معا نحل المشاكل القانونية

معا  نحل المشاكل القانونية صفحة لنشر الثقافة القانونية

هذه الصفحة تخاطب 3 مستويات من القراء: فهي تمثل محاولة لنشر الثقافة القانونية بين أفراد المجتمع ليعرف كل شخص حقوقه وواجباته، فمعاملاتنا اليومية لا تخلو من تصرف قانوني أو إبرام عقد من العقود دون دراية كاملة عن شروط صحة هذا الإجراء أو أركانه، ولذلك ينبغي أن يتوفر لدى كافة أفراد المجتمع حداً أدنى من الثقافة القانونية التي لا تصح معاملاته إلا بإدراكها، وهذه هي رسالة الصفحة لغير المختصين بالمجال القانون

ي.
الرسالة الثانية: موجهة للعاملين بمجال المحاماة والاستشارات القانونية والباحثين القانونيين، وهي محاولة لتبادل الأفكار وتداول كل جديد في مجال البحث القانوني فالقانون كائن حي ومتطور ينمو وينضج، ويحتاج لرعاية، وتنمية وتثقيف دائم ، وتعليم مستمر ، وهو أشبه بمحيط كبير مترامي الشواطئ لا تكاد تصل إلى أحد شطئانه حتى تدرك أن المجال ما زال يستعصي على الحصر، فالحياة اليومية تطرح دائماً مشاكل متجددة تحتاج لحلول قانونية مبتكرة.
الرسالة الثالثة: موجهة لكل من يمر بمشكلة قانونية نتيجة نزاع فرض عليه اللجوء للقضاء لانتزاع حق سليب، ولذلك علينا رسالة نحوه هي تبصيره بما ينبغي عليه عمله حتى لا يقع ضحية سوء الفهم.
فإن كان المولى عز وجل قد فرض على المال حق دون الزكاة ، فإن العلم والمعرفة فيهما زكاة، وفريضة يجب أن يؤديها كل من أنعم الله عليه ولو بقطرة من فيض العلوم الإنسانية وهذه رسالة تلك الصفحة.

أكدت المحكمة الدستورية العليا، في حكمها الصادر بجلسة 6 نوفمبر 2021 في الدعوى رقم 31 لسنة 42 قضائية «دستورية»، أن جريمة ا...
07/08/2026

أكدت المحكمة الدستورية العليا، في حكمها الصادر بجلسة 6 نوفمبر 2021 في الدعوى رقم 31 لسنة 42 قضائية «دستورية»، أن جريمة الامتناع عمدًا عن تسليم الوارث نصيبه الشرعي من الميراث، المنصوص عليها في المادة (49) من قانون المواريث رقم 77 لسنة 1943، المضافة بالقانون رقم 219 لسنة 2017، لا يتوقف قيامها على أن تكون التركة قد خضعت لقسمة نهائية رضائية أو قضائية.

وأوضحت المحكمة أن النص لم يشترط أن تكون الحصة الميراثية مفرزة، ومن ثم يستوي أن يكون النصيب محل الامتناع شائعًا بين الورثة أو مفرزًا بالقسمة؛ إذ إن الحصة الشائعة تقبل الحيازة والتصرف والتسليم وفقًا لأحكام القانون المدني، ولا يحول شيوعها دون إمكان تسليمها إلى صاحب الحق فيها.

وبناءً عليه، فإن عدم إجراء الفرز والتجنيب أو عدم صدور قسمة نهائية للتركة لا ينفي بذاته قيام الجريمة ولا يصلح سندًا للقول باستحالة تسليم النصيب الميراثي، متى ثبتت صفة الوارث ومقدار نصيبه وثبت تعمد الامتناع عن تسليمه.

وقد انتهت المحكمة إلى عدم قبول الدعوى، تأسيسًا على أن القول باشتراط القسمة النهائية يقوم على فهم غير صحيح للنص، وينطوي في حقيقته على إضافة قيد لم يضعه المشرع.

نص الحكم منشور ضمن الأحكام الصادرة عن المحكمة الدستورية العليا بجلسة 6 نوفمبر 2021:
"الحكم المنشور عن الدعوى رقم 31 لسنة 42 قضائية «دستورية» – جريدة الشروق" (https://reference-url-citation.invalid/0)

 (الحلقة 50)من مدريد إلى مجلس سلام غزة: هل يعيد التاريخ نفسه؟بقلم د. حازم عيسويدكتوراه القانون الدستوري والنظم السياسيةت...
05/08/2026


(الحلقة 50)

من مدريد إلى مجلس سلام غزة: هل يعيد التاريخ نفسه؟

بقلم د. حازم عيسوي
دكتوراه القانون الدستوري والنظم السياسية

تمهيد

في الثلاثين من أكتوبر 1991 انعقد مؤتمر مدريد بعد ثمانية أشهر من الدبلوماسية المكوكية لوزير الخارجية بيكر، مستثمرًا الرصيد السياسي الذي أنتجته حرب الخليج. وفي الثلاثين من يوليو 2026 أعلن الرئيس ترامب عن خارطة طريق لإتمام انسحاب إسرائيل من غزة ونزع سلاح حماس وإعادة بناء الحوكمة الفلسطينية، مستثمرًا الرصيد الذي أنتجته حرب أكتوبر 2023 وما تلاها. التتابع يطرح سؤالًا تحليليًا محددًا: ما أوجه الشبه والاختلاف بين النموذجين، وماذا تكشف المقارنة عن طبيعة ما يُبنى اليوم؟

أولًا: البنية القانونية — ما تشتركان فيه

مدريد قام على قراري مجلس الأمن 242 و338 بوصفهما مرجعية قانونية لصياغة معادلة "الأرض مقابل السلام"، وقد نص خطاب الدعوة الأمريكي–السوفيتي صراحةً على أن المؤتمر "لن يملك صلاحية اتخاذ قرارات عن الأطراف ولا إجراء تصويت". أما خارطة الطريق 2026 فتقوم على قرار مجلس الأمن 2803 لعام 2025 وخطة ترامب الشاملة بوصفهما الإطار الدولي المتفق عليه لإدارة العملية، وهو بناء مماثل: مرجعية قانونية دولية تُضفي شرعية على ترتيب تديره واشنطن دون أن تُقيّدها.

النمط القانوني واحد في الحالتين: القاعدة الدولية تُستدعى لتبرير الترتيب لا لضبطه، والدور الأمريكي يبقى محوريًا خارج حدود النص القانوني ذاته.

