22/01/2026
نادي القضاة… وأزمة تتجاوز الأفق
حين يرتضي مجلس القضاء الأعلى أن ينتقل إلى مقر الحكم، مخالفًا تقليدًا راسخًا مفاده أن الحاكم هو من يطرق أبواب القضاء، لا العكس…
وحين يقبل القضاة أن يُعيَّن رئيس محكمة النقض ورؤساء الهيئات القضائية بقرار، لا بالأقدمية المطلقة التي كانت صمام أمان الاستقلال…
وحين يصمت القضاء على إلحاق أعضاء النيابة بدراسة داخل الأكاديمية العسكرية ستة أشهر، دون بيانٍ أو تساؤل: أي دراسة؟ وأي رسالة؟ وأي حدود فاصلة بين السلطات؟
وحين يمرر القضاة موادًا من قانون الإجراءات الجنائية تشوبها شبهة عدم الدستورية، ثم يهاجمون الأحرار الذين دافعوا عن الحريات ورفضوا هذا التشريع المريب…
وحين يشاركون في جباية المتقاضين، ويُضيَّق على من يجرؤ على الاعتراض، وكأن العدالة تحولت من رسالة إلى رسم…
وحين يتسابق البعض على محاكم أُطلق عليها “محاكم الإرهاب”، وهي في حقيقتها محاكم استثنائية، غابت عنها الضمانات، وضُيِّق فيها حق الدفاع، وغابت عنها العدالة المجردة…
وحين يُنتقص من دور الدفاع، ويُنظر إلى المحامي باعتباره عبئًا لا شريكًا في تحقيق العدالة…
وحين تُعقد المحاكمات داخل السجون، وتُسلب علانية الجلسات، وتُدار القضايا خلف الأبواب المغلقة، بعيدًا عن أعين الناس…
وحين يُكمَّم الصوت وتُوأد الحريات، فلا يُسمع للقضاء موقفٌ ولا يُرى له اعتراض…
وحين يرضى قضاة محكمة النقض بما أصاب أعلى محكمة في البلاد من وهنٍ وارتباك، والناس تفقد الأمل فيها، فلا يطالبون بتعديل تشريعي، ولا يلوحون براية العدالة الخالصة…
حينئذٍ، يكتمل الكيل… ويفيض.
لقد غضّ القضاة الطرف طويلًا عن أمورٍ مست العدالة في جوهرها، وتركوا الشعب يصطلي بنارها، حتى اشتعلت النار في دارهم هم أنفسهم.
والسؤال الآن لا يحتمل التأجيل:
ماذا أنتم فاعلون؟
هل هي مطالب فئوية جديدة؟
أم وقفة تاريخية تنحاز للشعب البائس، وللدستور، وللقانون، ولروح العدالة التي أقسمتم عليها؟
وهل يمكن لنقابة المحامين أن تؤازر القضاء إذا قرر الانتصار للحق، بعد سنوات من العداء والتهميش؟
أم أن الجراح صارت أعمق من أن تُداوى بخطابٍ متأخر؟
يا مصر…
إن كان يُجدي أن يُقال لك: اسلمي،
فاسلمي… ثم اسلمي… ثم اسلمي.