Shahraban - Downtown

Shahraban - Downtown هذه الصفحة للتعريف بأبناء شهربان و ساكنيها ممن لم يحضو?

رغم قساوة الظروف و المناخ السياسي في البلد و رغم الإضطرار للمشاركة في الحرب العبثية بين البلدين الجاريين طيلة سبعة سنوات...
24/06/2026

رغم قساوة الظروف و المناخ السياسي في البلد و رغم الإضطرار للمشاركة في الحرب العبثية بين البلدين الجاريين طيلة سبعة سنوات و نصف تقريبا ً و ما رافقها من أهوال تشيب لهاالولدان لم تغب أبدا ً عن بالي المتعب بثقل السنين صورة مدينتي الجميلة في منتصف خمسينات وطيلة عقد الستينات من القرن المنصرم , فهي كانت لا تزال يومذاك مدينة بكر كشابة في العشرينات من عمرها تتغنج دلالا ً بما يلفها لا بل تمتد جدرانها بين بيوتاتها و أزقتها من بساتين عامرة بباسقات النخيل التي تعيش في ظلالها مختلف الإصناف من أشجار الفاكهة وبالأخص الحمضيات , و من فاز بقلبها ذلك النهير الذي أصرت سهام حبه على أختراقه بإلتواءات حادة تشبه إلتوائات الثعبان التي يترك آثارها على الأرض عند مسيره و إنتقاله من هذا الموقع إلى ذاك , و بما يحيطها من قرى قريبة تمتد بشكل دائري ترفد المدينة وسوقها بكل ما تحتاجه من خضار و حيوانات داجنة و أيدي عاملة .
في مدينتي الجميلة يومذاك لم تكن هناك بنى تحتية بحكم رزوحها الطويل تحت إحتلال عثماني متخلف دام قرابة أربعة قرون أردف يإحتلال بريطاني دام عقدين من الزمن قبل أن يشكل بناء على رؤيته الخاصة للدولة ما سمي في حينه المملكة العراقية في العام 1925 و التي بدورها لم تقدم خدمات عامة للناس سواء في العاصمة أو الألوية و أقضيتها و من هذه الأقضية مدينتي التي رفعت من مستوى ناحية الذي أسست بموجبه سنة 1920 إلى قضاء بموجب إرادة ملكية في العام 1950 , و التي كما يبدو أن ثمة محاولات لإنشاء هذه البنى في أواسط و نهاية العقد الرابع من القرن . حيث في بداية تشكل الوعي لدي أواسط عقد الخمسينات رصدت وجود مشروع للماء و الكهرباء وفق النظام البريطاني الواطئ الفولتية ( 110 واط ) و ماكنة طحن الحبوب يقال أنها كانت تعود لمستثمر بريطاني و آلت بالنتيجة إلى أحد أبناء المدينة .
تحت ظروف كهذه كانت الإمور تسير وفق مهن يأنف بعض أبناء البلدة العمل فيها و من هذه المهن ذات وجهين يقوم بها شخص واحد , هي مهنة ( السقا ) و هذا ينقل الماء من النهر إلى البيوت البعيدة عنه بواسطة قطعة من جذع شجرة يضعها على كتفه يعلق على جانبيها صفيحتين من اللاتي كان يباع بها الدهن النباتي سعة 16 كغم يملأهما بالماء , و الوجه الأخر لهذه المهنة هو ( النزاح ) و أعني بها تنظيف خزانات المياه الثقيلة ( البالوعة ) عندما تمتلأ بها و ذلك يتم بنفس الألية التي ينقل بها الماء إلى البيوت التي أختفت بفضل المشروع أنف الذكر و شبكة الأنابيب الناقلة للبيوت .
في صلب هذه المهنة في مدينتي يبرز أسم إنسان بكل ما تعنيه الكلمة , إنسان وديع و طيب خلق لم تسمع له صوتا ً في خلاف أو شجار , إنسان كشف عن قابليات و قدرات قد لا تجتمع في شخص واحد .