ثانيًا: الانسحاب — من "الأراضي المحتلة" إلى "الانسحاب الكامل دون تأخير"

مدريد تبنّى معادلة 242 القائمة على "الانسحاب من الأراضي المحتلة في عمليات الحرب الأخيرة"، وهي صياغة أنتجت جدلًا قانونيًا لم ينته حتى اليوم: هل تعني كل الأراضي أم بعضها؟ وقد استغل الطرف الإسرائيلي هذا الغموض لعقود. أما خارطة 2026 فتنص على "الانسحاب الكامل لإسرائيل من قطاع غزة دون تأخير" في صياغة تبدو أكثر وضوحًا، لكنها تُخفي إشكالية مماثلة: من يُحدد توقيت "دون تأخير"؟ ومن يُنفّذ الانسحاب ويُراقبه؟ تضع الخارطة قوة تثبيت دولية مؤقتة لتفصل القوات الإسرائيلية عن مناطق الحوكمة الفلسطينية الجديدة، لكنها تحظر على هذه القوة أداء أي مهام شرطية أو مدنية داخل المجتمع الفلسطيني. وهذا يُعيد إنتاج الفجوة ذاتها بين النص والتنفيذ التي عرفناها في مرحلة ما بعد مدريد.

ثالثًا: الحوكمة — من "المسار الفلسطيني" إلى "مبدأ السلطة الواحدة"

مدريد اشترط على الفلسطينيين تمثيلًا مشتركًا مع الأردن، واستثنى منظمة التحرير وأبناء القدس وفلسطينيي الشتات، ولم يُعرّف ما ستؤول إليه "الحوكمة الفلسطينية" في نهاية المفاوضات. وهي إشكالية أفضت لاحقًا إلى أوسلو كترتيب بديل يتجاوز ما عجز مدريد عن حسمه.

أما خارطة 2026 فتتبنى مبدأ "سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد" كإطار حاكم للحوكمة الانتقالية في غزة، وتُحيل إدارة الشأن المدني إلى ما يُسمى "NCAG" أو السلطة الوطنية للحوكمة المدنية. لكن الصين وروسيا أبدتا تحفظات جوهرية على غموض دور هذه الهيئة وصلاحياتها وعلاقتها بمسار الدولة الفلسطينية. وهكذا تتكرر ثغرة مدريد ذاتها: صياغة الحوكمة تُرجأ إلى مرحلة لاحقة، وهو تأجيل يحمل بذور الخلاف القادم.

رابعًا: الفارق الجوهري — البيئة الدولية

مدريد انعقد في نهاية الحرب الباردة برعاية أمريكية–سوفيتية مشتركة في لحظة تقارب نادرة بين القطبين، ما منحه شرعية دولية واسعة. أما خارطة 2026 فتعمل في بيئة مختلفة تمامًا: أعرب مجلس الأمن عن انقسامات عميقة حول أسباب الصراع وإطاره، وأبدت الصين وروسيا تحفظات على دور هيئة الحوكمة الجديدة وصلاحياتها والمسار نحو الدولة الفلسطينية. وهذا الانقسام يجعل الشرعية الدولية للترتيب الراهن أضعف مما كانت عليه في 1991، رغم استناده إلى قرار أممي.

خامسًا: الاستشراف — ماذا تقول المقارنة؟

مدريد أنتج مساراً تفاوضياً أفضى لاحقًا إلى أوسلو، ثم إلى اتفاقيات إبراهيم، ثم إلى تطبيع خليجي لم يكن أحد يتوقعه عند انعقاد المؤتمر. المسار كان طويلًا وغير مباشر، لكنه أنتج واقعًا جديدًا. والسؤال اليوم هو ما إذا كانت خارطة 2026 ستُنتج مسارًا مماثلًا أم ستتوقف عند أول عقبة تنفيذية.

المقارنة تكشف أن ما يجري ليس إعادة إنتاج مدريد، بل إعادة إنتاج آليته الجوهرية: الحرب تفتح نافذة الدبلوماسية، والقانون يُستدعى لتبرير الترتيب، وتفاصيل الحوكمة والانسحاب تُرحَّل إلى مفاوضات لاحقة. والفارق أن 1991 كان لحظة أحادية القطبية سمحت لواشنطن بقيادة شبه منفردة، أما 2026 فتجري في بيئة أكثر تعددًا وأقل إذعانًا، وهو ما يجعل التنفيذ أصعب مما كان عليه الحال بعد مدريد.

خلاصة

التاريخ لا يعيد نصّه، لكنه يعيد آليته: الحرب تفتح باب الدبلوماسية، والقانون يُستدعى لتبرير الترتيب لا لضبطه، وتفاصيل الحوكمة والانسحاب تُرجأ إلى مرحلة لاحقة تحمل بذور الخلاف القادم. مدريد كان هذا النمط في 1991، وخارطة طريق 2026 تُعيد إنتاجه، لكن في بيئة أقل طواعية وأكثر تعقيدًا.

وسؤال الحلقة: إذا كانت خارطة 2026 تُعيد إنتاج آلية مدريد في تأجيل الحسم، فهل سيُنتج هذا التأجيل مسارًا تفاوضيًا مماثلًا يصل في نهاية المطاف إلى تسوية، أم أن غياب الشرعية الدولية الكاملة وتعدد الفاعلين الرافضين سيجعل هذه المرة مختلفة؟

 هل بدأ الربيع العربي 2026؟بقلم د. حازم عبد الحاكمدكتور النظم السياسية والدستوريةمع كل احتجاج تشهده دولة عربية، يعود الس...
05/08/2026



هل بدأ الربيع العربي 2026؟

بقلم د. حازم عبد الحاكم
دكتور النظم السياسية والدستورية

مع كل احتجاج تشهده دولة عربية، يعود السؤال نفسه: هل بدأ ربيع عربي جديد؟

من الناحية القانونية والسياسية، الإجابة ليست بهذه البساطة.

فالحركة الاحتجاجية لا تُقاس بهاشتاج متداول، ولا بعدد المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما بوجود عناصر موضوعية أهمها: قيادة أو تنسيق، واستمرار زمني، وانتشار جغرافي، وقاعدة اجتماعية، وقدرة على تحويل المطالب إلى فعل جماعي مؤثر.

ولذلك، فإن الباحث لا ينطلق من الأمنيات أو المخاوف، وإنما من الوقائع الموثقة.

أولاً: تونس

تشهد تونس خلال عام 2026 احتجاجات ميدانية متكررة ذات مطالب اقتصادية وسياسية وحقوقية. وقد وثق المرصد الاجتماعي التونسي مئات التحركات الاحتجاجية، تركزت حول التشغيل، والحقوق المهنية، والحريات العامة، مع استمرار مشاركة قوى مدنية وسياسية في عدد من الفعاليات. كما شهدت العاصمة في يوليو الماضي مظاهرات واسعة ربطت بين تدهور الأوضاع المعيشية والمطالب السياسية.

