20/02/2021
العواصم من القواصم ؛
عقب تعيني بالنيابة العامة توجهنا الي مركز الدراسات القضائية بالعباسية في دورة معاوني النيابة العامة ،
وفي سكشن بهذه الدورة شرفنا بمعالي المستشار حلمي بك خليفة النائب العام المساعد في ذلك الوقت ، وبدا سيادته السكشن بأخذ الغياب للسادة أعضاء النيابة بالسكشن ، وقد قرر أن يتعرف علي أعضاء النيابة فنيا بطريقته الخاصة ، فأمسك ورقة مدون بها اسماء اعضاء النيابة بهذا السكشن وكان ينادي علي اسماء الزملاء بالترتيب . فلان بك . فيقوم الزميل وقوفا إجلالا لمعالي المستشار قائلا ؛ افندم معاليك، فيسأله معالي النائب العام ؛ سعادتك في نيابة ايه ؟ فيجيب نيابة كذا ( وكان جميع الاعضاء بهذا السكشن من المعينين بنيابات القاهرة والجيزة ) ثم يسأله معالي النائب العام المساعد سؤالا مبسطا التزم به في سؤاله للجميع وهو ؛ تقدر تفرق لي بين الفاعل والشريك ؟ فيجيب الزميل إجابة مختصرة وربما مبتسرة ، ثم يأمره بالجلوس وينادي علي الزميل التالي له بالكشف .
وكان رقمي في هذا الكشف متأخرا باعتباره كشفا قد تم إعداده بالترتيب الأبجدي للسادة الاعضاء ، وجاء دوري متأخرا . مؤازر بك ؟ فقمت وقوفا مرددا عبارة افندم معاليك . فسألني ؛ سعادتك نيابة ايه ؟ فقلت لسيادته ؛ نيابة الدقي معاليك . ثم سألني نفس السؤال وهو : تقدر تفرق لي بين الفاعل والشريك ؟ فأجبته الإجابة التالية :
لكي نفرق فيما بين الفاعل والشريك فعلينا أن نلتزم النهج التشريعي ، حيث عرفهما المشرع في المادتين 39 ، 40 من قانون العقوبات ، لما نص في المادة 39 علي تعريف الفاعل بأنه ( ورفعت يدي لأعد باصابعي حالات الفاعل ) 1 من يرتكبها وحده ، 2 أو مع غيره ، 3 من يدخل في ارتكابها إذا كانت تتكون من جملة أعمال فيأتي عمداً عملاً من الأعمال المكونة لها . وفي هذه الحالة الثالثة بالبند 2 من هذه المادة فقد أوضحت المذكرة الإيضاحية أن المقصود من الأعمال المكونة للجريمة هي الأعمال التي تعد أعمالا تنفيذية وفقا لقواعد الشروع ، ومن ثم فإن كافة الأعمال التحضيرية لا ترتقي بصاحبها الي مصاف الفاعل .
( ثم رفعت الاصبع الرابع وقلت ) ثم فوجئنا بمحكمة النقض في السبعينات تعتنق نظرية فقهية وهي نظرية الفاعل المعنوي مضيفة لحالات الفاعل بالقانون المصري حالة رابعة وهي ما يعرف بالفاعل المعنوي ، إلا أن محكمتنا العليا لما تنبهت بعد فترة زمنية قصيرة ( ربما لم تتجاوز العامين ) الي عدم الحاجة لتبني هذه النظرية وذلك لما هو منصوص عليه بالمادة 42 من قانون العقوبات المصري والذي يغنينا تماما عن الحاجة الي هذه النظرية فقد عدلت عنها ( واعدت اصابع يدي من اربعة أصابع الي ثلاثة ) .
ثم رفعت الاصبع الرابع مرة أخري وقلت ؛ ثم فوجئنا بعد ذلك بمحكمتنا العليا تخرج علينا بمصطلح يطرق مسامعنا للمرة الأولي وهو مصطلح ( مسرح الجريمة ) وقضت بأنه ( إذا كان دور الجاني مهما بالنظر الي خطة الجريمة والي توزيع ادوار الجناة فيها ، واقتضي ظهوره علي مسرح الجريمة ، فإنه يعد فاعلا ، حتي ولو كان عمله تحضيريا وفقا لقواعد الشروع !
وبالرغم من أن هذا الحكم وما سنه من مبدأ قضائي يعد تجاوزا صارخا من ناحية أنه أضاف حالة رابعة لحالات الفاعل المنصوص عليها حصرا بهذه المادة ، الأمر المتعارض بالكلية مع مبدأ عدم جواز التوسع في نصوص التجريم ، إذ لا يجوز للقضاء أن يضيف لحالات الفاعل الثلاثة والمنصوص عليها ( حصرا ) حالة رابعة مهما كانت الدوافع الي هذا التجاوز الصارخ ، إلا أن الفقه في مجمله قد أستحسن سلوك محكمة النقض في هذا النحو ، وصار ينادي المشرع بوجوب التدخل لعلاج هذه السقطة القانونية وإضافة هذه الحالة الرابعة الي نص المادة 39 .
وبهذا يكون الفاعل في القانون المصري هو من يرتكب أحدي هذه الحالات الأربعة .
اما عن الشريك ؛ فقد حددت المادة 40 من قانون العقوبات المصري حالات ثلاثة للاشتراك وهي ( التحريض - الاتفاق - المساعدة )
واكتفي بهذا التعريف معتذرا عن التطويل اللازم مني للإجابة عن السؤال .
وكان معالي النائب العام ينظر إلي نظرات تحمل معاني الاعجاب وربما ما هو أكثر منه كما كان يرقبني جميع زملائي بالسكشن .
ثم سألني معالي المستشار . سعادتك اسمك ايه ؟
فقلت له مؤازر المرصفي معاليك . ثم قال لي اه انت ابن المرصفي ؟ فقلت نعم .
ثم سألني . انت جبت الإجابة ده منين ؟
فقلت له من الاطلاع معاليكم ، فهناك مؤلف رائع لأستاذنا الدكتور العلامة محمود نجيب حسني بعنوان ( المساهمة الجنائية في التشريعات العربية ذكر فيه أكثر من عشرة حالات للفاعل في القوانين العربية والعالمية , وهو مؤلف رائع كشأن كافة مؤلفات سيادته ، وأدعو كافة زملائي لاقتنائه ومطالعته . فقال لي سيادته . ده انت الي رائع . فشكرته علي هذه الكلمات والتي تعد وساما لي من قامة من قامات النيابة العامة .
من كتابي الادبي ( كنت قاضيا - المستشار / مؤازر المرصفي - رئيس محكمة الجيزة الأسبق ).