إنسان جايلته و عشت مع ذكريات جميلة عنه و لا أزال حتى يومنا هذا لكني مع الأسف الشديد لم أتمكن من الحصول على معلومات حول منشأه و عائلته حتى أنير بها هذه الذكريات , حتى صوره لولا الأخ العزيز محمد الكندي وصورة جماعية من الأرشيف أيام خمسينات القرن الماضي وقيامه مشكورا ً بفصلها و تعديلها بالذكاء الإصطناعي , و هذه دعوة لكل الإخوة المتابعين الذي يمتلكون صورة له لتزويدنا بها مشكورين سلفا ً .
أتحدث عن كادح عاش وحيدا ً و مات وحيدا ً , قدراته التي ذكرتها , إجتمعت في مواهب عدة تراوحت بين العزف و الغناء بذلك الصوت الرخيم الممتلئ بنبرات الحزن , تنوع عزفه على كل ما كان متوفرا ً يومها من الألات التي تعتبر جزءاً من تراث خالد أمتد عبر الزمن في أرض الرافدين , أجاد العزف على الناي المصنوع من القصب مفردا ً و مزدوجا ً ما سمي بالـ ( مطبك ) و كذلك على الربابة لكن علامته الفارقة كان (الطبل ) الذي يلازمه في ليال ِ رمضان و هو يقوم بدور ( المسحراتي ) و صبيحة أول أيام العيد و هو يلف محلات المدينة لجمع إكراميته و باقي أيامه ( العيد ) يقضيها في أماكن التجمع ( الفرجات ) فتجده في مرقد ( الإمام المسافر ) يوما ً و الأخر في مرقد ( المقداد ) و الثالث في مرقد ( الإمام طالب ) يدق على طبله و يغني إهزوجات تلهب الحماس في الشباب القادم من القرى ليشعل بها حلقات الدبكة العربية بينما تتجمع حولها حلقات الشابات يصفقن و يغنين أهازيج مرجة علقت أحداهن بذهني منذ ذلك الزمن الجميل ( أبوعكال لا تنقهر ... تره الأفندي كاله ) ليغيضن بها شباب المدينة .
ذلك ( الطبل ) الذي أصبح وسيلة إعلام و إعلان بإدارته يوم لم تكن هذه الوسائل متوفرة , فقد كان يلف المدينة بإحدى عربات الخيل مع أحد الشباب الذي يرفع صورة إعلان للفيلم ( أفيش ) كما يسميه الأخوة المصريين الذي سيعلن عن التغيير الإسبوعي للفيلم المعروض في السينما الصيفي الوحيدة العاملة في المدينة المملوكة للمرحوم ( علي يزلي ) :
( هاليوم بدلنا الفيلم ... ثم يذكر إسم الفيلم الجديد ) بصوته العذب و طبعا يكون أجره و أجر الشاب و العربة مدفوع من قبل إدارة السينما ( المرحوم أيوب العزاوي ثم المرحوم محمود نصرت بعد وفاة الأول ) .
كل هذه المواهب أجتمعت مع مهنته التي أشتهر بها ( السقا ) و التي رادفتها مهنة ( النزاح ) التي عندما كنت شخصيا ً أستفهمه عن كيفية الجمع بينهما أيام زمان ( لأن مهنة السقاية تقريبا ً إنتهت مع بدء مشروع الماء بالعمل ) لما في الخلط بينهما من محاذير صحية :
" الماء يغسل و يطهر الميت و الحي , بعد الإنتهاء من النزاحة أأخذ ملابسي النظيفة و أذهب إلى الشاخة تحت قنطرة الإنكليز و أتعلى هناك "
عاش ( علي السقا ) و مات ( على حد علمي ) في ذلك المنزل الذي واجهته عبارة عن باب خشبية و ممر أشبه بزقاق صغير ثم الغرفة و كان المنزل ملاصق لبيت المرحوم ( عبد الخالق والد أحمد ) .
الشكر موصول للأخ أبو سجاد بخصوص الصورة و للأخ حازم نوري للتذكير بعزف الربابة و الغناء بحضوره و الأخ يوسف عطا في ذلك المنزل .
و الشكر مقدما ً لكل من يمتلك معلومات عنه أو صورا ً أقضل يغني بها موضوعتنا .