وتكشف هذه الوقائع عن وجود حركة احتجاجية تجاوزت مرحلة الدعوات الإلكترونية إلى حراك ميداني مستمر، يستند إلى قاعدة اجتماعية واضحة، وهو ما يجعلها ظاهرة تستحق المتابعة والتحليل.

ثانياً: السودان

وفي السودان، برزت خلال الفترة الأخيرة تحركات مرتبطة بما عُرف باسم "ترس الشمال"، في سياق الاعتراض على عدد من القضايا المحلية والوطنية. وإذا تطورت هذه التحركات إلى نمط احتجاجي منظم ومستمر، فإنها قد تمثل مؤشراً إضافياً على تنامي النشاط الاحتجاجي في الإقليم.

غير أن المنهج العلمي يقتضي التمييز بين الاحتجاجات ذات الطابع المحلي، وبين موجة احتجاج إقليمية تنتقل من دولة إلى أخرى وفق نمط متشابه. فحتى الآن لا توجد أدلة كافية على وجود تنسيق أو ترابط تنظيمي يجعل من هذه التحركات جزءاً من موجة عربية موحدة.

وتبرز هنا مقارنة تستحق التأمل. فقد أظهرت تجربة حركة "نو كينجز" في الولايات المتحدة أن جيل Z استطاع توظيف الفضاء الرقمي في بناء شبكة احتجاجية واسعة، انتقلت من منصات التواصل إلى آلاف الفعاليات الميدانية، معتمدة على التنظيم اللامركزي، والتعبئة الإلكترونية، والقدرة على التأثير في الرأي العام. وفي المقابل، تعتمد الاحتجاجات في تونس، وكذلك التحركات الناشئة في السودان، بدرجات متفاوتة على الأدوات الرقمية في الحشد والتواصل، إلا أن الفارق الحقيقي لا يزال يكمن في القدرة على الانتقال من التفاعل الإلكتروني إلى الفعل الجماعي المستدام.

ومن ثم، فإن القاسم المشترك بين هذه النماذج هو تعاظم دور الفضاء السيبراني باعتباره ساحة أولى للتعبئة، بينما يظل معيار النجاح الحقيقي هو القدرة على بناء تنظيم، واستمرار الحراك، وتحويل الضغط الشعبي إلى تأثير سياسي ومؤسسي.

وهنا تبرز قاعدة مهمة في علم النظم السياسية: ليس كل احتجاج ثورة، وليس كل دعوة على وسائل التواصل حركة احتجاجية، كما أن تعدد الاحتجاجات في أكثر من دولة لا يعني بالضرورة أننا أمام ربيع عربي جديد.

فالربيع العربي في صورته التاريخية لم يكن مجرد تزامن زمني بين الاحتجاجات، وإنما اتسم بانتقال عدوى الاحتجاج بين الدول، وتشابه الشعارات، وتداخل أدوات التعبئة، ووجود تأثير متبادل بين التجارب الوطنية.

لذلك، فإن الحديث عن "الربيع العربي 2026" يظل حتى الآن فرضية سياسية تستحق المتابعة، وليس حقيقة علمية يمكن الجزم بها. فالوقائع تشير إلى وجود حركات احتجاجية في بعض الدول العربية، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أننا أمام موجة إقليمية جديدة كتلك التي شهدتها المنطقة عام 2011.

ويبقى السؤال:

هل تظل هذه الاحتجاجات مرتبطة بالظروف الداخلية لكل دولة، أم تتحول مع مرور الوقت إلى موجة إقليمية تنتقل فيها عدوى الاحتجاج عبر الحدود، بما يسمح بالحديث عن ربيع عربي جديد؟




#تونس
#السودان


من تحرير الكويت للحرب على إيران: جردة حساببقلم د. حازم عبد الحاكمدكتوراة القانون الدستوري والنظم السياسيةتمهيد:تفصل بين ...
04/08/2026

من تحرير الكويت للحرب على إيران: جردة حساب

بقلم د. حازم عبد الحاكم
دكتوراة القانون الدستوري والنظم السياسية

تمهيد:
تفصل بين حرب الخليج عام 1991 والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عام 2026 خمسة وثلاثون عاماً، لكن ما يفصل بينهما في طبيعة الحرب ذاتها أكبر بكثير.

فالأولى قامت على تحالف دولي واسع هدفه المعلن تحرير الكويت، وانتهت بتحقيق هذا الهدف بصورة واضحة.

أما الثانية فلم تستهدف تحرير أرض أو احتلالها، بل ركزت على تدمير القدرات العسكرية واستهداف مراكز القيادة وإعادة تشكيل معادلات الردع.

هذا التباين يوضح البون الكبير بين نهج الإدارة الأمريكية في الحالتين؛ لسنا إذن أمام مقارنة بين حربين فحسب، بل بين نموذجين مختلفين لإدارة القوة العسكرية، ولإنتاج النصر، ولصياغة الرواية النهائية للحرب.

التحالف والقوة المشاركة

خاضت حرب الخليج تحالفاً دولياً ضم نحو أربعين دولة بقيادة الولايات المتحدة، بتفويض صريح من مجلس الأمن استند إلى وقوع عدوان فعلي: اجتياح عراقي مكتمل الأركان لدولة عضو في الأمم المتحدة.

شاركت في هذا التحالف قوات عربية مقاتلة بصورة مباشرة، من بينها مصر بنحو خمسة وثلاثين ألف جندي، إلى جانب سوريا والمغرب ودول الخليج، ضمن قيادة عسكرية مشتركة جمعت واشنطن والرياض والقاهرة ولندن.

أما حرب 2026 فقادها عملياً التحالف الأمريكي الإسرائيلي وحده، وبدأت بضربة استباقية على المنشآت النووية والقيادة الإيرانية دون أن يسبقها اعتداء إيراني مسلح على أي من الطرفين، ودون تفويض من مجلس الأمن.

وبينما رأت الولايات المتحدة أن الضربة تدخل في إطار الدفاع الاستباقي عن النفس في مواجهة خطر نووي متصاعد، يرى قطاع واسع من فقه القانون الدولي أنها تندرج ضمن الحروب الوقائية التي يظل تكييفها القانوني محل خلاف، إذ يقصر ميثاق الأمم المتحدة، في الأصل، استخدام القوة على حالتي الدفاع عن النفس في مواجهة هجوم مسلح أو بناءً على تفويض من مجلس الأمن، بينما يظل مدى مشروعية الدفاع الاستباقي موضع خلاف فقهي واسع.

