يومذاك لم تكن هناك بنى تحتية بحكم رزوحها الطويل تحت إحتلال عثماني متخلف دام قرابة أربعة قرون أردف يإحتلال بريطاني دام عقدين من الزمن قبل أن يشكل بناء على رؤيته الخاصة للدولة ما سمي في حينه المملكة العراقية في العام 1925 و التي بدورها لم تقدم خدمات عامة للناس سواء في العاصمة أو الألوية و أقضيتها و من هذه الأقضية مدينتي التي رفعت من مستوى ناحية الذي أسست بموجبه سنة 1920 إلى قضاء بموجب إرادة ملكية في العام 1950 , و التي كما يبدو أن ثمة محاولات لإنشاء هذه البنى في أواسط و نهاية العقد الرابع من القرن . حيث في بداية تشكل الوعي لدي أواسط عقد الخمسينات رصدت وجود مشروع للماء و الكهرباء وفق النظام البريطاني الواطئ الفولتية ( 110 واط ) و ماكنة طحن الحبوب يقال أنها كانت تعود لمستثمر بريطاني و آلت بالنتيجة إلى أحد أبناء المدينة .
تحت ظروف كهذه كانت الإمور تسير وفق مهن يأنف بعض أبناء البلدة العمل فيها و من هذه المهن ذات وجهين يقوم بها شخص واحد , هي مهنة ( السقا ) و هذا ينقل الماء من النهر إلى البيوت البعيدة عنه بواسطة قطعة من جذع شجرة يضعها على كتفه يعلق على جانبيها صفيحتين من اللاتي كان يباع بها الدهن النباتي سعة 16 كغم يملأهما بالماء , و الوجه الأخر لهذه المهنة هو ( النزاح ) و أعني بها تنظيف خزانات المياه الثقيلة ( البالوعة ) عندما تمتلأ بها و ذلك يتم بنفس الألية التي ينقل بها الماء إلى البيوت التي أختفت بفضل المشروع أنف الذكر و شبكة الأنابيب الناقلة للبيوت .
في صلب هذه المهنة في مدينتي يبرز أسم إنسان بكل ما تعنيه الكلمة , إنسان وديع و طيب خلق لم تسمع له صوتا ً في خلاف أو شجار , إنسان كشف عن قابليات و قدرات قد لا تجتمع في شخص واحد .
إنسان جايلته و عشت مع ذكريات جميلة عنه و لا أزال حتى يومنا هذا لكني مع الأسف الشديد لم أتمكن من الحصول على معلومات حول منشأه و عائلته حتى أنير بها هذه الذكريات , حتى صوره لولا الأخ العزيز محمد الكندي وصورة جماعية من الأرشيف أيام خمسينات القرن الماضي وقيامه مشكورا ً بفصلها و تعديلها بالذكاء الإصطناعي , و هذه دعوة لكل الإخوة المتابعين الذي يمتلكون صورة له لتزويدنا بها مشكورين سلفا ً .
أتحدث عن كادح عاش وحيدا ً و مات وحيدا ً , قدراته التي ذكرتها , إجتمعت في مواهب عدة تراوحت بين العزف و الغناء بذلك الصوت الرخيم الممتلئ بنبرات الحزن , تنوع عزفه على كل ما كان متوفرا ً يومها من الألات التي تعتبر جزءاً من تراث خالد أمتد عبر الزمن في أرض الرافدين , أجاد العزف على الناي المصنوع من القصب مفردا ً و مزدوجا ً ما سمي بالـ ( مطبك ) و كذلك على الربابة لكن علامته الفارقة كان (الطبل ) الذي يلازمه في ليال ِ رمضان و هو يقوم بدور ( المسحراتي ) و صبيحة أول أيام العيد و هو يلف محلات المدينة لجمع إكراميته و باقي أيامه ( العيد ) يقضيها في أماكن التجمع ( الفرجات ) فتجده في مرقد ( الإمام المسافر ) يوما ً و الأخر في مرقد ( المقداد ) و الثالث في مرقد ( الإمام طالب ) يدق على طبله و يغني إهزوجات تلهب الحماس في الشباب القادم من القرى ليشعل بها حلقات الدبكة العربية بينما تتجمع حولها حلقات الشابات يصفقن و يغنين أهازيج مرجة علقت أحداهن بذهني منذ ذلك الزمن الجميل ( أبوعكال لا تنقهر ... تره الأفندي كاله ) ليغيضن بها شباب المدينة .
ذلك ( الطبل ) الذي أصبح وسيلة إعلام و إعلان بإدارته يوم لم تكن هذه الوسائل متوفرة , فقد كان يلف المدينة بإحدى عربات الخيل مع أحد الشباب الذي يرفع صورة إعلان للفيلم ( أفيش ) كما يسميه الأخوة المصريين الذي سيعلن عن التغيير الإسبوعي للفيلم المعروض في السينما الصيفي الوحيدة العاملة في المدينة المملوكة للمرحوم ( علي يزلي ) :
( هاليوم بدلنا الفيلم ... ثم يذكر إسم الفيلم الجديد ) بصوته العذب و طبعا يكون أجره و أجر الشاب و العربة مدفوع من قبل إدارة السينما ( المرحوم أيوب العزاوي ثم المرحوم محمود نصرت بعد وفاة الأول ) .
كل هذه المواهب أجتمعت مع مهنته التي أشتهر بها ( السقا ) و التي رادفتها مهنة ( النزاح ) التي عندما كنت شخصيا ً أستفهمه عن كيفية الجمع بينهما أيام زمان ( لأن مهنة السقاية تقريبا ً إنتهت مع بدء مشروع الماء بالعمل ) لما في الخلط بينهما من محاذير صحية :
" الماء يغسل و يطهر الميت و الحي , بعد الإنتهاء من النزاحة أأخذ ملابسي النظيفة و أذهب إلى الشاخة تحت قنطرة الإنكليز و أتعلى هناك "
عاش ( علي السقا ) و مات ( على حد علمي ) في ذلك المنزل الذي واجهته عبارة عن باب خشبية و ممر أشبه بزقاق صغير ثم الغرفة و كان المنزل ملاصق لبيت المرحوم ( عبد الخالق والد أحمد ) .
الشكر موصول للأخ أبو سجاد بخصوص الصورة و للأخ حازم نوري للتذكير بعزف الربابة و الغناء بحضوره و الأخ يوسف عطا في ذلك المنزل .
و الشكر مقدما ً لكل من يمتلك معلومات عنه أو صورا ً أقضل يغني بها موضوعتنا .