جمال الاسدي

جمال الاسدي حقوقي - مفتش عام سابق

‏قانوني - ماجستير في القانون - مفتش عام سابق لوزارة الداخلية - ناشط في الحقوق القانونية والمدنية والانسانية - ميال الى الليبرالية السياسية

15/03/2026

المادة (112) بين التفسير الدستوري والسياسي..

هل تعني كلمة “معاً” في الدستور أن النفط خارج صلاحيات الدولة …

تعقيباً على البيان الصادر عن كتلة الحزب الديمقراطي الكوردستاني في مجلس النواب بتاريخ 15 آذار 2026 بشأن تفسير المادة (112) من الدستور العراقي، لا بد من التأكيد أن قراءة النصوص الدستورية يجب أن تتم بصورة مترابطة ومتكاملة، وليس بالاستناد إلى عبارة واحدة بمعزل عن بقية المواد.

صحيح أن المادة 112 تنص على أن الحكومة الاتحادية والأقاليم والمحافظات المنتجة تقوم معاً برسم السياسات الاستراتيجية لتطوير ثروة النفط والغاز، إلا أن الاستناد إلى كلمة (معاً) لا يعني أن هذه الصلاحية خارج إطار الدولة الاتحادية أو أنها صلاحية منفردة لأي طرف.

فالدستور نص في المادة 111 على أن النفط والغاز ملك لكل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات، وهو نص يؤكد الطبيعة الوطنية لهذه الثروة وضرورة إدارتها بما يحقق مصلحة جميع العراقيين.
كما أن المادة 112 نفسها تقرر أن الإدارة تتم بالتنسيق بين الحكومة الاتحادية والأقاليم والمحافظات المنتجة، أي أن:
• إدارة النفط والغاز ليست صلاحية حصرية للإقليم،
• وليست أيضاً صلاحية منفردة للحكومة الاتحادية،
• بل هي إدارة مشتركة ضمن إطار دستوري يضمن وحدة السياسة النفطية للدولة.

وفي هذا السياق، فإن الاستناد إلى المادة 115 لتوسيع صلاحيات الإقليم في هذا الملف يتجاهل أن الدستور قد نظم موضوع النفط والغاز بنص خاص في المادتين 111 و112.
وفي التفسير الدستوري توجد قاعدة قانونية مستقرة مفادها أن النص الخاص يقيّد النص العام، وبالتالي لا يمكن استخدام قاعدة عامة مثل المادة 115 لتجاوز نص دستوري خاص.
كما أن المادة 115 تعد قاعدة احتياطية (Residual Rule) تطبق فقط في المسائل التي لم ينظمها الدستور بنص صريح.
إذا كان رفض استئناف تصدير النفط عبر خط الأنابيب العراقي–التركي إلى ميناء جيهان صادراً من حكومة إقليم كردستان، فإن ذلك يثير إشكالية دستورية واضحة، لأن النفط والغاز وفق المادة 111 من الدستور هما ملك لكل الشعب العراقي، بينما تنص المادة 112 على أن إدارة هذه الثروة تتم من قبل الحكومة الاتحادية مع الأقاليم والمحافظات المنتجة.
كما أن قرار هيئة التحكيم الدولية في باريس عام 2023 في قضية خط الأنابيب العراقي–التركي أكد مسؤولية تركيا عن السماح بتصدير نفط إقليم كردستان دون موافقة الحكومة الاتحادية، وهو ما يعزز المبدأ القائل بأن تصدير النفط إلى الخارج يجب أن يتم ضمن إطار الدولة العراقية وبالتنسيق مع الحكومة الاتحادية ، وهو ما يوضح أن مسألة تصدير النفط ليست مسألة داخلية فحسب، بل ترتبط أيضاً بالتزامات الدولة العراقية في القانون الدولي .
وقد أكدت المحكمة الاتحادية العليا في قرارها الصادر في 15 شباط 2022 بشأن قانون النفط والغاز في إقليم كردستان أن إدارة النفط والتصدير يجب أن تتم ضمن الإطار الدستوري للدولة الاتحادية.

وبالتالي فإن أي قرار أحادي يؤدي إلى تعطيل تصدير النفط أو منع استثماره يمكن أن يُعد عملياً تعطيلًا لإدارة مورد وطني سيادي يخص جميع العراقيين، وهو ما يتعارض مع مبدأ الإدارة المشتركة المنصوص عليه في الدستور.
كما أن تصدير النفط عبر خط جيهان يخضع لاتفاقيات دولية بين العراق وتركيا، وإدارة وتنفيذ هذه الاتفاقيات تدخل ضمن الاختصاصات السيادية للدولة الاتحادية. لذلك فإن تعطيل التصدير بصورة منفردة، أياً كان مصدره، لا ينسجم مع الإطار الدستوري والقانوني الذي ينظم إدارة الثروة النفطية في العراق
وعليه، فإن التفسير الدقيق لأحكام الدستور يقود إلى نتيجة واضحة مفادها أن إدارة الثروة النفطية في العراق هي مسؤولية مشتركة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم والمحافظات المنتجة، بما يضمن تحقيق أعلى منفعة للشعب العراقي، ويحافظ في الوقت نفسه على وحدة السياسة الاقتصادية للدولة.
وبذلك يتضح أن كلمة (معاً) في المادة 112 تعني الشراكة في الإدارة، لا الانفراد بالقرار، ولا يجوز تفسيرها على نحو يُفرغ الدولة العراقية من صلاحياتها السيادية في إدارة ثرواتها الوطنية.

جمال الاسدي

15/03/2026

تعطيل خط جيهان في هذه الظروف يضر بالمصلحة الوطنية ..

تسييس تصدير النفط عبر جيهان لن يخدم إقليم كردستان قبل غيره ..

تعقيباً على البيان الصادر عن وزارة النفط العراقية بتاريخ 15 آذار 2026 بشأن إمكانية استئناف تصدير النفط عبر المنظومة الشمالية إلى ميناء جيهان التركي، وفي ضوء الظروف الإقليمية الراهنة التي أدت إلى توقف الصادرات النفطية عبر المنافذ الجنوبية، أود التأكيد على أن استئناف التصدير عبر هذا المسار يمثل خياراً اقتصادياً مهماً لتقليل الخسائر التي قد يتعرض لها الاقتصاد العراقي نتيجة توقف الصادرات النفطية.