وهذا الفارق جوهري لا شكلي بين الحربين: الأولى رد جماعي على عدوان وقع بالفعل، والثانية عمل استباقي أحادي لمنع خطر مُقدَّر لا فعل واقع.

اكتفت معظم دول الخليج في الحرب على إيران بدور دفاعي تمثل في حماية أراضيها ومنشآتها واستقبال الضربات الإيرانية المضادة، دون مشاركة مباشرة في العمليات الهجومية، فغابت القوات العربية المقاتلة التي مثلت في 1991 أحد عناصر الشرعية الجماعية للحرب، وحل محلها حياد خليجي حذر فرضته ضرورات الموازنة بين التحالف الأمني مع واشنطن والجوار الجغرافي مع إيران.

المدة والحسم العسكري

استغرقت حرب الخليج ثلاثة وأربعين يوماً من العمليات الجوية، أعقبتها حملة برية لم تتجاوز مئة ساعة انتهت بانسحاب القوات العراقية وتحرير الكويت، بما مثل حسماً عسكرياً وسياسياً واضحاً.

أما حرب 2026 فامتدت أكثر من مئة يوم دون عملية برية واسعة، ودون احتلال أراضٍ أو إسقاط نظام سياسي، وانتهت إلى وقف لإطلاق النار ظل هشاً وقابلاً للاهتزاز، تكرر انهياره وتجدده أكثر من مرة بعد إعلانه.

لم يعد الحسم يقاس بالسيطرة على الأرض، بل بمدى إضعاف القدرات العسكرية وفرض معادلات ردع جديدة، وهو ما يعكس تغير مفهوم الحسم العسكري نفسه مقارنة بما كان عليه قبل ثلاثة عقود.

حساب الدماء

أعلنت الولايات المتحدة عقب حرب الخليج مقتل مئة وسبعة وأربعين من أفراد قواتها، واستقرت هذه الأرقام في السجل التاريخي للحرب دون خلاف يُذكر.

أما في حرب 2026 فما تزال أرقام الخسائر محل تباين بين المصادر الرسمية نفسها.

فقد تراوحت الخسائر الأمريكية المعلنة بين ثلاثة عشر وعشرين قتيلاً بحسب توقيت الإعلان والجهة المصدرة له، بينما تراوحت تقديرات القتلى الإيرانيين بين نحو ثلاثة آلاف وستة آلاف، مع استمرار الفجوة بين الرواية الرسمية الإيرانية والتقديرات الأمريكية الإسرائيلية. ولا تزال هذه الأرقام أولية وقابلة للمراجعة مع اكتمال عمليات التوثيق، بخلاف حرب الخليج التي أُغلق ملفها الإحصائي منذ عقود.

حساب المال

بلغت التكلفة المباشرة لحرب الخليج نحو واحد وستين مليار دولار، توزعت بصورة معلنة بين الكويت والسعودية واليابان وألمانيا وغيرها، بما وفر قدراً كبيراً من الشفافية بشأن تمويل الحرب وأعبائها.

أما في حرب 2026 فقد تعددت تقديرات التكلفة بصورة ملحوظة، فتراوحت بين تسعة وعشرين ومئة وثلاثة عشر مليار دولار في تصريحات متعاقبة لمسؤولي الإدارة الأمريكية نفسها خلال أشهر معدودة، بينما رفعت بعض الدراسات المستقلة الكلفة الإجمالية إلى ما يقارب مئتي مليار دولار إذا أضيفت الخسائر الاقتصادية غير المباشرة.

ويعكس هذا التفاوت صعوبة الفصل بين الكلفة العسكرية المباشرة والآثار الاقتصادية والسياسية الممتدة للحرب، فضلاً عن غياب تفويض تشريعي صريح ورقابة برلمانية سابقة على قرار الحرب.

الخاتمة:
تكشف المقارنة بين الحربين تحولاً عميقاً في طبيعة الصراع المسلح ومشروعيته معاً.

فالحرب التي تُخاض ضمن تحالف دولي واسع، وبتفويض أممي صريح، ورداً على عدوان وقع بالفعل، تُنتج عادة رواية أكثر استقراراً بشأن نتائجها وخسائرها وتكاليفها، لأنها تُخاض في العلن وتُحاسَب في العلن.

أما الحروب الاستباقية التي تقودها أطراف منفردة دون تفويض جماعي ودون أن يسبقها عدوان من الطرف المستهدف، فتترك وراءها أرقاماً متباينة وروايات متنافسة ومشروعية قانونية منقوصة يصعب حسمها في المدى القريب.

ولذلك لم يعد السؤال الأهم كم بلغت الخسائر أو كم بلغت الكلفة، بل من يملك سلطة كتابة الرواية الرسمية للحرب، ومن يملك سلطة تبريرها من الأصل.

ففي الحروب الحديثة قد لا تنتهي المعركة بانتهاء إطلاق النار، بل تستمر في ميدان آخر هو ميدان الأرقام والروايات وتفسير النتائج، وربما في ميدان ثالث أكثر عمقاً هو ميدان المشروعية ذاتها.

قائمة المصادر:

- خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي، تقرير "الصراع الأمريكي مع إيران"، رقم R48887، 26 مارس 2026.
رابط مبسط: congress.gov ← ابحث عن R48887.

- خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي، تقرير "خسائر الطائرات الأمريكية في عملية الغضب الملحمي"، رقم IN12692.
رابط مبسط: congress.gov ← ابحث عن IN12692.

- مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، تقرير كلفة العمليات العسكرية الأمريكية في إيران، يونيو 2026.
رابط مبسط: csis.org ← قسم الدفاع والأمن.

- شهادة النائب المسؤول عن حسابات وزارة الدفاع الأمريكية جولز هيرست الثالث أمام لجنة الاعتمادات بمجلس الشيوخ، 12 مايو 2026.

- متحف الحرب الإمبراطوري البريطاني، "ما هي حرب الخليج".
رابط مبسط: iwm.org.uk ← Gulf War.

- الموسوعة البريطانية (Britannica)، "حرب الخليج الفارسي".
رابط مبسط: britannica.com ← Persian Gulf War.

- CNN، Gulf War Fast Facts.
رابط مبسط: cnn.com ← Gulf War Fast Facts.

- الجزيرة، "كلفة حرب إيران البالغة 37 مليار دولار"، 22 يوليو 2026.