02/06/2026

خضير عباس القيسي ( خضير شامية )
خمسينات و ستينات القرن المنصرم , لا أعتقد أن الأجيال الحالية من المأصلين كأبناء البلدة أو الوافدين إليها بعد التغييرات السياسية التي طرأت على البلد مثل ثورة 14 تموز 1958 وإنقلاب 8 شباط 1963 و ما تلاهما من إنقلابات إنتهاءا ً بحرب الثمانية سنوات بين تظامين فاسدين إزهقت فيها أرواحا ً عزيزة علينا من أبناء البلدة , لا أعتقد أن هذه الأجيال تمتلك تصور كامل عن طبوغرافية البلدة و ما كانت عليه أوضاعها , سأحاول أن أصحب و أسحب من يقرأ موضوعتي هذه تاريخيا ً إلى تلك الأيام .
كانت المدينة من أجمل ما خلق الله , تحيطها البساتين من كل جهة لا بل تتداخل أسيجة بعضها ( أطوافها الطينية العالية ) مع سطوح بعض بيوتاتها , يخترقها النهير الخالد ( الشاخة ) متلويا بين البيوت كالثعبان و أنشأت بعض تلك البيوت حدائق غناء على ضفتي النهر و حتى تنتقل بين محلاتها كانت هناك العديد من القناطر الممتدة على النهر , كان ناسها أروع ناس . نسيج عراقي متجانس عربا ً و كردا ً و تركمانا ً , مسلمين و يهودا ً و مسيحيين و صابئة مندائيين .
لم يكن الشارع الرئيسي فيها الممتد من محلة الرمادية و حتى الساحة التي تقابل حسينية المقدادية اليوم , قد نال حظه من التبليط حتى النصف الأول من العقد الأول من الخمسينات , و كان التبليط وفق أسلوب بدائي , يفرش فيه الحصى فوق طبقة الرمال و الترية الأساسية فيه من قبل عمال مياومين ( أجور يومية ) و من ثم تشهل نار كبيرة في كل مقطع منه لإذابة مادة القير الواردة في براميل حديدية ليصب بعدها في صفيح ( صفائح النفط و البنزين الفارغة حيث كان يباع بهذا الشكل في العلاوي الخاصة لعدم وجود محطة ووقود في المدينة يومذاك ) يتقله نفس العمال بإستخدام خشبة توضع على الظهر و تتدلى من جانبيها صفيحتان , يستلمها الأسطى ليفرغ محتواهما بالتناوب في صفيحة أصغر من الألمنيوم الثخين ( البليت ) فوهتها مطوية لتستعمل كمرشة للقير .
أيامها لم تكن هناك الأحياء التي نسمع أسمائها اليوم كحي المعلمين و العسكري لا بل حتى الحي العصري كان في أوائل إنتقال بعض أوجه البلدة إليه , و لم يكن هناك الشارع الذي يربط اليوم بين المدينة و دور الضباط و لم تكن هناك دور سكنية تسمى الحرية اليوم , و بحكم ذلك لم تكن هناك طرق معبدة تربط المدينة بقراها الكثيرة , كانت تتحول إلى برك وحل في موسم الأمطار بشكل ينقطع فيه سكانها عن المدينة لموسم الشتاء .
ولحل هذا الإشكال نشأت مهنة ( هي في الواقع تاريخية قديمة ) العطار , و هذا بدوره يتبضع من أسواق المدينة شايا ً و سكرا ً و أقمشة يملأ بها السلتين التي يضعهما على حصانه و ينطلق بهما نحوأحدي القرى ليبيع أغراضه وفق إسلوب المقايضة و يبت في أحيان كثيرة في القرية التي قصدها ليعود في اليوم الثاني محملا ً بالدجاج الحي و سلتيه مملوئتان بالبيض و الدهن الحر و أحيانا ً بعض مشتقات الحليب .