ومن المؤسف أن يستمر تعطيل هذا الخيار رغم جاهزية خط الأنابيب الممتد إلى ميناء جيهان التركي، والذي يمتلك طاقة تصديرية تصل إلى نحو 900 ألف برميل يومياً، في حين يمكن للعراق أن يستأنف التصدير بحدود 300 ألف برميل يومياً من الحقول الاتحادية، إضافة إلى كميات النفط المنتجة داخل إقليم كردستان.

إن إدارة الثروة النفطية في العراق تخضع لنصوص المادتين (111) و(112) من دستور جمهورية العراق لعام 2005 التي تؤكد أن النفط والغاز ملك لكل الشعب العراقي وتدار من قبل الحكومة الاتحادية بالتعاون مع الأقاليم والمحافظات المنتجة بما يحقق أعلى منفعة للشعب العراقي.
ومن المهم الإشارة إلى أن تصدير النفط الخام خارج العراق يُعد من الصلاحيات السيادية التي تضطلع بها الحكومة الاتحادية من خلال وزارة النفط الاتحادية / شركة تسويق النفط العراقية ( SOMO )، وبما ينسجم مع الإطار الدستوري لإدارة الثروة النفطية في البلاد .
وعليه فإن اعتماد إقليم كردستان بشكل كبير على عائدات النفط كمصدر رئيسي لإيراداته المالية يقتضي تنسيقاً كاملاً مع الحكومة الاتحادية في ما يتعلق بعمليات التصدير والتسويق، لأن استمرار تعطيل التصدير أو ربطه بملفات أخرى قد يؤدي في النهاية إلى الإضرار بالمصالح الاقتصادية للإقليم نفسه، فضلاً عن الأضرار التي تلحق بالاقتصاد العراقي عموماً .
كما أن استمرار توقف التصدير عبر خط جيهان في هذه المرحلة لا يقتصر تأثيره على الخسائر المالية المباشرة فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى فقدان جزء من الحصة السوقية للنفط العراقي في الأسواق العالمية، وهو ما يشكل ضرراً طويل الأمد على الاقتصاد الوطني .
ان أي تأخير غير مبرر أو ربط لعملية التصدير بملفات أخرى قد يفتح الباب مستقبلاً أمام إشكالات مالية أو تعاقدية تتعلق بالخسائر المتحققة نتيجة توقف الصادرات، الأمر الذي يقتضي التعامل مع هذا الملف بروح المسؤولية الوطنية وبعيداً عن أي اعتبارات سياسية لا ترتبط مباشرة بعملية التصدير.

وعليه فإن استمرار توقف التصدير في هذه الظروف الاستثنائية يضر بالمصلحة الوطنية ويؤثر بشكل مباشر على الموارد المالية للدولة، الأمر الذي يقتضي تغليب المصلحة الوطنية والعمل على استئناف التصدير عبر ميناء جيهان بصورة عاجلة، على أن تتم مناقشة أي مسائل أو خلافات أخرى ضمن الأطر الدستورية والقانونية وبما يحفظ حقوق جميع الأطراف.

إن حماية موارد العراق النفطية واستقرار اقتصاده يجب أن تبقى أولوية وطنية في هذه المرحلة الحساسة.

جمال الأسدي

01/03/2026
24/02/2026

حدودنا مع الكويت ما هي جدار يفصل بين شعبين، بل جسر يربط عائلتين؛ حدودنا حدودهم وحدودهم هي حدودنا، وإن غيّرها الزمن وترسيم القوانين الدولية على الورق.
العمق الاستراتيجي للكويت ممتد في كل العراق، من البصرة للموصل، مثل ما أن العراق يحتاج الكويت كجار وشريك وخليج ثاني له.
وإذا كان القانون يرسم حدود البحر، فالتاريخ يرسم حدود الدم؛ ولو احتاجت الكويت يومًا سند من العراق، ستجد دماء رجاله فداءً للكويت وشعبها، مثل ما ننتظر من أشقّائنا نفس الموقف لو احتاج العراق.

جمال الاسدي

23/02/2026

إلى سماحة السيد عمار الحكيم (دامت بركاته)
بقية السيف، ووارث نهج عزيز العراق…

بمزيد من الحزن والعزاء، أرفع إلى مقامكم الشريف أحر التعازي في الذكرى السابعة عشرة لرحيل حجة الإسلام والمسلمين السيد عبد العزيز الحكيم (طيب الله ثراه)، هذا القائد الرسالي الذي عاش للعراق، وحمل همه في قلبه وعقله وروحه حتى آخر أنفاسه، وساهم مع بقية المخلصين في بناء العراق الجديد، والدفاع عن وحدة شعبه وهويته، وصيانة قراره الوطني وسيادته.

نستذكر في هذا اليوم المبارك من شهر رمضان مدرسة عزيز العراق في الإيمان بالمرجعية العليا صمام أمان العراق، وفي ترسيخ مبدأ الشراكة والاعتدال، والإصرار على أن تكون الدولة دولة مؤسسات وقانون، لا غلبة فيها ولا احتكار، بل تفاهم وتكامل ووحدة صف أمام التحديات الداخلية والخارجية.

وفي هذه المناسبة الجليلة، أجدد اعتزازي بأن وفقني الله لأن أكون أول وكيل قانوني لسماحة السيد عبد العزيز الحكيم في الدعوى الخاصة باغتيال الشهيد العلامة السيد محمد مهدي الحكيم (رضوان الله عليه)، خدمة للحق، ووفاء لدماء الشهداء، وانتماء لنهج آل الحكيم في الدفاع عن العراق وقضاياه العادلة.

سماحة السيد…

نعزيكم ونعزي أسرة آل الحكيم الكريمة، ومحبي عزيز العراق، وكل أبناء الشعب العراقي، ونسأل الله العلي القدير أن يمتعكم بطول العمر والتسديد، لتواصلوا حمل الأمانة التي تركها ذلك القائد الكبير، وأن يوفقكم لحفظ وحدة العراق، وتعزيز دولة المواطنة والمؤسسات، وصون القرار الوطني من كل محاولات الإملاء والانتقاص.

نسأل الله تعالى أن يتغمد الفقيد الكبير برحمته الواسعة، وأن يحشره مع محمد وآل محمد، وأن يجعل هذه الذكرى محطة لتجديد العهد بالسير على خطاه، وخدمة العراق وشعبه المضحي الأبي.

إنه سميع مجيب.