- الجزيرة، "25 مليار أم تريليون دولار: كم كلّفت حرب إيران أمريكا فعلياً"، 30 أبريل 2026.

- The Christian Science Monitor، "كم تكلّف حرب إيران الأمريكيين"، 8 يوليو 2026.

ملاحظة منهجية: أرقام حرب 2026 مستقاة من تقارير مؤسسية رسمية (خدمة أبحاث الكونغرس، مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وشهادات أمام الكونغرس) قدر الإمكان، لكن الملف لا يزال مفتوحاً والحرب لم تُغلق إحصائياً بعد، خلافاً لحرب 1991 التي استقرت مصادرها الرسمية منذ التسعينيات. وأي رقم لاحق في هذا الملف يظل عرضة للمراجعة مع صدور التقارير التجميعية النهائية من الكونغرس أو وزارة الدفاع.

    مسئولية مشيد البناء.بقلم د. حازم عبد الحاكم العيسويتمهيد:كلما كُشف عن مخالفة إنشائية أو وقع حادث تهدّم لمبنى، تبادر ...
03/08/2026

مسئولية مشيد البناء.
بقلم د. حازم عبد الحاكم العيسوي

تمهيد:
كلما كُشف عن مخالفة إنشائية أو وقع حادث تهدّم لمبنى، تبادر إلى الذهن أن المالك وحده يتحمل التبعة القانونية. غير أن هذا التصور لا يصمد أمام التنظيم التشريعي، إذ جعل المشرع مناط المسئولية هو الدور الفعلي في عملية التشييد لا مجرد صفة الملكية. فيمتد وصف "مشيد البناء" إلى كل من يباشر عملاً مؤثراً في سلامة المنشأ: المهندس المصمم أو المشرف، والمقاول المنفذ، وكل من يتدخل في توريد المواد أو تنفيذ الأعمال المرتبطة بالبناء وفق الأصول الفنية. وتقوم المسئولية في هذا الإطار على محورين متمايزين في أساسهما ومآلهما: جنائي يقوم على شخصية الفعل والعقوبة، ومدني يقوم على ضمان النتيجة وجبر الضرر، وبينهما مساحة اشتباك يقتضيها اتحاد الواقعة المادية وتعدد الأوصاف القانونية لها.

أولاً: المسئولية الجنائية
جرّم قانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008 في المادة (104) منه مخالفة الاشتراطات الفنية واستخدام مواد غير مطابقة للمواصفات المقررة، فقرر لهذه الجريمة عقوبة الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وغرامة لا تقل عن مثلي قيمة الأعمال المخالفة بحد أدنى خمسين ألف جنيه ولا تجاوز ثلاثة أمثالها، أو إحدى هاتين العقوبتين، وتُشدَّد العقوبة إذا ترتب على المخالفة انهيار المبنى أو سقوطه أو وفاة أشخاص أو إصابتهم بعاهات مستديمة.

ويضاف إلى ذلك ما استقرت عليه أحكام القانون ذاته من أن المهندس أو المكتب الهندسي يُسأل عن سلامة المستندات المرفقة وأعمال التصميم ومطابقتها للاشتراطات التخطيطية والبنائية والكودات المنظمة، دون إخلال بالمسئولية الجنائية للمخالف عما يرتكبه من مخالفات.

فلا تقوم المسئولية الجنائية إذن على مجرد ملكية العقار، وإنما على ارتكاب الفعل المخالف أو المساهمة فيه، إعمالاً لمبدأ شخصية العقوبة الذي يقوم عليه بنيان التجريم كله.

ومن ثم لا تنتقل مسئولية المخالفات البنائية السابقة إلى المالك الجديد لمجرد انتقال الملكية، وإنما تُنسب إلى من قام بالبناء أو اشترك في المخالفة، مع التزام الجهة الإدارية بالتحقق من مرتكب الفعل وتاريخ وقوعه قبل تحريك المساءلة الجنائية. ولا يُشترط أن يكون المسئول هو المنفذ المادي الوحيد، فقد تثبت المسئولية للمقاول أو المهندس المشرف أو لمن اعتمد أعمالاً أو مواد مخالفة، متى ثبتت مساهمته في وقوع المخالفة من واقع العقود والمستندات الفنية وتقارير الخبرة.

ثانياً: المسئولية المدنية
نظّم القانون المدني مسئولية مشيد البناء في إطار عقد المقاولة؛ فعرّفت المادة (646) المقاولة بأنها التزام أحد المتعاقدين بأن يصنع شيئاً أو يؤدي عملاً لقاء أجر يتعهد به المتعاقد الآخر، وأوجبت المادتان (648، 649) على المقاول ضمان جودة المواد التي يستعملها ومطابقة استعمالها لأصول الصنعة، فيتحمل تبعة العيب أياً كان مصدره ما لم يثبت السبب الأجنبي.

ويتعين التفرقة بين التوريد المجرد لمواد البناء، الذي يخضع لأحكام ضمان العيوب الخفية في عقد البيع طبقاً للمادة (447) وما بعدها من القانون المدني، وبين التوريد المرتبط بالتنفيذ، إذ يمتد الالتزام في هذه الحالة الأخيرة إلى سلامة استخدام المواد ودخولها في نطاق مسئولية المقاول عن العمل المنفذ ذاته، فتنحل الصفة التجارية للتوريد وتذوب في الصفة الفنية للتنفيذ.

ولا تقتصر مسئولية المهندس على أخطاء التنفيذ، بل تمتد إلى العيوب الفنية الداخلة في نطاق عمله، تصميماً كان أو إشرافاً أو دراسات سابقة على التنفيذ. وقد ميّز قضاء النقض بين الحالتين تمييزاً دقيقاً: فإذا انفرد المهندس بوضع التصميم دون أن يمتد خطؤه إلى التنفيذ، انحصر الضمان في جانبه وحده استناداً إلى المادتين (651، 652).

أما إذا اجتمع الخطأ بين التصميم والتنفيذ فقام التضامن بين المهندس والمقاول. ولا يُعفي المهندس أن يكون الخلل راجعاً إلى التربة أو الأساسات، إذ كان من واجبه الفني التحقق من ملاءمتها ومراعاة أثرها على سلامة المنشأ، لأن سلامة البناء تبدأ من سلامة الأسس الهندسية التي أُقيم عليها.

