15/03/2026
المادة (112) بين التفسير الدستوري والسياسي..
هل تعني كلمة “معاً” في الدستور أن النفط خارج صلاحيات الدولة …
تعقيباً على البيان الصادر عن كتلة الحزب الديمقراطي الكوردستاني في مجلس النواب بتاريخ 15 آذار 2026 بشأن تفسير المادة (112) من الدستور العراقي، لا بد من التأكيد أن قراءة النصوص الدستورية يجب أن تتم بصورة مترابطة ومتكاملة، وليس بالاستناد إلى عبارة واحدة بمعزل عن بقية المواد.
صحيح أن المادة 112 تنص على أن الحكومة الاتحادية والأقاليم والمحافظات المنتجة تقوم معاً برسم السياسات الاستراتيجية لتطوير ثروة النفط والغاز، إلا أن الاستناد إلى كلمة (معاً) لا يعني أن هذه الصلاحية خارج إطار الدولة الاتحادية أو أنها صلاحية منفردة لأي طرف.
فالدستور نص في المادة 111 على أن النفط والغاز ملك لكل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات، وهو نص يؤكد الطبيعة الوطنية لهذه الثروة وضرورة إدارتها بما يحقق مصلحة جميع العراقيين.
كما أن المادة 112 نفسها تقرر أن الإدارة تتم بالتنسيق بين الحكومة الاتحادية والأقاليم والمحافظات المنتجة، أي أن:
• إدارة النفط والغاز ليست صلاحية حصرية للإقليم،
• وليست أيضاً صلاحية منفردة للحكومة الاتحادية،
• بل هي إدارة مشتركة ضمن إطار دستوري يضمن وحدة السياسة النفطية للدولة.
وفي هذا السياق، فإن الاستناد إلى المادة 115 لتوسيع صلاحيات الإقليم في هذا الملف يتجاهل أن الدستور قد نظم موضوع النفط والغاز بنص خاص في المادتين 111 و112.
وفي التفسير الدستوري توجد قاعدة قانونية مستقرة مفادها أن النص الخاص يقيّد النص العام، وبالتالي لا يمكن استخدام قاعدة عامة مثل المادة 115 لتجاوز نص دستوري خاص.
كما أن المادة 115 تعد قاعدة احتياطية (Residual Rule) تطبق فقط في المسائل التي لم ينظمها الدستور بنص صريح.
إذا كان رفض استئناف تصدير النفط عبر خط الأنابيب العراقي–التركي إلى ميناء جيهان صادراً من حكومة إقليم كردستان، فإن ذلك يثير إشكالية دستورية واضحة، لأن النفط والغاز وفق المادة 111 من الدستور هما ملك لكل الشعب العراقي، بينما تنص المادة 112 على أن إدارة هذه الثروة تتم من قبل الحكومة الاتحادية مع الأقاليم والمحافظات المنتجة.
كما أن قرار هيئة التحكيم الدولية في باريس عام 2023 في قضية خط الأنابيب العراقي–التركي أكد مسؤولية تركيا عن السماح بتصدير نفط إقليم كردستان دون موافقة الحكومة الاتحادية، وهو ما يعزز المبدأ القائل بأن تصدير النفط إلى الخارج يجب أن يتم ضمن إطار الدولة العراقية وبالتنسيق مع الحكومة الاتحادية ، وهو ما يوضح أن مسألة تصدير النفط ليست مسألة داخلية فحسب، بل ترتبط أيضاً بالتزامات الدولة العراقية في القانون الدولي .
وقد أكدت المحكمة الاتحادية العليا في قرارها الصادر في 15 شباط 2022 بشأن قانون النفط والغاز في إقليم كردستان أن إدارة النفط والتصدير يجب أن تتم ضمن الإطار الدستوري للدولة الاتحادية.
وبالتالي فإن أي قرار أحادي يؤدي إلى تعطيل تصدير النفط أو منع استثماره يمكن أن يُعد عملياً تعطيلًا لإدارة مورد وطني سيادي يخص جميع العراقيين، وهو ما يتعارض مع مبدأ الإدارة المشتركة المنصوص عليه في الدستور.
كما أن تصدير النفط عبر خط جيهان يخضع لاتفاقيات دولية بين العراق وتركيا، وإدارة وتنفيذ هذه الاتفاقيات تدخل ضمن الاختصاصات السيادية للدولة الاتحادية. لذلك فإن تعطيل التصدير بصورة منفردة، أياً كان مصدره، لا ينسجم مع الإطار الدستوري والقانوني الذي ينظم إدارة الثروة النفطية في العراق
وعليه، فإن التفسير الدقيق لأحكام الدستور يقود إلى نتيجة واضحة مفادها أن إدارة الثروة النفطية في العراق هي مسؤولية مشتركة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم والمحافظات المنتجة، بما يضمن تحقيق أعلى منفعة للشعب العراقي، ويحافظ في الوقت نفسه على وحدة السياسة الاقتصادية للدولة.
وبذلك يتضح أن كلمة (معاً) في المادة 112 تعني الشراكة في الإدارة، لا الانفراد بالقرار، ولا يجوز تفسيرها على نحو يُفرغ الدولة العراقية من صلاحياتها السيادية في إدارة ثرواتها الوطنية.
جمال الاسدي