جمال الاسدي

21/02/2026

يمثّل السيد نوري المالكي أحد الأعمدة الأساسية في مسار تشكيل النظام السياسي بعد عام 2003، وبالتالي فإن التعامل معه بمنطق الإقصاء أو الغدر لا يعكس قوةً سياسية بقدر ما يكشف عن هشاشة في إدارة الخلافات.

وفي هذا السياق، فإن استمرار السيد المالكي في التمسك بموقفٍ محدد، مهما كانت مبرراته، قد لا يخدم بالضرورة صورة القائد ولا مكانته، خصوصًا في لحظات تتطلب مرونة سياسية تستوعب تعقيدات المرحلة وتوازناتها.

إن القيمة الحقيقية للقيادات الكبرى لا تُقاس بالمناصب التنفيذية، بل بقدرتها على التأثير الاستراتيجي، وضبط التوازنات، والمساهمة في استقرار المشهد العام.

ومن هذه الزاوية، قد يكون الدور الوطني الأوسع للسيد المالكي أسمى وارفع من أي موقعٍ حكومي محدد .

جمال الاسدي

02/02/2026

حين تهتز أمريكا ( درس إبستين للدول الهشّة ) ..
إبستين وما بعده: لحظة إعادة تموضع في نظام عالمي متغير ..

تعود قضية جيفري إبستين إلى شخصية لم تكن معروفة للرأي العام بوصفها فاعلًا سياسيًا مباشرًا، لكنها كانت حاضرة بعمق في كواليس المال والنفوذ داخل الولايات المتحدة وخارجها. إبستين، المولود في 20 كانون الثاني 1953 في مدينة نيويورك، كوّن ثروة كبيرة بطرق ظلّ كثير منها غير واضح، وبنى شبكة علاقات واسعة مع سياسيين ورجال أعمال وأكاديميين وشخصيات نافذة، قبل أن تنفجر قضيته بوصفه متورطًا في استغلال جنسي واتجار بالقاصرات.
في عام 2008 أُبرمت معه تسوية قضائية مثيرة للجدل في ولاية فلوريدا، جنّبته محاكمة قاسية، وهو ما كشف لاحقًا عن خلل بنيوي في كيفية تعامل النظام القضائي الأمريكي مع أصحاب النفوذ. أعيد اعتقاله عام 2019 على خلفية تهم اتحادية أشد خطورة، لكنه توفي في السجن في آب من العام نفسه عن عمر ناهز 66 عامًا، في حادثة صُنّفت رسميًا على أنها انتحار، ولا تزال تحيط بها شكوك سياسية وإعلامية واسعة.

الموضوع الذي عاد إلى الواجهة اليوم لا يتعلق بإبستين كشخص بقدر ما يتعلق بالوثائق المرتبطة بقضيته، والتي جرى رفع السرية عن أجزاء واسعة منها بقرارات قضائية ( ستة ملايين وثيقة كشف عن مليونين وسبعمائة )على خلفية دعاوى مدنية ، هذه الوثائق تشمل إفادات قضائية، وسجلات رحلات طائراته الخاصة، ودفاتر اتصالات، وصورًا ومراسلات شخصية.
خطورة هذه المواد لا تكمن في كونها لوائح اتهام جديدة، إذ إنها لا تتضمن أحكامًا قضائية أو إدانات مباشرة، بل في أنها كشفت شبكة العلاقات الاجتماعية والسياسية التي كان يتحرك داخلها إبستين، وهو ما جعلها ذات أثر سياسي وأخلاقي يتجاوز قيمتها القانونية.

الضجة التي أُثيرت حول القضية لم تنتج عن ظهور دليل جنائي حاسم، بل عن طبيعة ما كُشف من وثائق. فقد تضمنت الإفادات القضائية روايات ذُكرت فيها أسماء شخصيات نافذة أو ضمن أقوال الضحايا، من بينها الأمير أندرو، وبيل كلينتون، ودونالد ترامب. كما أسهمت سجلات رحلات طائراته الخاصة إلى جزر العذراء ومناطق أخرى في توسيع دائرة الجدل، إلى جانب إعادة تداول دفتر اتصالاته الذي ضم مئات الأسماء، وصور التُقطت له مع شخصيات مؤثرة في مناسبات خاصة، فضلًا عن رسائل ومراسلات أظهرت نمط علاقاته وسعيه الدائم لإبراز قربه من مراكز النفوذ. هذه المواد مجتمعة صنعت صدمة في الرأي العام لأنها عرّت حجم التشابك بين المال والسلطة داخل النخبة الغربية، وحوّلت وثائق ذات طابع اجتماعي وقضائي إلى قضية سياسية وأخلاقية كبرى.

أسباب نشر هذه الوثائق في هذا التوقيت لا يمكن فصلها عن السياق الداخلي الأمريكي، حيث تتقاطع سنة انتخابية محتدمة مع استقطاب سياسي غير مسبوق وتراجع واضح في ثقة الشارع بالمؤسسات ، حيث ان الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة تُجرى في منتصف ولاية الرئيس، ويجري فيها انتخاب كامل مجلس النواب وثلث أعضاء مجلس الشيوخ، إضافة إلى عدد من حكّام الولايات. هذا يعني أن نتيجتها قد تُحوِّل الرئيس من فاعل سياسي قوي إلى رئيس مُقيَّد أو “مشَلول تشريعيًا”، مع ملاحظة ان القاعدة التاريخية شبه الثابتة هي أن حزب الرئيس يخسر في الانتخابات النصفية ، وفي خسارته سيكون التأثير الحقيقي للانتخابات النصفية في السيطرة على الكونغرس. مما يعني تعطيل تمرير القوانين الكبرى وفتح تحقيقات برلمانية موسّعة وشلّ التعيينات العليا (قضاة، مسؤولين، سفراء) والاهم تحويل السياسة الداخلية إلى صراع يومي بين السلطتين التنفيذية والتشريعية ، وهنا تحديدًا تبرز أهمية الملفات الحساسة مثل قضية إبستين، لأنها تصبح مادة جاهزة للتحقيقات البرلمانية، والاستدعاءات، والتوظيف السياسي، حتى لو لم تُنتج إدانة قضائية ، بل ممكن تصل الى البدء في اجراءات عزله .

ونضيف الى مابيناه اعلاه ان الاستمرار في حجب الوثائق كان أكثر كلفة من كشفها، ليس بدافع تحقيق عدالة مكتملة، بل في إطار إدارة الأزمة وامتصاص الضغط الشعبي والإعلامي ، خاصة وان الكشف جاء من بوابة القضاء، لكنه في جوهره يعكس محاولة مؤسساتية لإظهار الاستجابة لمطلب الشفافية، حتى وإن لم يقضي ذلك إلى محاسبة حقيقية أو نتائج قانونية لاحقة.

