02/08/2026
دساتير ما بعد الربيع العربي: مصر وتونس في الميزان
بقلم د. حازم عيسوي
دكتوراة القانون الدستوري والنظم السياسية
تمهيد:
قد يبدو للوهلة الأولى أن مصر وتونس تنتميان إلى النموذج نفسه؛ فكلاهما جمهورية خرجت من ثورة شعبية أعقبها تأسيس دستوري جديد.
غير أن المقارنة الدستورية لا تُبنى على شكل النظام، بل على تطور النصوص التي أعادت توزيع السلطة بين مؤسسات الدولة، وما إذا كانت هذه النصوص انتهت إلى تكريس التوازن أم إلى إعادة تركيز السلطة.
أولًا: مصر... من إعادة التوزيع إلى إعادة التركيز
لم يكن دستور 2014 مجرد بديل لدستور 2012، بل أعاد توزيع السلطة في اتجاهين متعاكسين. فمن ناحية، طالت مواده الخاصة بالحكومة إعادة صياغة تحد من بعض صور الانفراد بالقرار التي تضمنها النص السابق، دون أن يبلغ ذلك حد إعادة بناء العلاقة كليًا بين الرئاسة والحكومة.
ومن ناحية أخرى منح مؤسسات بعينها استقلالًا دستوريًا أوسع عن الرئاسة: كرّست المادة 203 وضعًا خاصًا لموازنة القوات المسلحة، وأخرجت المادتان 206 و207 جهاز الشرطة من التبعية المباشرة لرئيس الجمهورية، واشترطت المادة 234 موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على تعيين وزير الدفاع، كما ألغى دستور 2014 الرقابة الدستورية السابقة على قوانين الانتخابات التي كانت تقررها المادة 177 من دستور 2012.
أما مدة الرئاسة فلم تتغير؛ فقد بقيت أربع سنوات في المادة 140 كما كانت أربع سنوات في المادة 133 من دستور 2012. فالمعيار هنا لا يكمن في حجم سلطة مؤسسة بعينها، بل في التوازن الذي يحكم علاقتها ببقية المؤسسات، وهو ما يتفق مع ما قرره سليمان الطماوي من أن الفصل بين السلطات لا يعني الفصل الجامد أو الميكانيكي، وإنما يقوم على توزيع الاختصاصات مع قيام الرقابة والتوازن المتبادل بينها. (١).
جاء تعديل 2019 في اتجاه مختلف. فلم يمس الضمانات التي منحتها وثيقة 2014 للمؤسسات العسكرية والأمنية، وإنما انصرف أساسًا إلى القيود المفروضة على الرئاسة. فمدت المادة 140 مدة الرئاسة إلى ست سنوات، وأضافت المادة 241 مكرر فترة انتقالية جديدة للرئيس القائم، رغم أن المادة 226 تحظر تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية إلا إذا كان التعديل يحقق مزيدًا من الضمانات.
كما أصبحت المادة 189 تجعل تعيين النائب العام بقرار من رئيس الجمهورية من بين مرشحين يختارهم مجلس القضاء الأعلى، وعدلت المادة 193 آلية اختيار رئيس المحكمة الدستورية العليا، بينما حوّل تعديل المادة 234 موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على تعيين وزير الدفاع من قيد انتقالي إلى شرط دائم.
ولا تؤدي هذه المقارنة إلى القول إن مصر عادت إلى دستور 1971. فذلك الدستور منح رئيس الجمهورية سلطات واسعة، لكنه لم يعرف رئاسة الرئيس للمجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية، ولم يمنحه آليات اختيار رؤساء الهيئات القضائية بالصورة التي استقرت بعد تعديل 2019، كما لم يتضمن الدور الدستوري المضاف للقوات المسلحة في المادة 200.
ومن ثم فإن المسار المصري لم يعد إلى دستور 1971، بل انتهى إلى نموذج رئاسي جديد يستعيد بعض خصائصه ويختلف عنه في أخرى؛ وهذا يتسق مع ما تقرره النظرية العامة للنظم السياسية للدكتور ثروت بدوي من أن تصنيف النظام لا يُبنى على تسميته الشكلية أو على استمرار عنوانه الجمهوري، بل على الكيفية التي تتوزع بها الاختصاصات والعلاقات بين السلطات العامة، إذ قد تتشابه التسميات الدستورية بينما تختلف البنية الحقيقية للنظام السياسي (٢).
ثانيًا: تونس... من التوازن إلى إعادة التأسيس
قام دستور 2014 على توزيع السلطة بين الرئاسة والحكومة والبرلمان، وربط هذا التوزيع بضمانات واضحة تمنع احتكار السلطة التنفيذية بعد تجربة النظام الرئاسي السابق.
