16/04/2020
الأبعاد الأخلاقية لفتوى التكافل الاجتماعي في المجتمع العراقي
كلنا نعرف ما تعرض له المجتمع العراقي من حرب ثقافية نخرت الجسد الأخلاقي لشريحة كبيرة من أعضاء هذا المجتمع الذي لا يكاد يفيق من نكبة حتى يقع في أخرى فمن ظلم حاكم مجرم وجزبه الكافر الى احتلال الولايات المتحدة لأرض العراق وما خلفه من انفتاح على العالم الخارجي, والذي كان العراقيون بعيدون عنه لا يتصلون به بشكل مباشر للاطلاع على التقدم العلمي الذي أحدثه التقدم العلمي والتكنولوجي بسبب منع الحكومة آنذاك استخدام الانترنت وما إن سمح بذلك حتى اندفع المجتمع بشكل منقطع النظير نحو الانفتاح الثقافي السلبي الاّ في بعض الحالات القليلة إذا ما قورنت بالكم الهائل الذي بات يعبد الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي ويتأثر بها بشكل سلبي دون اكتراث لما تؤول إليه النتيجة هذا أولاً.
بعدها تم تنفيذ مخطط أخر هو الترويج لظاهرة تناول المخدرات والمؤثرات العقلية بالشكل الذي قاد الى أن يصبح العراق مكاناً لاستهلاك كميات كبيرة منها بعد أن كان ممراً للدول المجاورة فقط, فكانت النتيجة أن يصبح نسبة كبيرة من الشباب هم من المتعاطين والمتاجرين بالمخدرات بأنواعها هذا ثانياً.
أما النقطة الثالثة فكانت زرع الطائفية المقيتة بين أبناء البلد الواحد والتي نتج عنها مئات الالاف من الضحايا والأيتام والمشردين والأرامل, كل هذه الامور وغيرها من الجزيئات الاخرى قادت العراق الى عدة نتائج أهمها :
1- التفكك الاسري بين أعضاء المجتمع.
2- التحلل الاخلاقي الكبير الذي طال طبقات المجتمع من فساد أخلاقي أو مالي.
3- نشوء جيل أقرب ما يكون الى الجهل منه الى المعرفة بسبب ترك الدراسة.
4- انتشار ظاهرة البطالة بسبب استئثار الأحزاب القابضة على السلطة بمقاليد الحكم وحصر التعيينات في جهات معينة مع قيامها على المحسوبية.
5- ابتعاد نسبة كبيرة من أعضاء المجتمع على الذات الإلهية وعن الطاعة المفترضة من خلال ترك العبادات الواجبة كالصلاة والصيام بسبب انتشار ظاهرة الالحاد في المجتمع.
وبناءً على هذه النتائج كان لابد أن تكون هناك وقفة جاده من قادة المجتمع للتصدي للحالات السلبية التي تعصف بالمجتمع, وبما أن قادة المجتمع السياسيون كانوا غير مدركين لما تؤول اليه نتائج ما يحدث فقد كان لابد من تدخل قائد من نوع أخر يعده أفراد المجتمع القائد الروحي لهذا البلد أعني بذلك سماحة المرجع الديني الأعلى أية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني الذي كان يتدخل في الأوقات الحرجة التي يكون العراق ومجتمعه في أمس الحاجة لتدخله فكانت تدخلاته في محلها دائماً بداية من الانتخابات التشريعية الأولى التي كانت الولايات المتحدة تصر على عدم نجاحها لكنه كان له رأي أخر ونجحت, بعدها فتوى الجهاد الكفائي والتي هزمت تنظيم داعش وحررت البلاد من دنسهم وقبل أشهر كان موقفه داعماً للمتظاهرين السلميين واذي عمل على إعطاء زخم وقوة لموقفهم في المطالبة بحقوقهم من القابضين على السلطة واليوم عندما وقف العراق على اعتاب مجاعة كبيرة يصنعها التجار بالمال العام والخاص جاءت فتوى التكافل الاجتماعي لتضرب ذلك عرض الجدار فهب الفقراء (والشرفاء من الاغنياء لا أقول كلهم) لتلبية هذا النداء العظيم ليبعثوا برسالة الى العالم مفادها أن في العراق أناس متكافلون يعرفون معنى الانسانية.
لقد ساهمت فتوى التكافل الاجتماعي في عادة الكثير من الاشياء التي فقدها المجتمع العراقي بسبب الحروب العسكرية والحرب الاخلاقية والثقافية واستعاد شيئاً من عبق الانسانية التي زرعها دين محمد (ص) وعترته من بعده في هذا البلد المعطاء, فبعد أن بات أبناء الشعب على أعتاب أن يأكل الغني الفقير أصبحوا يتقاسمون الزاد والمؤونة (( وإنها لكبيرة الاّ على الذين آمنو)) ونتيجة لذلك عاد أبناء هذا البلد الى نزر بسيط من أخلاق أهل البيت (عليهم السلام) فقد كان أمير المؤمنين(ع) يجوب الشوارع ليلاً ليعطي الفقراء وكذلك فعل الامام زين العابدين(ع) وقد شاهدنا كيف كان أبناء هذا البلد يطرقون الابواب ليلاً ونهاراً ليقدموا ما يمكن تقديمة لإخوانهم المعوزين, لعل ذلك يكون عوناً لهم في سد رمق العيش, ولعله يكون في ميزان حسناتهم عند الله تعالى.
أقول لعلك مدرك أن الله تعالى سيرحمنا إذا ما تراحمنا ويعطف علينا إذا ما كلنا متحابين متواصلين, ويرأف بحالنا, كيف لا وهو الرؤوف الرحيم.
إن هذه الابعاد الاخلاقية والاجتماعية ما كانت لتتحقق لولا وجود مرجعية حكيمة تدرك أن شعباً يحكمه الفاسدون لا ينقذه الا المصلحون وفقك الله لكل خير وحفظك قائداً ومرشداً الى الطريق القويم.