اما على مستوى الداخل الأمريكي، أسهم هذا المسار في تعميق القناعة بوجود ازدواجية في تطبيق العدالة، حيث تُدار ملفات النخب عبر التسويات والتأجيل، بينما تُطبّق القوانين بصرامة على الفئات الأضعف من المجتمع .
هذا الإحساس لا يخدم التيارًات السياسية، بل يغذي حالة غضب عامة تستثمرها التيارات الشعبوية، ويُضعف الخطاب القائم على التفوق الأخلاقي الأمريكي .

في هذا الإطار، تُطرح انعكاسات القضية على المستوى الخارجي، ولا سيما ما إذا كانت إسرائيل تستفيد من هذا المسار خاصة مع وجود مؤشرات ازمة بين الادارة الامريكية والكيان الاسرائيلي في كيفية معالجة ازمات منطقة الشرق الاوسط مع التراجع الاستراتيجي الامريكي في وضع المنطقة وانكفائها الى غرب الكرة الارضية تطبيقاً لمبدأ مونرو المحدث .
بالنسبة للعراق والدول الاسلامية ناحية القراءة الواقعية للموضوع فان الدول الاسلامية استفادت بشكل غير مباشرة، من خلال انشغال الإعلام الغربي بفضيحة داخلية أخلاقية كبيرة، وما يرافق ذلك من إرباك في الخطاب الحقوقي الغربي وتراجع قدرته على ممارسة الضغط الأخلاقي في ملفات خارجية سبق وان استخدمها في اوقات كثيرة للنيل من سيادة الكثير من الدول ، وهذا ما يعكس طبيعة النظام الدولي حين تضعف معاييره وتتفكم في مراكزه الأساسية التي كان يستخدمها مما يعني اننا في مرحلة تحول كبرى للنظام العالمي الذي اصبح واضحاً بانه امسى ضعيفاً ومفكك .

أما فيما يتعلق بدونالد ترامب، فإن تأثير القضية عليه يبقى ملتبسًا ومتربكا .
فالوثائق لم تُنتج اتهامًا قانونيًا مباشرًا عليه ، وذكر الأسماء التي وردت في الوثائق .
وهذا بحد ذاته لا قيمة جنائية فيه لغاية الان لكنه سياسيًا، يحاول الخصوم في الحزب الديمقراطي او قد يكون الموساد بشكل غير مباشر توظيف القضية لتوسيع دائرة الشك حول النخبة التي ينتمي إليها ترامب .

خلاصة الموقف أن قضية إبستين، بصيغتها الحالية، لم تعد قضية جنائية بحتة، بل تحولت إلى اختبار سياسي وأخلاقي للنظام الأمريكي ، يكشف حدود العدالة حين تصطدم بالمال والنفوذ، ويُظهر كيف تُدار الأزمات داخل الدول الكبرى ،أثرها الحقيقي لا يكمن في ما أثبتته قانونيًا، بل في ما أضعفته من ثقة داخل المجتمع الأمريكي، وما أحدثته من ارتباك وتفكك في الخطاب الأخلاقي الغربي، وما فتحته من أسئلة عميقة حول قدرة النظام السياسي على محاسبة نفسه حين تكون المحاسبة مكلفة وهذا ستتبين اثاره بشكل ليس ببعيد على الداخل الامريكي .
ان العراق او المنطقة العربية او دول افريقيا او مايسمى في دول العالم الثالث اما تغير حتمي في النظام العالمي يتطلب من هذه الدول اعادة حسابتها في التعامل بما يسمى بالدول العظمى وتحديد بوصلاتها بشكل واضح حتى وان تعاملت ببرغماتية سياسية مع الولايات المتحدة ، لان امريكا اليوم ليست كامريكا امس والتاخر في تحديد المسارات اليوم سيضطر متاخراً تغيرها لاحقاً لكن مع خسارات اكبر .

جمال الاسدي

13/01/2026

المرجعية الدينية العليا ومعيار اختيار رئيس مجلس الوزراء ومسؤولية الكتلة الأكثر عددً …
من الامتناع عن تسمية الأسماء إلى إلزام القوى السياسية بالمعايير …

منذ عام 2003، دأبت المرجعية الدينية العليا والمتمثلة بسماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله)
في النجف الأشرف على تثبيت معادلة دقيقة في علاقتها بالسلطة السياسية، قوامها التحفّظ عن التدخل في تسمية الأشخاص، مقابل القيام بواجبها الشرعي والوطني في رسم الإطار العام الحاكم للاختيار.
وهي معادلة لم تُبنَ على موقف ظرفي أو ردّة فعل آنية، بل تبلورت عبر خطب وبيانات متراكمة، تحوّلت بمرور الوقت إلى ما يمكن وصفه بـ “الدستور الأخلاقي” لاختيار شاغلي المواقع التنفيذية العليا، وفي مقدمتها رئاسة مجلس الوزراء.
هذا المنهج لم يكن انعزالًا عن الشأن العام، ولا تخلّيًا عن المسؤولية، بل كان تعبيرًا عن فهم دقيق لتوزيع الأدوار:
فالمرجعية لا تحكم، ولا ترشّح، ولا تزاحم المؤسسات الدستورية، لكنها في الوقت ذاته لا تترك الشأن العام بلا ميزان، ولا تسمح بأن يُدار بمنطق الصفقات أو الغلبة أو الأمر الواقع.

وتأتي الرسالة المؤرخة في 10 / 1 / 2026، المنقولة عن سماحة السيد محمد رضا السيستاني، لتؤكد هذا المسار وتضع حدًا لأي التباس قد يُراد إحياؤه:

«سبق أن أوضحت المرجعية الدينية العليا أنها ترفض أن تطرح عليها أسماء المرشحين لموقع رئاسة مجلس الوزراء.
فلماذا إعادة المحاولة؟!»

وهذه العبارة، على وجازتها وقصرها ، ليست جواب اعتذار ولا تنصّل، بل جواب يحدد حدود الاختصاص.
فالمرجعية ترفض أن تتحول إلى جهة تسمية أو ترجيح بين الأسماء، لأنها ترى في ذلك تحميلًا لها ما لم تُكلَّف به شرعًا ولا دستورًا، لكنها في المقابل لم تترك فراغًا، بل ملأته بمعايير واضحة وصريحة، أعلنتها على الملأ، وكرّرتها عند كل منعطف، ووضعت القوى السياسية أمام مسؤوليتها الكاملة في الالتزام بها وكررتها في مواضع ومواقع وخطب وبيانات عدة ويمكن تلخيص هذه المعايير، من خلال تتبع خطبها وبياناتها، في جملة من الضوابط الأساسية باثنى عشر معياراً وكالاتي :-

المعيار الاول :- الكفاءة بدل المحاصصة .