واحد من هؤلاء و هو الأقرب لي ولقلبي المرحوم ( خضير شامية ) , جار العمر و زوجته المرحومة التي تربط أهلي بها صلة رحم , كان رحمه الله عند عودته من القرى ما أن ينزل السلال من على ظهر الحصان حتى يسلمه لي لأمتطيه حتى قنطرة الإنكليز و أنزل به إلى النهر ليرتوي بالماء و من ثم أضع له الشعير في ( العليج ) ليأكل منه على مهل و نحن عائدان إلى البيت يستلمه مني ويذهب به إلى خان الحاج ( هوبي ) حيث يبيته هناك .
كان ذا صوت رائع في الغناء , أملته عليه الطروف التي يعمل فيها , فالغناء كان تسليته الوحيدة على ظهر الحصان و هو يخوض في أوحال تلك الطرق شتاء ً و عبارها صيفا ً و كانت رئتيه تتشبعان بنقاوة الهواء فتنطلق الحنجرة في مواويل و عتابات من الكثيرالذي يحفظه عن ظهر قلب و الذي كان يصفها بأنها السلوى له في الطرق الموحشة أحيانا ً نحو تلك القرى.
أنجب خضير شامية ستة أولاد هم على التوالي ( إسماعيل البكر / لطيف / أكرم / إبراهيم " الشهير بلقب - عاش " / خليل / رعد ) و أربع بنات كبيرتهن المرحومة زوجة المرحوم جبار مريم فدعوس و الباقيات تزوجن في بغداد , الأربعة الأوائل أمتهنوا سياقة السيارات , خليل كان كريم العين لذا لم بسمح له , الصغير رعد توفى و هو يافع بمرض إلتهاب السحايا الدماغية و كان لموته تأثيرا ً كبيرا على شخصية ( خضير العطار ) بحيث أنه أحتضن النعش على ظهر الباص الخشبي من البيت و حتى مقبرة المقداد مودعا أياه بقصائد رثاء ( فراكيات ) أبكت كل من حضر مراسم التشييع و الدفن .
لم ينجرف أي من أبنائه سياسيا ً لكنهم تعاطفوا مع ثورة 14 تموز عدا إبراهيم الذي إنحاز لإصدقائه من القوميين العرب و الحرس القومي لكنه نال ما ناله من العذاب بعد إنقلاب شباط 1963 من حلفائهم البعثيين بحيث صار دخول المدينة من الإمور المحرمة عليه بأمر أحدهم الذي تبوء فيما بعد مركزا ً حزبيا ً كبيرا ً .
بعد إنتقال العائلة إلى بغداد رفض ( العطار ) الذهاب معهم و بقي في المدينة , أما عن مصير تجارته و أين كان يذهب بما جناه من القرى , فإنه كان يسوقه عن طريق المرحوم شوكت سائق أحد باصي الخشب العاملين على طريق شهربان – بغداد إلى الشورجة في بغداد أيام لم يكن هناك حقول دواجن تغذي العاصمة .
أما طريقة تسويق البيض , بعد الفحص بالطريقة البدائية الرائعة التي كان يجيدها , كان يضم أصابع يده على البيضة تاركا ً فتحة صغيرة بين الإبهام و الخنصر لينظر منها و فتحة أكبر بين اصابعه العلوية موجها ً البيضة نحو المصباح الكهربائي في الغرفة , ليميز البيض الملقح عن غيره فيعزله عن الباقي الذي سيوضع في صندوق الشاي المصنوع من طبقة من الخشب ( المعاكس ) الفارغ بعد فرش طبقة سميكة نوعا ً ما من القش ( التبن ) و التي تغطى بطبقة أخرى يوضع عليها البيض , هكذا حتى يمتلئ الصندوق و يحكم غلقه , أما الدجاج فإنه يوضع في أقفاص مصنوعة من جريد النخل و الدهن الحر في أوعية مكتومة و الجبن في أكياس من القماش الأبيض ( الخام ) ليعود له شوكت في اليوم الثاني بقوائم البيع وأثمانها نقدا ً .
أنقطعت علاقتي به بعد مغادرتي البلدة 1968 بعد الإنقلاب البعثي , حتى أني لا أعرف كيفية رحيله عن عالمنا إلى دار الأبدية راجيا ً من تسنى له المعرفة به بعد 1968 أن ينعش ذاكرتنا بما يعرف في التعليقات و شكرا ً
و من يحتفظ بصورة له أن يزودنا بها مشكورا ً