فنظم الفصل 80 حالة الاستثناء مع استمرار انعقاد البرلمان وإمكانية رقابة المحكمة الدستورية على استمرارها، وأنشأ الفصل 112 مجلسًا أعلى للقضاء موحدًا، وربط الفصلان 89 و97 استمرار الحكومة بثقة البرلمان. ولم يكن هذا التوزيع خيارًا تقنيًا عابرًا، بل ثمرة معارك سياسية وأيديولوجية كبرى حُسمت بالتوافق لا بالغلبة، وهو ما يوضحه عياض بن عاشور في تحليله للمسار الدستوري التونسي بعد الثورة(٣).
بدأ التحول في 25 يوليو 2021 بتفعيل الرئيس قيس سعيد الفصل 80، ثم تجاوز حدوده بالأمر الرئاسي 117 الذي علّق معظم أحكام الدستور ومنح الرئيس سلطة التشريع بالمراسيم.
وأعقب ذلك المرسوم 35 لسنة 2022 الذي أتاح إعفاء القضاة، ثم جاء دستور 2022 ليعيد بناء النظام الدستوري، فألغى المجلس الأعلى للقضاء بصيغته السابقة وأعاد تنظيمه في ثلاثة مجالس، ونقل تنظيم السلطات الاستثنائية إلى نصوص جديدة، ومنح رئيس الجمهورية صلاحيات أوسع في المجالين التنفيذي والتشريعي.
ومع ذلك، لا يصح القول إن تونس عادت إلى دستور 1959. فدستور 2022 استعاد منطق مركزية الرئاسة، لكنه لم يستنسخ البناء الدستوري القديم، بل أنشأ نموذجًا جديدًا يستخدم أدوات مختلفة ويستند إلى نصوص جديدة، وإن انتهى إلى نتيجة متقاربة في موقع رئيس الجمهورية داخل النظام السياسي.
ثالثًا: قراءة مقارنة
يختلف المساران المصري والتونسي في الشكل. ففي مصر انتقلت السلطة بين ثلاث محطات دستورية: دستور 2012، ثم دستور 2014، ثم تعديل 2019. أما تونس فسارت عبر أربع محطات: دستور 2014، ثم تفعيل الفصل 80، ثم الأمر الرئاسي 117 وما تبعه من مراسيم، ثم دستور 2022. لكن النتيجة تكاد تتقارب.
ففي الحالتين أصبحت الجهة التي تملك سلطة تعديل قواعد النظام هي نفسها المستفيد الأكبر من إعادة تشكيلها، وهو ما حذّر منه مونتسكيو بقوله إن السلطة لا يحدها إلا وجود سلطة أخرى تعادلها (٤).
وتقارب بعض جوانب الحالة المصرية ما تناوله ديفيد لانداو في دراسته عن استخدام آليات التعديل الدستوري لإعادة تشكيل موازين السلطة داخل النظام الدستوري، من خلال توظيف إجراءات التعديل في تقليص بعض الضمانات الدستورية التي وُضعت أصلًا لتحقيق التوازن بين السلطات (٥). كما يتقاطع ذلك مع ما عرضته كيم لين شبيلي بشأن إمكان إحداث تحولات دستورية عميقة عبر الأدوات القانونية القائمة، دون الحاجة إلى إلغاء الإطار الدستوري أو الخروج عليه شكليًا (٦).
ويوضح تمييز كارل لوينشتاين بين الدستور المعياري الذي يقيد السلطة فعليًا والدستور الاسمي الذي يحتفظ ببنيته بعد أن يفرغ من وظيفته العملية أن هذا التحول لا يحتاج بالضرورة إلى إلغاء النص أو حتى استبداله، وأنه قد يتم على مراحل متباعدة كما في مصر بين 2014 و2019، أو عبر محطات متلاحقة خلال عام واحد كما في تونس بين 2021 و2022 (٧).
ولا تكشف التجربتان عن عودة إلى الدساتير السابقة على الثورتين، بل عن نشوء نماذج دستورية جديدة استعادت كثيرًا من خصائصها وأضافت إليها ترتيبات لم تكن قائمة فيها من قبل. ومن ثم فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بشكل الجمهورية، بل بقدرة الدستور على حماية التوازن الذي أنشأه من السلطة ذاتها التي تملك حق تعديله.
المراجع
(١) سليمان محمد الطماوي، السلطات الثلاث في الدساتير العربية المعاصرة وفي الفكر السياسي الإسلامي، دار الفكر العربي، القاهرة، ط 6، 1996.
(٢) ثروت بدوي، النظم السياسية (الكتاب الأول: تطور الفكر السياسي والنظرية العامة للنظم السياسية)، دار النهضة العربية، القاهرة، 1961.
(٣) عياض بن عاشور، تونس... ثورة في بلاد الإسلام، دار سيراس للنشر، تونس، 2016.
(٤) Montesquieu, De l'esprit des lois, Livre XI, Chapitre IV, 1748.
(٥) David Landau, "Abusive Constitutionalism," University of California, Davis, Law Review, vol. 47, no. 1 (2013), pp. 189-260.
(٦) Kim Lane Scheppele, "Autocratic Legalism," University of Chicago Law Review, vol. 85, no. 2 (2018), pp. 545-583.
(٧) Karl Loewenstein, Political Power and the Governmental Process, University of Chicago Press, 1957.