في واحدة من أوضح خطبها خلال صيف 2015، حسمت المرجعية طبيعة المنصب التنفيذي بقولها:

«المناصب العامة ليست غنائم ولا استحقاقات انتخابية، وإنما هي مسؤوليات ينبغي أن تُسند إلى الأكفأ والأصلح.»
(خطبة الجمعة – 31 تموز 2015)

وبهذا النص، نزعت المرجعية عن رئاسة مجلس الوزراء صفة “الحق السياسي” أو “الاستحقاق العددي”، وأعادته إلى موقعه الطبيعي بوصفه تكليفًا مشروطًا بالكفاءة، لا ثمرةً للمحاصصة أو نتيجةً لتوازنات عابرة.

المعيار الثاني :- لا لإعادة تدوير الفشل

وفي ذروة الجدل حول “التغيير”، شددت المرجعية على أن التغيير الحقيقي لا يكون شكليًا، بقولها:

«التجارب السابقة أثبتت فشل كثير ممن تولّوا المسؤولية، ولا يصح إعادة تقديمهم بوجوه جديدة.»
(خطبة الجمعة – 14 آب 2015)

وهو موقف لا يعبّر عن رغبة في الإقصاء، بل عن حرص على منع تكرار الإخفاق، ووضع حدّ لإعادة إنتاج الفشل تحت عناوين جديدة.

المعيار الثالث :- النزاهة شرط سابق على السياسة

ولم تكتف المرجعية بالدعوة العامة لمحاربة الفساد، بل ربطت المنصب ابتداءً بالسجل الشخصي، حين قالت:

«لا بد من اختيار من عُرف بالنزاهة والاستقامة، وعدم التساهل مع الفاسدين مهما كانت مواقعهم.»
(خطبة الجمعة – 7 آب 2015)

وبذلك، جعلت النزاهة شرط أهلية، لا شعارًا يُرفع بعد التكليف ولا ملفًا يُدار سياسيًا.

المعيار الرابع :- الدستور حدّ السلطة

وفي سياق التحذير من الانزلاق نحو الفوضى أو الاستبداد، أكدت المرجعية:

«إن احترام الدستور والعمل في إطاره هو الضمان الأساس لمنع الاستبداد والفوضى.»
(خطبة الجمعة – 13 تشرين الثاني 2015)

وهو معيار يربط شرعية الأداء التنفيذي بالالتزام الصارم بالنص الدستوري، لا بتأويلات الضرورة ولا بمنطق الأمر الواقع.

المعيار الخامس :- الدولة وحدها تملك السلاح

وفي ما يتصل بالسيادة والأمن، كان موقف المرجعية واضحًا لا لبس فيه:

«لا بد أن تكون القوة بيد الدولة وحدها، وأن تُصان سيادة العراق من أي تجاوز.»
(خطبة الجمعة – 19 شباط 2016)

وهو تأكيد على أن استقامة القرار التنفيذي تبدأ من حصرية السلطة والسلاح، وصون الدولة من التعدد والتشظي.

المعيار السادس :- المؤسسات لا الأشخاص

ورفضت المرجعية مبكرًا نماذج الحكم الشخصاني، بقولها:

«الدولة لا تُبنى بالأفراد مهما كانت نياتهم، بل بالمؤسسات الدستورية الراسخة.»
(خطبة الجمعة – 4 أيلول 2015)

وفي ذلك قطع للطريق على فكرة “الرجل المنقذ”، وتأكيد على أن بقاء الدولة مرهون بالمؤسسات لا بالأشخاص.

المعيار السابع :- الجرأة على القرار لا الشعبوية

وحين طالبت بالإصلاح الحقيقي، ربطته بالشجاعة السياسية:

«الإصلاح الحقيقي يتطلب قرارات شجاعة قد لا تحظى بالقبول الآني، لكنها ضرورية.»
(خطبة الجمعة – 11 أيلول 2015)

فالمعيار هنا ليس مستوى الرضا اللحظي، بل القدرة على اتخاذ القرار الصحيح وإن كان مكلفًا.

المعيار الثامن :- الأفعال قبل الشعارات

وفي نقد مباشر للخطاب الإنشائي، قالت المرجعية:

«كثرة الكلام عن الإصلاح لا قيمة لها ما لم تُقترن بخطوات عملية واضحة.»
(خطبة الجمعة – 23 تشرين الأول 2015)

وهو ميزان عملي لتقييم البرامج والمرشحين، بعيدًا عن اللغة الإعلامية.

المعيار التاسع :- تحمّل المسؤولية

وفي توصيفها لطبيعة المنصب التنفيذي، أكدت:

«من يتصدّى للمسؤولية عليه أن يتحمّل تبعاتها، ولا يصح تعليق الإخفاق على الآخرين.»
(خطبة الجمعة – 30 تشرين الأول 2015)

فالمنصب، وفق هذا الفهم، تكليف كامل لا يُجزّأ، ومسؤولية لا تُرحّل.

المعيار العاشر :- المواطن أولًا

وفي ملف الخدمات والكرامة الإنسانية، كان موقف المرجعية حاسمًا:

«توفير الخدمات الأساسية للمواطنين وحفظ كرامتهم من أولى واجبات الدولة.»
(خطبة الجمعة – 28 آب 2015)

المعيار الحادي عشر :- لا لسياسات الإفقار

وفي الشأن الاقتصادي والاجتماعي، حذّرت المرجعية من الخيارات التي تُرهق الفئات الأضعف:

«أي سياسة تزيد من معاناة الفقراء وتوسّع الفجوة الاجتماعية هي سياسة خاطئة.»
(خطبة الجمعة – 6 أيار 2016)

المعيار الثاني عشر :- رئيس وزراء لكل العراقيين

وختمت المرجعية الإطار الوطني الجامع بقولها:

«المسؤول التنفيذي الأعلى يجب أن ينظر إلى جميع العراقيين على قدم المساواة دون تمييز.»
(خطبة الجمعة – 26 آب 2016)

إن رسالة 10 / 1 / 2026 لا تعني انسحاب المرجعية من الشأن العام، بقدر ما تعني إعادة تثبيت حدود الدور ومنع الخلط بين المسؤوليات.
فالمرجعية:
• لم ولن تسمّي أشخاصًا،
• ولم تقبل أن تكون طرفًا في التنافس السياسي،
• لكنها في المقابل سمّت المعايير، وكرّرتها، ووضعت القوى السياسية أمام مسؤوليتها الأخلاقية والوطنية في الالتزام بها .