25/05/2026

في شهربان العزيزة مرت شخصيات تكاد تحني الرأس إحتراما ً لمواقفها المسؤولة رغم أن سيرتها الذاتية لا تكاد تشجعك على تناولها لكن عيشها على هامش الحياة و دون التفكر بإحداث تغيير فيها كما يحلم البعض من عبدة الدينار .
واحد من هذه الشخصيات الهامشية و التي تبنت االإلحاد في مواقف معينة كادت أن تجلب عليها نقمة المجتمع المقاد من قبل مجاميع المتدينين .
أبو عبد الأمير ( عبد الله الكناس ) .

قبل أيام حفزني منشور لصديق و أخ عزيز على أستذكار شخصية رائعة من شخصيات مدينتي من بقايا الزمان المنصرم .. و أعني به .. عقد الستينات والسبعينات من القرن الماضي .
و بالضبط عام الهزيمة المرة و ما أصطلح على تسميته بنكسة حزيران 1967 .
أبو عبد الأمير .. موظف في بلدية المدينة بعنوان ( كناس ) كان يجوب شوارع المدينة حاملا ً مكنسته العريضة المكونة خوص سعف النخيل المحاك بطريقة فولكلورية رائعة و المثبتة على ذراع طويلة من شجر الحور ( القوغ ) جامعاً ما يكنس من الأزبال في أمكنة محددة ليأتي بعده موظف آخر في بلدية المدينة هو العم أبو فاضل يقود حماره الذي وضع على ظهره ( سابل ) وهذا هو عبارة عن وعاء محاك أيضا من خوص سعف النخيل يوضع على ظهر الحمار لينقسم إلى وعائين .. كل واحد من جهة ويحمل تلك الأزبال ليلقيها في مكب لها خارج البلدة .
في أيام الجمعة .. كان القرويين من الناس , والمدينة للإطلاع محاطة بسلسلة من القرى التابعة لها إداريا و بشكل دائري غير منتظم , يأتون إلى سوقها للتبضع .. وأداء مراسم صلاة الجمعة .. عندما يرفع آذانها فتراهم ينطلقون من مقهى ( مانع ) الرابضة على كتف النهر ... فريق بإتجاه جامع المدينة الكبير و فريق نحو حسينيتها .. بعد أن فرغوا من شرب الشاي و لعب الدومينو .. ساعات ما بين الصباح الباكر و الظهيرة .. إنقضت في المقهى بمرح وصداقات لا ينفرط عراها رغم الإختلاف و التنوع العرقي و المذهبي .
لم أكن أعلم ولا أدري ماهي مصيبة ( أبو عبد الأمير ) معهم و هو الآخر يكون يوم الجمعة ..يوم أستراحته إلا بعد أن أكتشفت ورأيت رؤية العين تصرفه معهم ... لأدرك منذ ذلك اليوم بأنه شخص ملحد . وعندما سألت الوالد عنه .. أجاب على الفور :
" خلي يولي بابه .. هذا واحد زنديق .. كافر و ملحد "
أما كيف كان هذا الرجل الكبير بالسن والأمي ملحدا ً في زمن ٍ يفترض فيه إن أقرانه كلهم ممن يؤمون الجوامع و يغشى عليهم أثناء الصلاة من الخشوع , هذا ما أكتشفته ذات جمعة كما أسلفت كنا فيها أنا وأصدقاء لي جالسين في تلك المقهى الكبيرة , الواقعة على جرف النهر وتظللها أشجار الصفصاف العالية و النسيم يتخللها ليدخل المقهى باردا ً عليلا ً .
يدخل ( أبو عبد الأمير ) المقهى وبين أصابعه تجلس بزهو سيجارته ( اللف ) ويختار مقعدا له قريبا ً على مجموعة من القرويين لاعبي الدومينو و بالشكل الذي يكون فيه عائقا ً لهم أثناء الخروج , فلا يستطيع أحدهم الخروج إلا بعد الإستئذان منه ليفسح له المجال لذلك , ويطلب زجاجة كوكا كولا .. يرتشفها بتأني مخرجا ً أصوات يستدعي بها لفت أنظارهم إليه وهو يكرع زجاجته , التي ما أن ينتهي منها حتى يطلب من عامل المقهى رفعها .
