17/03/2025
كيف تعامل القانون مع القتل "دفاعا عن النفس"؟
تحت ظروف خاصة وفي أحوال مشروطة، يبيح القانون جريمة القتل دفاعا عن النفس، إذا كان جزءا من رد الاعتداء والحماية، على أن يكون الدفاع متوازنا مع الخطر وليس أكثر قوة، لكن هذه الجريمة تخضع لتحقيقات معمقة لغرض إثبات تحقق الشروط الواجب توافرها قبل ان ترفع المسؤولية الجزائية عن القاتل.
وفي هذا الإطار، يجد قاضي محكمة جنايات صلاح الدين، سرحان صالح، لـ"القضاء"، إن "الدفاع عن النفس في وجه المخاطر المهددة هو سلوك فطري ينبع من غريزة البقاء، وأن قانون العقوبات العراقي رقم ۱۱۱ لعام 1969 المعدل أقر بالقتل دفاعا عن النفس كأحد مظاهر الدفاع الشرعي".
وأوضح القاضي سرحان أن "الدفاع الشرعي من أبرز أسباب الإباحة التي تسقط عن الفعل طابع الجريمة، مما يؤدي إلى عدم تحميل المدافع أي مسؤولية جنائية أو مدنية بحسب قانون العقوبات العراقي الذي فصل ذلك في المواد من (٤٢) إلى (٤٦)، حيث استعرض الشروط اللازمة لقيام حالة الدفاع الشرعي، والقيود التي يلزم بها هذا الدفاع، والأثر القانوني الناتج عن استخدامه في الحدود المقررة، إضافة إلى حكم تجاوز هذه الحدود".
واكد القاضي سرحان أن "هناك شروطا متعلقة بفعل الدفاع منها أن يكون ضروريا، لأن إباحة الجريمة للدفاع استثناء من الأصل، وبالتالي يجب أن لا يلجأ إليها إلا حيث يكون منع التعدي بغيرها ممتنعا وقد عبر عن ذلك القانون بقوله: (أن لا يكون أمامه وسيلة أخرى لدفع هذا الخطر مما يترتب عليه أنه لا يجوز الدفاع متى ما كان لدى المعتدى عليه وسيلة أخرى لدفع الخطر غير الجريمة الالتجاء إلى السلطة أو الاحتماء بمانع، إلا إذا كان في هذه الوسيلة ما يعرضه لمخاطر أخرى".
والحالة الأخرى، كما يضيف "أن يكون الدفاع بالقدر اللازم لصد الاعتداء: المقصود بالدفاع هو رد الاعتداء وليس الانتقام فإذا دخلت المواشي مثلا في أرض شخص وبدلا من أن يخرجها انهال على راعيها بالضرب فلا يكون دفاعا وإنما يكون معتديا، ويجب أن تكون الأفعال المرتكبة للدفاع متناسبة مع التعدي".
ويؤكد على "وجوب ألا يكون الدفاع عن النفس أكثر حدة من خطر الاعتداء ولا يسبب ضررا أشد من الضرر المحتمل من الخطر الماثل فمن يكون مهددا بالصفع على الوجه لا يجوز له أن يصد هذا الخطر بالاعتداء بإطلاق رصاصة في موضع قاتل، ومن يكون معرضا لخطر الاعتداء على مال ضئيل القيمة لا يحق له أن يدفع هذا الخطر بالقتل، ومع ذلك فلا يشترط أن يكون فعل الدفاع مساوياً لفعل الاعتداء ومسألة التناسب بين فعل الاعتداء والدفاع في الحقيقة مسألة موضوعية تتعلق بالوقائع يفصل فيها قاضي الموضوع وفقا للظروف مراعي حالة المدافع من حيث جنسه وسنه وشخصيته والملابسات التي أحاطت به".
ويجد سرحان أن "حق الإنسان في الحياة هو حق مقدس، وبالتالي، شدد قانون العقوبات في إباحة القتل دفاعا عن النفس وقصره على حالات ثلاث على سبيل الحصر ذكرتها المادة (٤٣) من قانون العقوبات والتي قضت بأن حق الدفاع الشرعي عن النفس لا يبيح القتل عمداً إلا اذا أرید به دفع فعل يتخوف أن يحدث منه الموت أو جراح بالغة، إذا كان لهذا التخوف أسباب معقولة أو مواقعة امرأة كرها وكذلك خطف إنسان، فهذه الحالات هي التي تبرر القتل دفاعاً عن النفس إذا تحققت شروطها".