وعليه، فإن مسؤولية الكتلة الأكثر عددًا لا تكمن في البحث عن “مباركة”،
بل في اختيار مرشح يمكن الدفاع عنه أمام هذه المعايير،
لأن الإخفاق في الاختيار، بعد كل هذا الوضوح، لم يعد التباسًا في الرؤية، بل مسؤولية سياسية كاملة.

جمال الاسدي

10/01/2026

المطلبيات الصغيرة قد تهدم المصالح الكبيرة ..
تأخر وعشوائية الاصلاحات يقود حتماً للانفجارات الشعبية ..

بهلاهل وفرح غامر وبتحليلات تقودها الافكار العاطفية قبل المنطقية وبمنظومة اعلامية موجهة بفكر الاستعلاء الغربي الذي يريد اخضاع كل ما يسير عكس توجهاته الايدلوجية او الدينية او الاستحواذية .
نرى بوضوح توجيه البوصلة الاعلامية المحلية او غيرها نحو ايران ليس حباً بالشعب الايراني او تجربته بل كرهاً بالنظام الاسلامي في ايران وطريقة ادارته التي تبني نفسها باستقلالية وعدم خضوع لتفكير المنظومة الغربية ، أو نرى توجيه البوصلة لتنتظم مع النفس الطائفي الكاره لنجاح او تماسك اي تجربة شيعية للحكم في المنطقة .
النظام الايراني لم يبنى بالصدفة او بالاستعانة بالخارج او بانقلاب عسكري بل بتسلسل طبيعي واجتماعي وتراكمي ومن القاعدة الى الاعلى ومن الريف الى المدينة فنشوء الثورة الإسلامية في إيران عام (1979) لم يبنى على فراغ او على منشورات لمأجورين في صفحات التواصل الاجتماعي او اسرى فكرياً لمشاريع الاخرين .
بقليل من المراجعة قبل الثورة الاسلامية في ايران نظام الشاه (1941–1979) حصلت مرحلتين لنظام الشاه الاولى هي عندما حكم إيران محمد رضا بهلوي بسلطة مركزية قوية اعتمدت على جهاز أمني قمعي (السافاك) في المرحلة الاولى واتمها في تحديث اقتصادي سريع وغير متوازن مع تحالف وثيق مع الولايات المتحدة وبريطانيا في المرحلة الثانية .
مما أدى إلى فجوة طبقية، وتهميش قوى دينية واجتماعية كبيرة في ايران .
فاسباب الثورة ابتدأت بما يسمى الثورة البيضاء” عام (1963) حين عمد الشاه الى إصلاحات فوقية متمثلك بإصلاح زراعي وعلمنتة وتوسيع دور المرأة.
مما اعتبرها رجال الدين انذاك الى تهديدًا للهوية الإسلامية وتعزيزًا للنفوذ الغربي .
هذا التحديث القسري وصدمة الهوية للمجتمع الايراني في علمنة القانون والتعليم وتغريب النخب وتوسيع نمط الاستهلاك الحضري .
هذا ادى نشوء فجوة بين “إيران الرسمية” و“إيران الاجتماعية” باعتبار ان هذا التحديث لم يكن بشكل ديمقراطي مع تهميش الريف والذي صدم الهوية الدينية والتقليدية لديهم .
مما ادى لتراكم السخط الشعبي لكن بشكل صامت ، هذا السخط الشعبي للطبقة الفقيرة الذي يرى توزيع ثروة النفط بلا عدالة ، رغم الطفرة النفطية (1973) لكنها ادت الى تفاقم التضخم وتركز الثروة بيد النخبة وتوسعت الأحياء الفقيرة حول المدن .
كما ان الطبقة الوسطى التي تعتبر طبقة متعلمة ترى نفسها بلا تمثيل سياسي ومحبطة نتيجة ماذكرناه اعلاه .
هذا كله ادى الى الانفجار الثوري (1978–1979) والذي بدأ بشرارة المقال المسيء للامام الخميني رحمه الله في صحيفة حكومية رسمية (كانون الثاني 1978) ، ومن ثم توسعت في احتجاجات مدينة قم “الجمعة السوداء” – ايلول 1978 التي اطلق النار فيها على المتظاهرين في ساحة جالة بطهران مما ادى الى سقوط عشرات القتلى وبهذا الفعل ادى الى انهيار ما تبقى من شرعية النظام.
ليؤدي ذلك الى الإضراب العام الذي شمل قطاعات النفط والمصارف والمواصلات وهذا ادى الى شلّ الدولة اقتصاديًا وإداريًا.

هذا النظام لم يأتي عن فراغ بل عن احتجاجات وتراكمات وتزاوج لاشكال من المعارضات واندماج لمطالب طبقات مجتمعية مختلفة ادت الى ثورة ليست ثورة فجائية بل نتيجة تراكم 15–20 سنة.
جمعت بين الغضب الاجتماعي والقيادة الدينية والتنظيم الشعبي.

بالرغم من ان دولة الشاه كانت قوية إداريًا وأمنيًا، لكنها منفصلة عن المجتمع، بلا قنوات تمثيل أو امتصاص غضب .
نظام الجمهورية الاسلامية بني على قناعات شعبية كبيرة تأسست ببطئ ، وانفجرت بالتسلسل وبنت تجربتها بتصاعد .
النظام الايراني لم يكم وليد صدفة ولم يعش على الادامة الخارجية ، وتعرض الى اهتزازات كثيرة وكبيرة وضغوط لايتحملها اي نظام بالعالم .
الاحتجاجات الداخلية ناتجة عن اثارات ودعم خارجي مدروس ومخطط له ، مع قدم واختلال نظم الادارة الداخلية في ايران قياساً بالتطور الحاصل بجوارها او في المنطقة او في العالم .
ايران داخلياً ارتكبت اخطاء كما في خارجها لكن بالمحمل هذه الاخطاء تعد في قياس المقبول قياساً على كل الظروف التي مرت بها منذ الثورة الاسلامية في عام 1979 الى اليوم .
جذور النظام وبناءته الراكزة لاتهدم بسهولة او باحتجاجات مطلبية هنا او هناك .