ما أن يرفع الأذان للصلاة حتى يترك هؤلاء الآتيين بأحلى زينتهم لأداء طقسها لعبتهم للذهاب إلى الجامع الكبير أو الحسينية كما أسلفت , و للخروج لا بد من الإستئذان , ليبتدأ الحوار التالي :
أبو عبد الأمير : ها يابه وين رايح ؟
القروي : ما تدري وين ؟ غير للجامع نصلي .
أبو عبد الأمير : يلله أعبر .. بس دير بالك تطخ الميز ليوكع البطل وينكسر .
القروي : يا بطل هو الميز فارغ .
أبو عبد الأمير : ها .. شنو أنت أعمى .. ما تشوف .. مو هذا البطل كدامك .. مو شفتني دا أتزقنبه لو لا .
القروي : أي شفتك .. بس هسه وينه ؟
أبو عبد الأمير : إذا بطل كدام عينك و ما شفته .. لعد متكلي شلون شفت هذا الفوك وآمنت بيه وراح تروح تضربله جقلمبة .
القروي ( مبتسما ً ) : ولك جان أستحيت على شيباتك .. مو رجلك بباب كبرك .. بطل من هاي السوالف التعبانة . في أمان الله
أبو عبد الأمير : روح .. شسويلكم .. تردون تبقون زواج طول عمركم .. روح خلي يسفط براسكم حجي ... هذا الإيمامي أبو الفروخ .
القروي ( ضاحكا ً هذه المرة بصوت ٍ عال ٍ ) : الله أيفين حظك ... مهمود الشيب .
لم أره وقد أنتفخت أوداجه وأحمرت غضبا ً .. ولم يستل خنجره مهللا ٍ مكبرا ً ليحتز رقبة أبا عبد الأمير .. ولم أر أبا عبد الأمير منفعلا ً من شتائم القروي ... بل ظل الأثنان يقهقهان لحين وصول القروي إلى بوابة المقهى .
أنتهت أعراس إنتصارات ( أحمد سعيد ) يوم السابع من حزيران 1967 و التي أبتدأت يوم 5 منه لنصحو على فاجعة إلتحاق سيناء و الضفة الغربية و هضبة الجولان بخارطة دويلة أسرائيل ( اللقيطة ) كما حلى ويحلو للقومجية العرب تسميتها , و عجلت حكوماتنا ( الوطنية أكثر من اللازم ) بأستحداث صناديق دعم المجهود الحربي , لجمع التبرعات من المواطنين لنصرة قضيتنا القومية المصيرية , قضية فلسطين .
و في مدينتنا جاء متصرف اللواء يومها وجلس مع صندوقه في قاعة نقابة المعلمين بعد أن أمر القائمقام بأرسال شرطته لتبليغ أثرياء المدينة المعروفين لديه بالأسماء و بما يحملون من ألقاب فخامة آنذاك , فهذا ( بيك ) و ذاك ( آغا ) والآخر ( أفندي ) ..... إلى آخر ما تحتويه القائمة من رنين .
معظم الحضور في القاعة كان من فقراء المدينة و متوسطي حالها , مضافا ً إليهم نزر يسير من أثريائها , تفحص المتصرف الوجوه بحثا ً عن شخص يعرفه فلم يجده , همس بأسمه في أذن القائمقام قائلا ً :
المتصرف : أين الحاج ..............؟
القائمقام : أنه غير موجود في البيت جنابك .. كما أخبرني الشرطي .
المتصرف : أرسل في طلبه ثانية ً (قالها الرجل بأمتعاض ٍ شديد) يجب أن يحضر و يتبرع حتى لو أنتظرته ليوم غد .
الساعة كانت تقارب التاسعة عندما أعلن عن فتح الصندوق , و أنهالت الدنانير المفردة وأنصافها و أرباعها من قبل الفقراء و متوسطي الحال على الصندوق , وبين الفينة والأخرى كان أحد الأثرياء يرمي ورقة ذات خمسة دنانير فيه .
