12/08/2026
⚖️ رهبة المترافع المبتدئ… لا تخجل من ارتجاف البدايات
في بدايات الترافع، لا تكون الرهبة ضعفًا بقدر ما تكون انعكاسًا طبيعيًا لهيبة المنصة، وثقل المسؤولية، ووعيٍ مبكر بأن الكلمة التي ستقولها قد يكون لها أثرٌ في حرية إنسان ومستقبله.
وأكاد أقول لكل محامٍ شاب يقف للمرة الأولى أمام محكمة الجنايات:
لا تخجل من رهبتك… ولكن لا تستسلم لها.
فأغلب من تراهم اليوم ثابتين أمام المنصات كانت لهم يومًا مرافعة أولى، وقلبٌ يخفق، ويدٌ تقلب الأوراق أكثر مما ينبغي، وعقلٌ يخشى أن تتبخر منه الكلمات بمجرد أن يسمع:
«يتفضل الدفاع…»
تبدأ الرهبة من أشياء كثيرة…
من هيبة القاعة ذاتها،
ومن نظرات الحاضرين،
ومن الخوف من نسيان ترتيب الأفكار،
ومن ضخامة ملف القضية وتشعب وقائعه،
ومن سؤالٍ مفاجئ تخشى ألا تجد له جوابًا،
ومن إحساسك بأن الجميع يراقب كلماتك وينتظر منك ألا تخطئ.
لكن أول ما ينبغي أن تعرفه:
المحكمة لا تنتظر منك الكمال.
لا أحد يطلب من المترافع المبتدئ أن يقف في أولى مرافعاته كمن أمضى ثلاثين عامًا أمام محاكم الجنايات.
ولا تجعل مشاهدة كبار المترافعين سببًا في إحباطك؛ فأنت ترى أمامك حصيلة سنواتهم… ولا ترى ارتباك بداياتهم.
ثم إن الثقة في الترافع لا تأتي بقرار.
لا تستطيع أن تقول لنفسك صباحًا: سأكون واثقًا اليوم، فتتحول فجأة إلى مترافع متمكن.
الثقة تُبنى.
قضية بعد قضية…
وجلسة بعد جلسة…
وخطأ تتعلم منه…
وسؤال يفاجئك اليوم، فلا يفاجئك غدًا.
ومع مرور الوقت ستكتشف حقيقة مهمة:
أن أكثر ما كان يخيفك لم يكن المحكمة…
بل خوفك من ألا تكون مستعدًا.
وهنا يأتي سر الثبات الحقيقي: الإعداد.
اقرأ القضية حتى تعرفها أكثر مما تعرف ترتيب مرافعتك.
افهم الدفع قبل أن تحفظ عباراته.
حدد النقاط التي تريد إيصالها.
اكتب رؤوس أفكارك، ولا تجعل نفسك أسيرًا لنص طويل تخشى أن تنسى منه كلمة.
فالمترافع الذي يحفظ الكلمات يخشى النسيان…
أما الذي يفهم الفكرة، فإذا نسي عبارةً صنع غيرها.
ومع التجربة ستتحول الرهبة تدريجيًا إلى يقظة،
والتوتر إلى تركيز،
والخوف من المقاطعة إلى قدرة على الحوار،
والانشغال بشكل المرافعة إلى اهتمامٍ بجوهرها.
وستأتي عليك لحظة تدخل فيها القاعة نفسها التي كانت تربكك، وتقف أمام المنصة ذاتها، ثم تتذكر ابتسامةً تلك الأيام التي كنت تخشى فيها مجرد الوقوف.
لكن احتفظ بشيءٍ واحد من رهبة البدايات…
احترام المنصة واستشعار أمانة الدفاع.
فأنا لا أرى أن المترافع الجيد هو من فقد الرهبة تمامًا؛ بل من استطاع بعد سنوات الخبرة أن يحوّلها من خوفٍ يشلُّه إلى مسؤوليةٍ توقظ عقله.
وإلى كل زميل في أول الطريق:
لا تقارن مرافعتك الأولى بمرافعة غيرك بعد مئات القضايا.
ابدأ…
وأخطئ…
وتعلم…
واقرأ…
واستمع…
وترافع كلما أتيحت لك الفرصة.
فالمترافع لا تصنعه الكتب وحدها، ولا المحاضرات، ولا مشاهدة المرافعات…
المترافع تصنعه المنصة.
وما يبدو لك اليوم رهبةً ثقيلة، قد يصبح غدًا حضورًا وثباتًا وخبرة.
كل مترافعٍ كبير كان يومًا مترافعًا مبتدئًا…
والفارق أن بعضهم خاف من المنصة فابتعد عنها، وبعضهم صعد إليها مرارًا… حتى أصبحت جزءًا من تكوينه. ⚖️