ثالثاً: الضمان العشري، طبيعته ونطاقه
قرر المشرع في المادة (651) من القانون المدني أن يضمن المهندس المعماري والمقاول متضامنين ما يحدث خلال عشر سنوات من تهدّم كلي أو جزئي فيما شيّداه من مبانٍ أو أقاماه من منشآت ثابتة أخرى، ولو كان التهدّم ناشئاً عن عيب في الأرض ذاتها، أو كان رب العمل قد أجاز إقامة المنشآت المعيبة، ما لم يكن المتعاقدان قد أرادا أن تبقى هذه المنشآت مدة أقل من عشر سنوات. ويمتد هذا الضمان، وفق الفقرة الثانية من المادة ذاتها، إلى ما يوجد في المباني والمنشآت من عيوب يترتب عليها تهديد متانة البناء وسلامته، ولو لم تفضِ في الحال إلى التهدّم، وتبدأ مدة السنوات العشر من وقت تسلّم العمل.

والالتزام هنا التزام بتحقيق نتيجة لا بمجرد بذل عناية، مؤداه بقاء البناء سليماً متيناً طوال هذه المدة، فيثبت الإخلال به بمجرد إثبات عدم تحقق تلك النتيجة كواقعة مادية، دون حاجة إلى إثبات خطأ في جانب المهندس أو المقاول. وقد أرست محكمة النقض، في الطعن رقم 241 لسنة 40 قضائية بجلسة 21 مايو 1975، أن أساس هذا الضمان مسئولية عقدية لا تقصيرية، فهو ينشأ عن عقد المقاولة، فإذا تخلّف هذا العقد بين الطرفين لم يلتزم المهندس أو المقاول بالضمان العشري، وخضعت مسئوليته عندئذ للقواعد العامة في المسئولية المدنية.

وهذا التمييز جوهري في تكييف أي نزاع لاحق، إذ يترتب عليه اختلاف أساس الدعوى ومداها وأمد تقادمها.

وقد امتد هذا الضمان، بذات المضمون، إلى نطاق العقود الإدارية للمقاولة، حيث قضت المحكمة الإدارية العليا، في الطعن رقم 5221 لسنة 55 قضائية، بأن ضمان المقاول لسلامة الأعمال لمدة سنة من التسليم المؤقت لا يخل بالضمان العشري المقرر بالقانون المدني، فيتحمل المقاول والمهندس هذا الضمان الأخير لمدة عشر سنوات من التسليم النهائي، مستقلاً عن ضمان السنة. وفي ذلك دلالة على أن الضمان العشري قاعدة عامة تسري أياً كانت طبيعة العقد، مدنياً كان أو إدارياً، لتعلقه بسلامة المنشآت لا بصفة المتعاقد معه.

وحماية لهذا النظام من الإفراغ عن طريق الاتفاق، قررت المادة (653) بطلان كل شرط يقصد به إعفاء المهندس أو المقاول من الضمان أو الحد منه، فلا يجوز الاتفاق على مساءلة شخص آخر غيرهما عن هذه العيوب، ولو لم يقع التهدّم فعلاً ما دامت العيوب المنذرة به قد ظهرت.

وهذا البطلان متعلق بالنظام العام، بما مؤداه أن إرادة المتعاقدين لا تملك تعديل موازين هذا الضمان، لتعلقه بمصلحة تتجاوز طرفي العقد إلى سلامة من يستعملون المنشأ ويقيمون فيه.

أما عن سقوط دعوى الضمان، فقد نظمته المادة (654) بأن تسقط دعاوى الضمان بانقضاء ثلاث سنوات من وقت حصول التهدّم أو انكشاف العيب، لا من تاريخ التسليم، وتنقطع هذه المدة برفع الدعوى الموضوعية أو بإقرار المقاول أو المهندس بحق رب العمل في الضمان. فتتعايش إذن مدتان متمايزتان في طبيعتهما: مدة السقوط الطويلة العشرية التي تحكم امتداد الالتزام بالضمان ذاته، ومدة السقوط القصيرة الثلاثية التي تحكم حق التقاضي بشأنه بعد ظهور سببه، ولا يجوز الخلط بينهما عند الدفع بالتقادم.

الخاتمة:
يتضح مما تقدم أن مسئولية مشيد البناء لا ترتبط بالملكية المجردة، وإنما بالفعل المؤثر في إنشاء المبنى أو سلامته، فتقوم جنائياً على شخصية الفعل والعقوبة، ومدنياً على ضمان النتيجة وجبر الضرر بمعزل عن إثبات الخطأ.

وهذا الازدواج بين المساءلتين ليس تكراراً لغرض واحد، وإنما تعبير عن وظيفتين مختلفتين للقانون: الأولى ردعية تخاطب المخالف بوصفه فاعلاً، والثانية ضمانية تخاطب المتضرر بوصفه دائناً بالسلامة.

ويبقى كل من أخلّ بواجبه الفني، في حدود دوره الحقيقي لا في حدود صفته الشكلية، مسئولاً عن أثر إخلاله، وهو ما يكشف أن القانون حين ينظم البناء، إنما ينظم في حقيقته توزيع المخاطر بين من يملكون القدرة الفنية على منعها.

 خلو الرجل بين الحقيقة والبهتانبقلم د.حازم عيسوي.تمهيد:أثار صدور القانون رقم 164 لسنة 2025 ادعاءات بأن سداد خلو الرجل أو...
02/08/2026



خلو الرجل بين الحقيقة والبهتان
بقلم د.حازم عيسوي.
تمهيد:
أثار صدور القانون رقم 164 لسنة 2025 ادعاءات بأن سداد خلو الرجل أو مقدم الأجرة أكسب المستأجر حقًا في ملكية العين أو جعله شريكًا فيها. وهذه دعوى لا تجد سندًا في التشريع أو القضاء.

أولًا: خلو الرجل لا ينشئ ملكية

حظر القانون رقم 49 لسنة 1977 تقاضي خلو الرجل، وأبطل الاتفاق عليه، وأوجب رد ما تقاضاه المخالف، وقرر له جزاءً جنائيًا. ومن ثم فلا يجوز قانونًا أن يكون تصرف باطل ومجرَّم سببًا لاكتساب حق عيني أو ملكية.

ثانيًا: موقف القانون رقم 136 لسنة 1981

لم يبح القانون خلو الرجل، ولم يحوله إلى ثمن للعقار، وإنما رسم حدودًا واضحة لثلاثة أوضاع قانونية مختلفة.

أولًا: مقدم الأجرة. أجازت المادة (6) تقاضي مقدم إيجار – في الحدود التي رسمها القانون – باعتباره دينًا إيجاريًا يستهلك بالخصم من الأجرة، لا ثمنًا لحصة في العقار.

ثانيًا: خلو الرجل. أبقى القانون على تجريم خلو الرجل في صوره غير المشروعة، بما ينفي أن يكون المشرع قد اعترف به سببًا لاكتساب أي حق في العين المؤجرة.

