10/08/2026
بعيدا عن الضجة التي صاحبت خبر إحالة شركات المحمول الأربعة إلى النيابة العامة، أعتقد أن هناك جانبا مهما من القضية لم يأخذ حقه من النقاش حتى الآن.
وهو: كيف صممت شركات الاتصالات منظومة بيع وتفعيل الشرائح؟ وما الحوافز التي كانت تدفع العامل أو موظف المبيعات إلى تحقيق أكبر عدد ممكن من عمليات البيع؟
لأنني أرى أن الحديث عن موظف أو وكيل قام بتسجيل خط باسم مواطن دون علمه، ثم إغلاق الملف عند هذه النقطة، لا يكفي.
هناك سؤال أكبر:
هل ساهمت سياسات الشركات في خلق بيئة تشجع على بيع الشرائح بأي طريقة، بسبب ربط جزء من دخل العامل أو الحوافز التي يحصل عليها بعدد الشرائح التي يبيعها أو يفعلها؟
إذا كانت إجابة هذا السؤال بالإيجاب، فنحن أمام مشكلة مختلفة تماما.
العامل الذي يعلم أن جزءا من أجره أو حوافزه مرتبط بتحقيق "التارجت" الخاص ببيع الشرائح، قد يجد نفسه تحت ضغط مستمر لتحقيق أكبر عدد من العمليات.
وهنا يصبح السؤال:
ماذا يحدث عندما يتعارض تحقيق التارجت مع الالتزام الصارم بإجراءات التحقق من هوية العميل؟
هل تكون الأولوية لدقة إجراءات التحقق؟
أم للرقم الذي يجب تحقيقه في نهاية الشهر؟
هذه النقطة تحديدا تستحق تحقيقا مستقلا.
لأن منظومة الحوافز داخل أي مؤسسة ليست مسألة إدارية داخلية عندما تكون نتيجة هذه الحوافز قد تؤثر على حقوق المواطنين أو سلامة بياناتهم.
إذا كان العامل يحصل على حافز كلما باع شريحة جديدة، بينما لا يتحمل بنفس الدرجة من المسؤولية عن صحة بيانات العميل، فقد تنشأ معادلة خطيرة:
بيع أكثر = دخل أكبر، بينما خطأ التحقق = مسؤولية قد تقع في النهاية على الموظف وحده أو على الوكيل.
وهذه معادلة تحتاج إلى مراجعة.
لا أقول إن كل موظف باع شريحة كان مدفوعا بهذا الشكل، ولا أقول إن سياسة الحوافز وحدها هي التي صنعت الأزمة.
لكن من غير المنطقي، في رأيي، أن يتم التحقيق في آلاف الحالات المحتملة دون فحص الطريقة التي كانت تدار بها عملية البيع نفسها.
من يحدد التارجت؟
كيف يتم احتساب الحوافز؟
هل الحافز مرتبط بمجرد تفعيل الشريحة، أم بصحة واستمرارية التعاقد؟
هل تتم محاسبة الموظف إذا ثبت أن بيانات العميل لم يتم التحقق منها بالشكل الصحيح؟
هل توجد رقابة فعلية على منافذ البيع؟
وهل كانت الإدارة تعرف أن الضغط لتحقيق أرقام المبيعات قد يؤدي إلى تجاوز إجراءات التحقق؟
هذه أسئلة يجب أن تكون على طاولة التحقيق.
لأن المسؤولية لا تبدأ بالضرورة عند الموظف الذي ضغط على زر "تفعيل".
المسؤولية تبدأ من تصميم النظام الذي أعطى هذا الموظف الصلاحية، وحدد له هدفه، وربط دخله أو حوافزه بتحقيق هذا الهدف، ثم وضع إجراءات الرقابة على التنفيذ.
وهنا نصل إلى نقطة أكثر خطورة.
إذا كان المواطن قد اكتشف أن هناك خطا مسجلا باسمه دون علمه، فالمطلوب ألا نكتفي بسؤاله:
"مين الموظف اللي سجل الخط؟"
بل يجب أن نسأل أيضا:
لماذا كان تسجيل الخط ممكنا من الأساس؟
أين إجراءات التحقق؟
أين المراجعة؟
أين الرقابة على الوكلاء؟
أين أنظمة اكتشاف العمليات غير الطبيعية؟
وأين كانت الإدارة عندما كان يتم تحقيق أرقام المبيعات؟
هذه ليست أسئلة للهجوم على الشركات لمجرد الهجوم.
هذه أسئلة طبيعية عندما يتعلق الأمر ببيانات وهوية ملايين المواطنين.
ومن المهم هنا التأكيد على أن إحالة الشركات أو العاملين إلى النيابة لا تعني ثبوت المسؤولية الجنائية، فذلك أمر متروك للتحقيق والقضاء.
لكن في الوقت نفسه، لا ينبغي أن تتحول قرينة البراءة إلى وسيلة تمنعنا من فحص السياسات الإدارية والتجارية التي قد تكون ساهمت في خلق بيئة سمحت بوقوع المخالفات.
والحقيقة أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تنتهي القضية عند عدد من الموظفين والوكلاء.
يتم إلغاء الخطوط.
وتغلق بعض المنافذ.
ويتم اتخاذ بعض الإجراءات.
ثم تعود منظومة البيع للعمل بنفس فلسفة التارجت والحوافز ونفس نقاط الضعف.
إذا حدث ذلك، فلن نكون قد عالجنا المشكلة.
سنكون فقط قد تعاملنا مع نتائجها.
الإصلاح الحقيقي يبدأ من مراجعة المنظومة بالكامل:
طريقة بيع الشرائح، إجراءات التحقق من الهوية، الرقابة على الوكلاء، آليات التفعيل، نظام الحوافز، مسؤولية الإدارة، وآليات محاسبة من يتجاوز إجراءات التحقق.
لأن الموظف الذي يتم الضغط عليه لتحقيق رقم مبيعات ليس هو وحده المسؤول عن النظام الذي وضع هذا الرقم.
والشركة التي تضع نظام الحوافز ليست بالضرورة مسؤولة جنائيا لمجرد وجود النظام، لكن من حق المجتمع أن يسأل: هل صُمم هذا النظام بطريقة تضع حماية بيانات المواطن في مرتبة أعلى من مجرد تحقيق مستهدفات المبيعات؟
هذا هو السؤال الحقيقي.
القضية في النهاية ليست شريحة محمول.
القضية أن مواطنا قد يستيقظ في يوم من الأيام ليجد علاقة تعاقدية قائمة باسمه وهو لم ينشئها.
وهنا لا يكفي أن نقول له:
"روح الغي الخط."
بل يجب أن نعرف:
كيف خرج الخط من المنظومة باسمك؟
ومن سمح بذلك؟
ومن استفاد من عملية البيع؟
ومن كان مسؤولا عن التحقق؟
ومن كان مسؤولا عن الرقابة؟
وهل كانت هناك سياسات داخلية جعلت تحقيق المبيعات أهم عمليا من التحقق الدقيق من هوية العميل؟
إذا كانت الإجابة ستكشف خللا فرديا، فليحاسب المسؤول عنه.
أما إذا كشفت خللا في النظام نفسه، فالإصلاح يجب أن يصل إلى النظام.
لأن حماية هوية المواطن لا يمكن أن تكون أقل أهمية من تحقيق التارجت.
وإذا كان المطلوب إصلاحا حقيقيا، فالمحاسبة يجب ألا تتوقف عند آخر موظف في السلسلة.
ابحثوا عن الخلل من أعلى المنظومة إلى أسفلها.
#الاتصالات
#مصر