وبمراجعة بسيطة للاحتجاجات خلال العقدين السابقين في ايران سنرى بوضوح ان الاحتجاجات الحالية هي بالسياق الطبيعي باعمار الشعوب والاجتماعات البشرية في الامم وليست ذات خطر محدق على النظام وكالاتي :-
1- عام 1999 (احتجاجات الطلبة) كانت قصيرة ومركّزة، واستمرت نحو 6 أيام، وكانت أول صدام سياسي واسع بعد الحرب مع العراق.
2- عام 2009–2010 (بما يسمى الحركة الخضراء) وهي احتجاج سياسي منظم، استمر نحو 6 أشهر مع آثار سياسية حتى 2010، وشهد أكبر حشد مركزي.
3- عام 2017–2019 (احتجاجات اقتصادية + البنزين) كانت بموجات معيشية متتابعة؛ 2017 استمرت أسابيع، واحتجاجات البنزين 2019 كانت الأقصر (7–10 أيام) لكنها الأشد عنفًا وتاثيراً وبمناطق مختلفة .
4- عام 2022–2023 احتجاجات (مهسا أميني) كانت الأطول والأوسع اجتماعيًا، ذروتها 4–5 أشهر مع آثار امتدت قرابة عام كامل، وتحولت إلى تحدٍ مباشر لشرعية النظام .

لكن مع كل ماذكرناه بقوة وثبات وتماسك النظام احتوائه للاحتجاجات لكن في نفس الوقت يجب ان يتم مراجعة اسباب الاحتجاجات الشعبية في ايران بمنظور مختلف لان هناك اوجه شبه باسباب الاحتجاجات حتى مع اسبابها عند الثورة الاسلامية وكالاتي :-

• أزمة شرعية عميقة.
• اقتصاد منهك.
• فجوة بين الدولة والمجتمع.
• جيل شاب غاضب.
• شعارات تتجاوز الإصلاح.

لكن مع أوجه الاختلاف وهي الاهم وهي التي تغير الموازين وهي التي تغير المعادلات الكبيرة والتي تفتقد الى عناصر مهمة ومنها :-

1 - القيادة
• 1978: قيادة موحدة (الخميني) فاليوم: لا قيادة مركزية، لا مرجعية جامعة بل احتجاجات مطلبية صفيرة قياساً بالاهداف الكبيرة للجمهورية الاسلامية .
2- المؤسسة الدينية
عام 1978 كانت في صف الشارع اما اليوم فهي السلطة نفسها.
3- الجيش والأمن
عام 1978 كان في حياد تدريجي اما اليوم فهو جيش متماسك عقائدياً ومرتبط بالنظام بشكل قوي.
4- الموقف الأمريكي
عام 1978 كان حليف للنظام وخصم للشعب اما اليوم فهو خصم للنظام، بلا قدرة على إسقاطه وانما في خلق الظروف لمضايقته من اجل اخضاعه .
5- التنظيم
عام 1978 كان التنظيم في المساجد + البازارات + إضراب عام.
اما اليوم احتجاجات مطلبية حقه وشجاعة مع دوافع خارجية واضحة لاغراض ومصالح تصب في مصلحة اضعاف النظام ، لكن بلا شلل اقتصادي شامل وباستمرار الحياة الطبيعية .

ان ما يجري اليوم في إيران يشبه 1978 في الغضب،
لكنه لا يشبهها في شروط تغيير الانظمة .
لان النظام اليوم تعلّم من 1979 ان يسيطر على الدين والسلاح والاقتصاد.
وان الشارع الايراني العام والذي يمثل اكثر من 80 ‎%‎ منه أكثر وعيًا وانتباهاً وحرصاً على التجربة الايرانية ذات الصناعة المحلية بامتياز .
بالرغم من ان هذه الاحتجاجات ستؤدي الى استنزاف طويل وتغيّرات تراكمية، أو تحوّل داخلي مفاجئ من داخل النظام نفسه لتغيير بعض السياسات لتلائم المستحدثات الطبيعية الحاصلة في الداخل او الخارج .

الاحتجاجات في ايران مؤشر اصفر لنظام الحكم في العراق باعتبار ان هناك تشابه بالظروف وحتى في الاجتماعات البشرية الموجودة بالعراق وايران لا بل حتى في الاطماع الخارجية او الاهمية الجغرافية او الاقتصادية او الثروات او الظروف .

جمال الاسدي

08/01/2026

الاستراتيجية الأمريكية الجديدة من الانكفاء إلى الحسم الانتقائي ..
العراق خارج دائرة الحرب… وداخل دائرة التأثير ..

تقوم الاستراتيجية الأمريكية للأمن القومي الصادرة في نوفمبر 2025 على مبدأ جوهري مفاده أن الولايات المتحدة لم تعد معنية بإدارة النظام الدولي أو الانخراط في حروب مفتوحة طويلة الأمد، لكنها في الوقت نفسه لن تتردد في استخدام القوة عندما تُمسّ مصالحها الحيوية مباشرة. هذا التحول لا يعني انسحابًا أو تراجعًا، بل يعكس انتقالًا محسوبًا من الانتشار الواسع إلى الضربات الانتقائية والحسم الموضعي.

وتُعدّ هذه الاستراتيجية وثيقة رئاسية أقرّها رئيس الولايات المتحدة، وأُعدّت داخل مؤسسات الأمن القومي، من دون أن تخضع لمصادقة الكونغرس. ورغم أنها ليست قانونًا بالمعنى التشريعي، فإنها تمثل أعلى وثيقة توجيهية ملزمة للسلطة التنفيذية، وتتحول مضامينها إلى سياسات فعلية عبر الأوامر التنفيذية، والموازنات العامة، وبرامج العمل الحكومية.

ويقوم جوهر الاستراتيجية على إعادة ترتيب الأولويات الجغرافية وفق مفهوم الاختيار والتركيز، انطلاقًا من قناعة أمريكية بأن محاولة إعطاء الوزن نفسه لكل الساحات تؤدي إلى استنزاف الموارد وفقدان القدرة على الحسم.

فقد تصدّر نصف الكرة الغربي قائمة الأولويات بوصفه المجال الحيوي المباشر للولايات المتحدة، مع إعادة إحياء عقيدة مونرو بصيغة جديدة تهدف إلى منع أي نفوذ معادٍ أو سيطرة خارجية على الأصول والمواقع الاستراتيجية في هذه المنطقة. وفي المرتبة التالية جاءت آسيا والمحيط الهادئ، باعتبارهما مسرح التنافس الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري الأساسي، مع تركيز خاص على احتواء الصين ومنع السيطرة على الممرات البحرية الحيوية.