وعن المعالجة القانونية لمرتكب القتل دفاعا عن النفس، يشير القاضي إلى أنه "في حال توافرت الشروط التي يستلزمها القانون لقيام حالة الدفاع الشرعي وكان المدافع لم يخرج عن القيود التي فرضها القانون على استعمال هذا الحق فتظهر الآثار التالية (يكون السلوك مباحاً ولا يعد جريمة ولا تترتب عليه أية مسؤولية لأن مرتكبه يستعمل حقا مقرر بالقانون ويترتب على إباحة الفعل الذي يرتكبه المدافع و كل من يدخل فيه بوصفه شريكا لا يسأل هو الآخر لأنه يشارك في عمل مباح، ولا يسأل المدافع عن عمله الذي يرتكبه في حدود حقه حتى ولو أصاب غير المعتدي وسواء كان ذلك لغلط في الشخص كما لو أصاب غير أنه هو الذي يعتدي عليه أم كان لخطا في إصابة الهدف، كما لو تعمد إصابة المعتدي فيصيب خطا في التهديف، كل ذلك شرط لا يقع من الفاعل أي المدافع إهمال أو عدم احتياط أدى إلى إصابة غير المعتدي فإن وقع إهمال أو عدم احتياط يصبح غيره الفاعل مسؤولا عن جريمة غير عمدية".
ولفت القاضي إلى أن "القتل العمد إذا وقع في غير حالات الدفاع الشرعي فيعد جريمة يعاقب عليها القانون، وفق أحكام المواد ٤٠٥ من قانون العقوبات إن لم تقترن بظرف مشدد، ووفق أحكام المادة (٤٠٦) من القانون ذاته إذا اقترنت بظرف مشدد، وإذا توافرت شروط الدفاع عن النفس في جريمة القتل العمد، فيكون السلوك مباحاً، لأن الجاني استخدم حقه في الدفاع الشرعي عن النفس".
لكن قد يحدث في الواقع العملي لبس في ما إذا كانت الحالة هي جريمة قتل عمد دون توفر سبب الإباحة، أم أن شروط الدفاع الشرعي متوافرة، إذ يقول القاضي: "هنا يأتي دور القضاء في إزالة هذا اللبس من خلال استظهار القصد الجنائي من ناحية التحقق من شروط الدفاع الشرعي وذلك من خلال ملابسات كل قضية، ومن خلال تمحيص الأدلة المتوافرة فيها والاستعانة بآراء الخبراء، ومنهم خبراء الطب العدلي، والأسلحة الجرمية، وسائر الأدلة الأخرى".
وأشار إلى انه "قد يظهر للقضاء وجود حالة وسط ما بين القتل العمد وبين الدفاع الشرعي عن النفس، وتتحقق عندما يكون هناك خطر على النفس ولكن المدافع قد تجاوز حدود الدفاع الشرعي باستعمال قوة أكثر مما يتطلبه الدفاع لمنع الاعتداء، وفي هذه الحالة نكون أمام صورة تجاوز حدود حق الدفاع الشرعي".
وأمام مثل هذه الحالة، ينبه القاضي إلى أن "واضع قانون العقوبات العراقي فطن لهذه الحالة فبين حكمها في المادة (٤٥) حيث قال (لا يبيح حق الدفاع الشرعي إحداث ضرر أشد مما يستلزمه هذا الدفاع، وإذا تجاوز المدافع عمدا أو إهمالا حدود هذا الحق أو اعتقد خطأ حالة دفاع شرعي، فإنه يكون مسؤولا عن الجريمة التي ارتكبها، وإنما يجوز للمحكمة في هذه الحالة أن تحكم بعقوبة الجنحة عوضاً عن عقوبة الجناية وأن تحكم بعقوبة المخالفة بدلاً من عقوبة الجنحة)."
وعن إجراءات القضاء عند وروده حالات الدفاع عن النفس، يوضح: "الأصل أن تتخذ الإجراءات القانونية بحق المتهم فيُحقَّق معه ومن ثم تتم محاكمته فإذا ثبت أنه كان فعلاً في حالة دفاع شرعي عن النفس، فتصدر المحكمة حكمها بعدم مسؤوليته جزائياً والإفراج عنه استناداً لأحكام المادة ( ۱۸۲ / د) من قانون أصول المحاكمات الجزائية والتي تنص على أنه (إذا تبين للمحكمة أن المتهم غير مسؤول عن فعله فتصدر حكمها بعدم مسؤوليته مع اتخاذ التدابير التي ينص عليها القانون)
منقول...