24/10/2025
وجوه غائبة وملفات مفتوحة: محامٍ على جبهة إنسانية لا تنتهي
في العامين الأخيرين وجدتُ نفسي أقف في أكثر الأماكن هشاشةً بين القانون والوجع، بين نصوص العدالة وواقعٍ لا يشبه العدالة في شيء. منذ أن بدأت عملي كمحام لحقوق الانسان في سنة 2012 تغيّر كل شيء. لم تكن القضية مجرد استشارات قانونية أو مرافعات في قاعات المحاكم؛ لقد أصبحت معركة يومية من أجل حياة، من أجل كرامة، من أجل إنسان.
ومع اندلاع الحرب على غزة، انفجرت في وجهي مسؤوليات لم أتخيّل ثِقلها. تابعت الاف الحالات الإنسانية والطبية لأسرى من الضفة الغربية وقطاع غزة، رجالاً ونساءً وأطفالاً، كلٌ منهم يحمل خلف القضبان قصةً مثقلة بالخوف والمرض والغياب عن عائلة تنتظر خبراً واحداً يطمئنها بأنّهم ما زالوا هناك… ما زالوا أحياء.
كل ملفّ كنت أمسكه، كان يدقّ في داخلي باباً من الألم. لم يعد الإرهاق جسدياً فحسب؛ بل صار الإرهاق نفسياً وروحياً. أخشى أحياناً أن أعتاد الألم، أن أصبح غير قادر على التعاطف… لكنّ كل دمعة أم تنتظر ابنها كانت تذكّرني أنّ مشاعري هي جزء من معركتي، وأن تبلّد القلب هو الهزيمة التي لا يجوز أن نصل إليها.
اليوم، ومع أن أصوات الحرب خفتت نسبياً، لم ينتهِ العمل كما يتخيّل البعض. الحرب تركت ظلالها الثقيلة خلف القضبان، وخلّفت أسئلةً أكبر من قدرة أيّ مسؤول قانوني على الإجابة: أين المختفون؟ أين من اقتيدوا ولم يعد أحد يعرف عنهم شيئاً؟
أصبحنا نعمل في مسارين متوازيين:
ندافع عن الأسرى الذين نعرف مكانهم،
ونبحث عن أولئك الذين يصرّ الاحتلال على إنكار وجودهم.
إنه الإخفاء القسري… الجريمة التي لا تحتاج إلى سلاح لتقتل، يكفي فيها أن تقتلع إنساناً من حياته وتترك عائلته في فراغ لا فهم له ولا نهاية.
نحن نكمل العمل… لأن الحرب لم تتوقف داخل الزنازين.
نواصل طرق الأبواب، ملاحقة السجلات، جمع الشهادات، انتزاع الحقيقة من بين جدران صامتة.
نواصل لأن لدينا واجباً أمام كل أم معلّقة بين الدعاء والخوف، أمام كل طفل يسأل عن أبيه ولا يجد جواباً.
أحياناً أسأل نفسي: إلى أين يصل الإرهاق؟
لكنّي أعود لأتذكّر أنّ هذا الطريق لم نختره صدفة. اخترناه لأن خلف كل اسم في ملفّ… هناك إنسان.
ولأن الاستسلام ليس خياراً حين تكون العدالة معلّقة على عاتقك.
سنستمر — حتى تكون الحرية حقيقة لا مطلباً.
سنستمر — حتى يعود كل مفقود إلى حضن عائلته.
سنستمر — لأن فلسطين تستحق منّا أن نبقى واقفين رغم التعب.
بقلم ✍️: المحامي بلال هاني صبيحات - تشرين الأول 2025
*يسمح مشاركة المقال كما هو بدون زيادة او نقصان*
*يمنع نسخ المقال او نسبه الى أي شخص اخر*