08/06/2026
الشقق المغلقة... هل نعالج النتيجة أم السبب؟
تمهيد:
أعاد تصريح رئيس مجلس الوزراء بشأن دراسة ضوابط وحوافز للتعامل مع الوحدات السكنية المغلقة فتح ملف ظل يُدار غالبًا من زاوية قاصرة؛ إذ يُطرح السؤال عادة: كيف نُجبر المالك على فتح شقته؟ بينما السؤال الأدق: لماذا أصبح الإغلاق هو الخيار الأكثر أمانًا من التشغيل؟
تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى وجود نحو 12.5 مليون وحدة سكنية خالية أو مغلقة. غير أن اختزال هذا الرقم في كونه مشكلة واحدة يؤدي إلى تشخيص مضلل؛ فالمخزون السكني يتوزع بين وحدات غير مكتملة، وأخرى مملوكة لمصريين بالخارج، وثالثة تُستخدم كوعاء ادخاري لحفظ القيمة، ورابعة خرجت من السوق فعليًا بسبب ارتفاع مخاطر التأجير وصعوبة استرداد العين عند النزاع.
وتكشف التجارب المقارنة أن الدول التي نجحت في معالجة الظاهرة لم تعتمد على العقوبات أو الأعباء المالية وحدها، بل على إعادة تعريف “أمان التأجير”. فكلما كانت إجراءات الإخلاء أسرع، والفصل في المنازعات أكثر حسمًا، والتنفيذ أقل تعقيدًا، تراجع دافع الإغلاق لصالح التشغيل.
وفي الحالة المصرية، لا تكمن الإشكالية الأساسية في غياب النصوص القانونية، بل في كلفة وبطء التطبيق. فامتداد أمد التقاضي، وتعقد إجراءات التنفيذ، وعدم انضباط المدد الزمنية في بعض المنازعات، يحول الإغلاق من قرار اقتصادي إلى قرار وقائي لحماية الملكية. ومن ثم فإن تحميل الوحدات المغلقة أعباء إضافية يعالج الأثر لا السبب.
لذلك فإن أي سياسة جادة لزيادة المعروض السكني يجب أن تبدأ بإصلاح بيئة التقاضي والتنفيذ عبر دوائر متخصصة للمنازعات الإيجارية، وتوسيع نطاق الأوامر الوقتية متى توافرت شروطها، وتحديد مدد ملزمة للإجراءات القضائية والتنفيذية بما يضمن سرعة استرداد الحقوق دون إطالة غير مبررة.
غير أن هذا المسار لا يكفي منفردًا، إذ إن معادلة السوق السكني تظل مرتبطة أيضًا بتكلفة إنتاج الوحدة الجديدة. فارتفاع رسوم التراخيص، وتعدد جهات الاعتماد، وطول دورة إصدار الموافقات، وتزايد أعباء إدخال المرافق، جميعها عناصر تُضاف في النهاية إلى سعر الوحدة النهائية.
ومن ثم فإن الإصلاح المتكامل يقتضي إنشاء شباك موحد للتراخيص والمرافق، وربط جميع الإجراءات بمدد قانونية محددة، وإعادة تقييم الرسوم بما يعكس تكلفة الخدمة الفعلية، مع إتاحة سدادها على مراحل التنفيذ، إلى جانب حوافز ضريبية تستهدف المشروعات التي تضيف معروضًا حقيقيًا للسوق أو تتجه إلى الإيجار المنظم طويل الأجل.
إن حماية الملكية الخاصة لا تتعارض مع تنظيم السوق العقارية، بل تمثل شرطًا لاستقراره. كما أن زيادة المعروض السكني لا تتحقق عبر الضغط على الملاك أو التوسع في البناء فقط، وإنما عبر معادلة متوازنة تقوم على ثلاثة محاور: تقليل مخاطر التأجير، وتسريع استرداد الحقوق، وخفض تكلفة الإنتاج.
وعند تحقق هذه المعادلة، يصبح تشغيل الوحدة السكنية خيارًا أكثر أمانًا وجدوى من إغلاقها، فيتحرك السوق تلقائيًا نحو إعادة توظيف جزء معتبر من المخزون القائم، دون صدام مع الملكية الخاصة أو تحميل المواطن كلفة غير مبررة.