ثالثًا: مقابل التنازل عن الحق الإيجاري. نصت المادة (20) على اقتسام المقابل الناتج عن بيع الجدك أو التنازل عن حق الانتفاع بالوحدة السكنية مناصفة بين المالك والمستأجر، مع منح المالك حق الحلول محل الغير واسترداد العين.

وقد حسمت محكمة النقض فلسفة هذا النص، فقضت بأن المادة (20) «استحدثت حلًا عادلًا بهدف تحقيق التوازن بين حق كل من المؤجر والمستأجر... فأعطت للمالك الحق في أن يقتسم مع المستأجر قيمة ما يجنيه الأخير من منفعة نتيجة تصرفه» (الطعن رقم 548 لسنة 66 قضائية – جلسة 26/1/2000). المصدر:
https://mksegypt.org/ar/court-of-cassation-rulings/4901

كما قررت المحكمة الدستورية العليا أن هذا التنظيم جاء «ليعيد إلى العلاقة الإيجارية توازنها الذى كان قد اختل» (الدعوى رقم 11 لسنة 23 قضائية "دستورية" – جلسة 5/5/2002). المصدر:
https://mksegypt.org/ar/supreme-constitutional-court-rulings/4020

وهذا يؤكد أن المشرع لم يعترف للمستأجر بملكية في العين، وإنما اعترف بقيمة اقتصادية للحق الإيجاري الذى أفرزه الامتداد القانوني، فأشرك المالك في هذه القيمة تحقيقًا للتوازن.

كما أن المادة (20) لا تصلح سندًا لمطالبة المستأجر بتعويض عند الإخلاء؛ لأنها تنظم حالة بيع الحق الإيجاري للغير، حيث يكون المقابل مصدره المشتري لا المالك. أما إذا انتهت العلاقة الإيجارية وعادت العين إلى مالكها، فلا يوجد بيع ولا مشترٍ ولا مقابل يلتزم المالك بأدائه.

ثالثًا: أثر القانون رقم 164 لسنة 2025

لم ينشئ القانون رقم 164 لسنة 2025 للمستأجر أي حق عيني على العين المؤجرة، ولم يعتبر ما سبق سداده من خلو أو مقدم أجرة سببًا لاكتساب الملكية، وإنما أعاد تنظيم وإنهاء الامتداد القانوني للعلاقة الإيجارية.

ومن ثم فإن الزعم بأن الخلو أو مقدم الأجرة أو التشطيبات تجعل المستأجر شريكًا في ملكية العقار، أو تخوله مطالبة المالك بقيمتها عند انتهاء العلاقة الإيجارية، لا يجد له سندًا في نصوص القانون، ولا في قضاء محكمة النقض أو المحكمة الدستورية العليا.

 دساتير ما بعد الربيع العربي: مصر وتونس في الميزانبقلم د. حازم عيسويدكتوراة القانون الدستوري والنظم السياسيةتمهيد:قد يبد...
02/08/2026


دساتير ما بعد الربيع العربي: مصر وتونس في الميزان

بقلم د. حازم عيسوي
دكتوراة القانون الدستوري والنظم السياسية

تمهيد:
قد يبدو للوهلة الأولى أن مصر وتونس تنتميان إلى النموذج نفسه؛ فكلاهما جمهورية خرجت من ثورة شعبية أعقبها تأسيس دستوري جديد.

غير أن المقارنة الدستورية لا تُبنى على شكل النظام، بل على تطور النصوص التي أعادت توزيع السلطة بين مؤسسات الدولة، وما إذا كانت هذه النصوص انتهت إلى تكريس التوازن أم إلى إعادة تركيز السلطة.

أولًا: مصر... من إعادة التوزيع إلى إعادة التركيز

لم يكن دستور 2014 مجرد بديل لدستور 2012، بل أعاد توزيع السلطة في اتجاهين متعاكسين. فمن ناحية، طالت مواده الخاصة بالحكومة إعادة صياغة تحد من بعض صور الانفراد بالقرار التي تضمنها النص السابق، دون أن يبلغ ذلك حد إعادة بناء العلاقة كليًا بين الرئاسة والحكومة.

ومن ناحية أخرى منح مؤسسات بعينها استقلالًا دستوريًا أوسع عن الرئاسة: كرّست المادة 203 وضعًا خاصًا لموازنة القوات المسلحة، وأخرجت المادتان 206 و207 جهاز الشرطة من التبعية المباشرة لرئيس الجمهورية، واشترطت المادة 234 موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على تعيين وزير الدفاع، كما ألغى دستور 2014 الرقابة الدستورية السابقة على قوانين الانتخابات التي كانت تقررها المادة 177 من دستور 2012.

أما مدة الرئاسة فلم تتغير؛ فقد بقيت أربع سنوات في المادة 140 كما كانت أربع سنوات في المادة 133 من دستور 2012. فالمعيار هنا لا يكمن في حجم سلطة مؤسسة بعينها، بل في التوازن الذي يحكم علاقتها ببقية المؤسسات، وهو ما يتفق مع ما قرره سليمان الطماوي من أن الفصل بين السلطات لا يعني الفصل الجامد أو الميكانيكي، وإنما يقوم على توزيع الاختصاصات مع قيام الرقابة والتوازن المتبادل بينها. (١).

جاء تعديل 2019 في اتجاه مختلف. فلم يمس الضمانات التي منحتها وثيقة 2014 للمؤسسات العسكرية والأمنية، وإنما انصرف أساسًا إلى القيود المفروضة على الرئاسة. فمدت المادة 140 مدة الرئاسة إلى ست سنوات، وأضافت المادة 241 مكرر فترة انتقالية جديدة للرئيس القائم، رغم أن المادة 226 تحظر تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية إلا إذا كان التعديل يحقق مزيدًا من الضمانات.

كما أصبحت المادة 189 تجعل تعيين النائب العام بقرار من رئيس الجمهورية من بين مرشحين يختارهم مجلس القضاء الأعلى، وعدلت المادة 193 آلية اختيار رئيس المحكمة الدستورية العليا، بينما حوّل تعديل المادة 234 موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على تعيين وزير الدفاع من قيد انتقالي إلى شرط دائم.

ولا تؤدي هذه المقارنة إلى القول إن مصر عادت إلى دستور 1971. فذلك الدستور منح رئيس الجمهورية سلطات واسعة، لكنه لم يعرف رئاسة الرئيس للمجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية، ولم يمنحه آليات اختيار رؤساء الهيئات القضائية بالصورة التي استقرت بعد تعديل 2019، كما لم يتضمن الدور الدستوري المضاف للقوات المسلحة في المادة 200.