على ذكر ( الحاج ) ... عندما أصدرت حكومة الثورة عام 1959 عملتها الجديدة ذات الشعار بدلا ً عن صورة الملك .. قيل بأنه جلب سيارة بيك آب شوفرليت حمراء مملوءة ( كواني قلم أحمر ) بالأوراق النقدية لأستبدالها تحت حماية أولاده الثلاثة حاملي بنادق الصيد ذات الأسطوانتين , فهو صاحب أطيان وبساتين ورثها عن أبيه .
لم تعثر الشرطة على أثر له ذلك النهار .. الذي عند منتصفه صدف أن يمر فيه ( أبو عبد الأمير ) من أمام النادي قافلا ً من دائرة البلدية مستلما ً راتبه ليرى الناس في هرج ٍ و مرج ٍ , جماعة داخلة و أخرى خارجة , هل يعقل إنهم جميعا ً باتو يشربون الخمر جهاراً نهارا , أم إن هناك أمر ما لا أعلمه .. تسائل مع نفسه ؟
إقترب من أحد الشرطة مستفسرا ً عما يجري ......
أبو عبد الأمير : هاي شكو وليدي ... شو الدنيه مكلوبه اليوم .. حفلة ؟ ديوزعون عرك بلاش .. شنو ؟
الشرطي : عمو ياحفلة .. يا عرك بلاش .. شنو أنته وين نايم .. ما تسمع أخبار ؟
أبو عبد الأمير : لا والله وليدي .. شتشوف عمك أشكول أخبار ؟ ليش شكو شصار ؟
الشرطي : عمو .. أكلنا تبن .. فلسطين راحت والجيوش أنكسرت .. و هسه ديلمون تبرعات للمجهود الحربي ..
أبو عبد الأمير : آفه عليك أبو أموري .. هذا يومك .. من رخصتك إبني ..
دخل القاعة حاملا ً مكنسته واضعا أطراف دشداشته في حزامه مظهرا ً لباسه الطويل و أتجه مباشرة إلى الصندوق .. أخرج ما في جيبه من نقود ليضعها في الصندوق ويستدير يروم الخروج .. أستغرب المتصرف من كمية النقود التي وضعها في الصندوق ملتفتا ً إلى القائمقام متسائلا ً :
المتصرف : من هذا ؟
القائمقام : جنابك ... هذا كناس .. يعمل لدينا في البلدية .
المتصرف : و كم وضع في الصندوق ؟ هل أنتبهت عليه ؟
القائمقام : نعم .. جنابك .. اليوم نحن ندفع الرواتب .. كل راتبه .. 24 دينار ..
المتصرف : عجيب ... هذا يرمي كل راتبه .. و الأثرياء خيرهم يضع 5 دنانير .. لا تدعوه يذهب .
يمد المتصرف يده في جيبه , يخرج 24 دينارا ً .. يضعها في يد ( أبو عبد الأمير ) قائلا ً :
المتصرف : والله حرام أن نتقبلها منك .. بارك الله بك وبمشاعرك الوطنية الفياضة ..
ما أن يأخذها ( أبو عبد الأمير ) حتى يضعها مباشرة في الصندوق ويخرج من القاعة مهرولا ً حتى لا يوقفوه مرة أخرى ويجبروه على تقبل النقود . ( 1 )
بحلول المساء ... لم يحضر الحاج ( ........ ) بل حضر أحد أبنائه ( الأصغر فيهم ) قائلا ً :
الولد : هل تبحثون عن أبي ؟
المتصرف : نعم
الولد : إنه يمتلك مخبأ في بستانه تحت شجيرات العناب ذات الأشواك , لجأ إليه مذ عرف بنيتكم جمع التبرعات .. إذا ترغبون سأذهب مع الشرطة لأدلهم عليه .
المتصرف : بوركت يا ولد
ذهبت مفرزة الشرطة لتجلب الحاج ( ........ ) و تخرجه من عرينه لينتهي به المطاف عند الصندوق مخرجا مبلغا ً لم يصل إلى نصف راتب ( أبو عبد الأمير ) ويضعه فيه تحت أنظار المتصرف و القائمقام المذهولين من جراء المقارنة بين تصرف رجلين ... أحدهما لا يمتلك من حطام الدنيا سوى أجور قوة عمله التي يبيعها للدولة .. و الآخر يمتلك الدنيا بما فيها .