أما أوروبا، فقد جرى التعامل معها بمنطق الدعم المشروط، مع تحميل الدول الأوروبية مسؤولية أكبر عن أمنها، والدفع باتجاه إنهاء النزاعات الممتدة التي تستنزف الموارد. وفي الشرق الأوسط، اتجهت الاستراتيجية إلى خفض الانخراط العسكري المباشر أو إعادة الانتشار الواسع للقوات، مع التشديد على منع هيمنة أي قوة معادية على مصادر الطاقة أو المضائق الاستراتيجية، وتشجيع التسويات الإقليمية بعيدًا عن منطق “الحروب التي لا نهاية لها”. وفيما يخص أفريقيا، ركزت الاستراتيجية على الانتقال من منطق المساعدات إلى منطق الاستثمار والتجارة، مع تجنب التورط العسكري طويل الأمد.

ويعكس هذا الترتيب بوضوح طبيعة الانكفاء الأمريكي الجديد؛ فالاستراتيجية لا تعلن انسحابًا من العالم، لكنها تقوم على تقليص التدخل العسكري المباشر، ونقل أعباء الأمن إلى الحلفاء، وتوسيع استخدام أدوات الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والعقوبات بوصفها وسائل القوة الأساسية، مع حصر التدخل العسكري بالحالات التي تُهدَّد فيها المصلحة القومية الأمريكية المباشرة.

وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة ما جرى في فنزويلا، ولا التعامل مع حادثة السفينة الروسية، ولا التطورات في اليمن ولبنان، بوصفها أحداثًا منفصلة أو ردود أفعال عشوائية. بل هي تعبيرات مختلفة عن تطبيق عملي لمنطق استراتيجي واحد يقوم على حماية المجال الحيوي، وضبط خطوط التجارة والطاقة، والضغط على الخصوم دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

فالتحرك الأمريكي في فنزويلا يعكس أولوية نصف الكرة الغربي في الاستراتيجية الجديدة، حيث يُنظر إلى هذا الإقليم بوصفه ساحة لا يُسمح فيها بترسّخ نفوذ معادٍ أو تهديد مباشر للمصالح الأمريكية. أما التعامل مع السفينة الروسية، فيندرج ضمن سياسة الردع والضغط القانوني والاقتصادي والبحري، في إطار تجنّب الصدام العسكري المباشر مع القوى الكبرى، مع إبقاء الرسائل الاستراتيجية واضحة.

وفي الشرق الأوسط، وتحديدًا في اليمن ولبنان، يتجسد جوهر الاستراتيجية في خفض الانخراط العسكري المباشر مقابل إدارة الصراعات عبر أدوات غير تقليدية. ففي اليمن، يرتبط السلوك الأمريكي بأمن الملاحة الدولية والممرات البحرية، لا بإعادة تشكيل موازين السلطة الداخلية. وفي لبنان، يقتصر الدور الأمريكي على الاحتواء السياسي والدبلوماسي ومنع توسّع النزاع، مع تجنّب أي تورط عسكري مباشر.

وينسحب المنطق ذاته على تحركات الأساطيل الأمريكية في الخليج العربي، إذ لا يمكن اعتبار هذه التحركات مؤشرًا تلقائيًا على قرار بالحرب على إيران. فالحشد البحري، وفق منطق الاستراتيجية الأمريكية، هو أداة ردع ورسالة سياسية وضبط إيقاع، لا تمهيدًا حتميًا لمواجهة مفتوحة، ولا يُفعَّل الخيار العسكري المباشر إلا في حال تعرّضت المصالح الأمريكية الحيوية أو أمن الطاقة والملاحة لتهديد واضح ومباشر.

وفي ما يخص العراق، فإن المقاربة الأمريكية لا تنطلق من التدخل المباشر في تشكيل الحكومات أو فرض خيارات سياسية بعينها ، بقدر ما تقوم على ربط مستوى الشراكة مع بغداد بدرجة الاستقرار المؤسسي، وانتظام المسار الدستوري، وقدرة الدولة على إدارة القرار السيادي. وهو ما يختلف جذريًا عن الصورة التي يحاول بعض الإعلام المدفوع أو المؤدلج ترسيخها ، حين يُصوَّر الموقف الأمريكي وكأنه مسعى لتغيير موازين القوى الداخلية عبر الضغط الإعلامي أو التلويح السياسي او الضجيج السياسي ، وان على الداخل العراقي ان لا يقرأ ذلك قراءة متعجلة .

وفي هذا الإطار، فإن التصريحات أو التغريدات التي تظهر بين الحين والآخر لبعض أعضاء الكونغرس، مثل جو ويلسون أو غيره، لا تعبّر بالضرورة عن الإرادة الحقيقية للإدارة الأمريكية أو عن جوهر استراتيجيتها الرسمية، بل تمثل مواقف فردية أو رسائل سياسية مدفوعة الغرض، تُستخدم للتأثير في الرأي العام أو الضغط على القرار الداخلي العراقي، من دون أن تكون ملزمة أو معبّرة عن توجهات السلطة التنفيذية في واشنطن.

وخلاصة المشهد أن ما يبدو سلسلة تحركات متفرقة هو في الواقع تطبيق متماسك لاستراتيجية واحدة تقوم على الانكفاء الشكلي، والحسم الانتقائي، والردع دون حرب، والتأثير دون إدارة مباشرة. وهي معادلة تفرض على دول المنطقة، ومنها العراق، أن تقرأ التحولات الأمريكية لا بمنطق الفراغ أو الخسارة، بل بمنطق إعادة التموضع في نظام دولي يعاد تشكيله بقواعد جديدة وهذا يجيب على السؤال الذي يقول ماذا تريد واشنطن فان الوقائع تقول (( لا حرب كبرى ولا انسحاب شامل )) .
فالعراق بعد 2025 بالتاكيد سيذهب الى نهاية الوصاية وبداية التأثير ، ان استثمر واستغل ظروف المرحلة وحدد مساراته بوضوح وبدون عناد وتعادي أو خضوع أوخنوع ..


جمال الأسدي

Address

زيونة
Baghdad
10091

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when جمال الاسدي posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Contact The Business

Send a message to جمال الاسدي:

Share