ومن ثم فإن المسار المصري لم يعد إلى دستور 1971، بل انتهى إلى نموذج رئاسي جديد يستعيد بعض خصائصه ويختلف عنه في أخرى؛ وهذا يتسق مع ما تقرره النظرية العامة للنظم السياسية للدكتور ثروت بدوي من أن تصنيف النظام لا يُبنى على تسميته الشكلية أو على استمرار عنوانه الجمهوري، بل على الكيفية التي تتوزع بها الاختصاصات والعلاقات بين السلطات العامة، إذ قد تتشابه التسميات الدستورية بينما تختلف البنية الحقيقية للنظام السياسي (٢).

ثانيًا: تونس... من التوازن إلى إعادة التأسيس

قام دستور 2014 على توزيع السلطة بين الرئاسة والحكومة والبرلمان، وربط هذا التوزيع بضمانات واضحة تمنع احتكار السلطة التنفيذية بعد تجربة النظام الرئاسي السابق.

فنظم الفصل 80 حالة الاستثناء مع استمرار انعقاد البرلمان وإمكانية رقابة المحكمة الدستورية على استمرارها، وأنشأ الفصل 112 مجلسًا أعلى للقضاء موحدًا، وربط الفصلان 89 و97 استمرار الحكومة بثقة البرلمان. ولم يكن هذا التوزيع خيارًا تقنيًا عابرًا، بل ثمرة معارك سياسية وأيديولوجية كبرى حُسمت بالتوافق لا بالغلبة، وهو ما يوضحه عياض بن عاشور في تحليله للمسار الدستوري التونسي بعد الثورة(٣).

بدأ التحول في 25 يوليو 2021 بتفعيل الرئيس قيس سعيد الفصل 80، ثم تجاوز حدوده بالأمر الرئاسي 117 الذي علّق معظم أحكام الدستور ومنح الرئيس سلطة التشريع بالمراسيم.

وأعقب ذلك المرسوم 35 لسنة 2022 الذي أتاح إعفاء القضاة، ثم جاء دستور 2022 ليعيد بناء النظام الدستوري، فألغى المجلس الأعلى للقضاء بصيغته السابقة وأعاد تنظيمه في ثلاثة مجالس، ونقل تنظيم السلطات الاستثنائية إلى نصوص جديدة، ومنح رئيس الجمهورية صلاحيات أوسع في المجالين التنفيذي والتشريعي.

ومع ذلك، لا يصح القول إن تونس عادت إلى دستور 1959. فدستور 2022 استعاد منطق مركزية الرئاسة، لكنه لم يستنسخ البناء الدستوري القديم، بل أنشأ نموذجًا جديدًا يستخدم أدوات مختلفة ويستند إلى نصوص جديدة، وإن انتهى إلى نتيجة متقاربة في موقع رئيس الجمهورية داخل النظام السياسي.

ثالثًا: قراءة مقارنة

يختلف المساران المصري والتونسي في الشكل. ففي مصر انتقلت السلطة بين ثلاث محطات دستورية: دستور 2012، ثم دستور 2014، ثم تعديل 2019. أما تونس فسارت عبر أربع محطات: دستور 2014، ثم تفعيل الفصل 80، ثم الأمر الرئاسي 117 وما تبعه من مراسيم، ثم دستور 2022. لكن النتيجة تكاد تتقارب.

ففي الحالتين أصبحت الجهة التي تملك سلطة تعديل قواعد النظام هي نفسها المستفيد الأكبر من إعادة تشكيلها، وهو ما حذّر منه مونتسكيو بقوله إن السلطة لا يحدها إلا وجود سلطة أخرى تعادلها (٤).

وتقارب بعض جوانب الحالة المصرية ما تناوله ديفيد لانداو في دراسته عن استخدام آليات التعديل الدستوري لإعادة تشكيل موازين السلطة داخل النظام الدستوري، من خلال توظيف إجراءات التعديل في تقليص بعض الضمانات الدستورية التي وُضعت أصلًا لتحقيق التوازن بين السلطات (٥). كما يتقاطع ذلك مع ما عرضته كيم لين شبيلي بشأن إمكان إحداث تحولات دستورية عميقة عبر الأدوات القانونية القائمة، دون الحاجة إلى إلغاء الإطار الدستوري أو الخروج عليه شكليًا (٦).

ويوضح تمييز كارل لوينشتاين بين الدستور المعياري الذي يقيد السلطة فعليًا والدستور الاسمي الذي يحتفظ ببنيته بعد أن يفرغ من وظيفته العملية أن هذا التحول لا يحتاج بالضرورة إلى إلغاء النص أو حتى استبداله، وأنه قد يتم على مراحل متباعدة كما في مصر بين 2014 و2019، أو عبر محطات متلاحقة خلال عام واحد كما في تونس بين 2021 و2022 (٧).

ولا تكشف التجربتان عن عودة إلى الدساتير السابقة على الثورتين، بل عن نشوء نماذج دستورية جديدة استعادت كثيرًا من خصائصها وأضافت إليها ترتيبات لم تكن قائمة فيها من قبل. ومن ثم فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بشكل الجمهورية، بل بقدرة الدستور على حماية التوازن الذي أنشأه من السلطة ذاتها التي تملك حق تعديله.

المراجع

(١) سليمان محمد الطماوي، السلطات الثلاث في الدساتير العربية المعاصرة وفي الفكر السياسي الإسلامي، دار الفكر العربي، القاهرة، ط 6، 1996.
(٢) ثروت بدوي، النظم السياسية (الكتاب الأول: تطور الفكر السياسي والنظرية العامة للنظم السياسية)، دار النهضة العربية، القاهرة، 1961.
(٣) عياض بن عاشور، تونس... ثورة في بلاد الإسلام، دار سيراس للنشر، تونس، 2016.
(٤) Montesquieu, De l'esprit des lois, Livre XI, Chapitre IV, 1748.
(٥) David Landau, "Abusive Constitutionalism," University of California, Davis, Law Review, vol. 47, no. 1 (2013), pp. 189-260.
(٦) Kim Lane Scheppele, "Autocratic Legalism," University of Chicago Law Review, vol. 85, no. 2 (2018), pp. 545-583.
(٧) Karl Loewenstein, Political Power and the Governmental Process, University of Chicago Press, 1957.

Address

Mansoura
Mansourah
35688

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when معا نحل المشاكل القانونية posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Shortcuts

Share