كم هو صعب أن تفقد وجها ً صبوحا منيرا ً و محيا كانت ترسم البسمة على وجوه التعبانين في ظرف أنت أحوج ما تكون له .. أخي و نب...
21/05/2026

كم هو صعب أن تفقد وجها ً صبوحا منيرا ً و محيا كانت ترسم البسمة على وجوه التعبانين في ظرف أنت أحوج ما تكون له .. أخي و نبراس شبابي و بوصلته غانم نوري الخياط .
في ذكراه طافت بالرأس كلمات حيرى أثرت أن أسطرها هنا لكم و لطلابه كهدية متواضعة بحقه .

الأستاذ المرحوم غانم نوري الخياط

من الشيوعيين رجالاَ صدقوا ما عاهدوا الشعب و الوطن عليه فمنهم من صان الأمانة و سارعلى دروب المجد منتشيا ً بحب ٍ لا مثيل له للفقراء من العمال و الفلاحين و تحمل كل صنوف التعذيب المهين للأنظمة الفاشية المؤدي إلى الموت أحيانا ً دفاعا ً عن إيمانه المطلق بعدالة قضيته التي تدور في فلك الإنسانية و العدالة الإجتماعية في توزيع الثروات الوطنية .
و منهم من عانى ظروفا ً إقتصادية صعبة نتيجة سحب اليد من الوظيفة الأمر الذي أجبر الكثير ىشاء من المعلمين و المدرسين و الموظفين على العمل في مهن آخرى من أجل لقمة العيش و سد إحتياجات عوائلهم في ظروف قمع فاشي و إمتهان للعيش الكريم الذي كان يشدد في إستعمالها النظام المجرم .
و منهم من تناساهم رفاقهم لا سبب , إلا لكونهم و بحكم إستيعابهم لأسس النظرية التي أهتدوا بنورها مذ كانوا شبابا ً يافعين , إكتشفوا البون الشاسع بين الأخلاق الشيوعية الحقة و بين سلوكيات بعض من تدرجوا في المراتب الحزبية التي تتنافى مع المبادئ و الأخلاق المشار إليها آنفا ً, فأثروا العمل على تقويم تلك الهنات المخجلة لكنهم ووجهوا بجدار خرساني صلب من التهويشات المجنونة و الإفتراءات التي ينجح فيها دائما ً من هم الأكثر تأهيلا ً للخيانة على حد وصف لينين و نعني بذلك المثقفين الذين قفزوا للمراتب الأمامية و التي لم تشهد في صفوفها و لفترات طويلة عمالا ً أو فلاحين بل أمتلأت بالكثير ممن لهم القدرة على تبرير الخيانة .
لذلك إختار الكثير من العناصر الوطنية و بحكم الفقرة الخاصة بالنظام الداخلي للحزب التي تثبت الحق في الإنسحاب متى ما وجد ذلك متماشيا ً مع ظروفه الخاصة أو متى ما وجد سياسة الحزب غير متوافقة مع فهمه للنظرية و السياسة التي يراها ضرورية الإتباع في الظروف السياسية المختلفة :
( الحزب هو إتحاد طوعي بين مواطنين ......إلخ )
و من تجربتي في العيش طيلة عمر بأكمله في تلك الصفوف كانت النعوت التي تطلق على أي رفيق ترك صفوفهم تكاد تملأ قاموس كامل من الصفات الجاهزة لديهم لمقاطعته و إهماله و نبذه سياسيا ً و من بين هؤلاء شيوعيون أماجد كان لهم الفضل الرئيس في تكوين شخصيتي و بنائي الفكري .
( غانم نوري الخياط ) كان و ما زال رغم غياب الجسد يي أجمل مدينة عيش معنا ذكريات جميلة في أجمل مدينة حباها الله بنهر كان يتلوي بين بيوتاتها كثعبان هائل ليخرج منها مرويا ً حدائقها المنزلية و البساتين المحيطة بها , هذا الرجل عاش و مات عصاميا ً لم يحن رقبته لأحد , في أيام الحصار الجائر كانت بسطية في الشارع المحاذي للنهر و في رأس الفرع المؤدي إلى بيت العائلة يبيع فيها الطحين بالمفرد غير آبه بنطرات البعض الذين كانوا يتألمون في دواخلهم لوضعه , هذا الرجل عاش و مات شريفا ً لم أسمع منه غيبة ً لأحد و لم يتبادل نميمة حول شخص ثالث مع طرف ثاني .
كان صدرا ً واسعا ً إستنع خلال معايشتي له لنقد جارح بعض الشيء من قبل رفاق شباب صغار عندما كان يطرح رأيه في نقاشات تدور في المقهى حتى أن أحدهم ( رحمه الله أيضا ً ) قال له :
" أنتم الشيوعيون القدماء إنسحبتم و جلستم فوق التل و أخذتم توزعون النقاط الصفرية لنا , تعملون بدون وعي على تثبيط عزيمتنا " . و كان هذا الشاب مندفعا ً بفورة العنفوان وراء الدجالين المعشعشين في قيادة الحزب الذين جرجروا الألاف مثله وراء جبحتهم الوطنية الكبرى عام 1973 .
إرتسمت على محياه المنير وقتها إبتسامة عريضة و كان جوابه :
" أنت الآن في فورة الشباب و تنساق وراء طروحاتهم , لكنهم سيعضوك يوما ً بالشكل الذي يدفعك للجلوس معنا و إعطائهم الصفر الأكبر " .
مثل ( غانم ) من الشيوعيون مروا خفافا ً كالنسمة في هذه الحياة لم يتجرأ أحد من مجايليهم أو الشباب من الجيل الذي جاء بعدهم أن يبوح بكلمة واحدة بأنه قد تعرض لإعتداء منهم سواء بالكلمة أو باليد .. كان غانم كتلة من الأخلاق تسير الهوينا على الأرض فلا تترك أثرا ً عليها , رغم ثقل الهموم التي كان ينوء تحت أعبائها , كان فنانا ًفي ترك أثره في نفوس محبيه و من بينهم كاتب هذه السطور الذي تلقى منه إتصالا ً هاتفيا ً في أخريات أيامه التي كان قاسمها المشترك المرض , و ما زال حتى الساعة صوته يرن في إذنه لأن أمثاله و إن غابوا كأجساد فلا يمكن أن يغيبوا عن بال محبيهم الذين عايشوهم لفترة طويلة من العمر .

Address

Shahraban
00964

Telephone

07702942038

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when Shahraban - Downtown posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Shortcuts

Share