22/08/2025
أحمد الجمَّال ...📝 " ؟"
المال السياسي .. صناعة الشعب أم صناعة الحكومة ؟!!
في كل موسم انتخابي بمصر ، تعود للواجهة قضية المال السياسي ، تلك الظاهرة التي ترتبط بالانتخابات منذ عقود .
المعتاد في الخطاب العام أن يُلقى اللوم على الحكومة أو الدولة باعتبارها المتهم الأول في صناعة المال السياسي أو التغاضي عنه ، غير أن الحقيقة الأعمق والأكثر إيلامًا تكمن في أن المال السياسي لم يعد مجرد أداة بيد السلطة ، بل أصبح – في كثير من الأحيان – صناعة جماهيرية صافية ، يصنعها الشعب بنفسه قبل أن يستغلها المرشحون .
حين يقبل ناخبٌ على بيع صوته مقابل مبلغ من المال أو كيس سلع غذائية أو حتى وعد بخدمة شخصية ، فإننا أمام معادلة خطيرة :-
المواطن نفسه هو من شرعن الفكرة !! فلو لم يجد المرشح من يبيع صوته ، لما خاطر ولا أنفق ، وبالتالي فإن المال السياسي ليس فقط وسيلة لشراء النفوذ ، بل هو انعكاس مباشر لأزمة القيم السياسية والاجتماعية في الشارع .
🔴 ثقافة "المقايضة الانتخابية" ...
المجتمع المصري – شأنه شأن مجتمعات نامية أخرى – مرّ بتجارب طويلة جعلت الكثير من الناس يفقدون الثقة في جدوى العملية السياسية ، ومع غياب البرامج الواضحة والأحزاب الفاعلة .. تحولت السياسة إلى سوق للمقايضة:- الناخب لا يسأل عن مشروع الدولة أو خطط التنمية ، بل يسأل :- "هيديني إيه؟"
والمرشح بدوره لا يبحث عن وعي ولا مشاركة ، بل عن وسيلة أسرع لحصد الأصوات .
📌هنا تتجلى صناعة المال السياسي من القاعدة ، لا من القمة .
⛔️ الحكومة بين العجز والتواطؤ :-
لا يمكن تبرئة الدولة كلياً ؛ فضعف آليات الرقابة ، وغياب الوعي الانتخابي عبر مؤسسات التعليم والإعلام ، كلها عوامل سمحت بتغول المال السياسي ، لكن القول بأن الحكومة هي من تصنعه وحدها ، يغفل أن الطلب الشعبي عليه هو الذي يجعله مربحًا .
📌 فكما لا يمكن للتاجر أن ينجح دون زبائن ، لا يمكن للمرشح أن يستخدم المال السياسي بفاعلية دون مواطنين مستعدين لقبوله .
⛔️ النتائج الكارثية .... :-
المال السياسي يختزل السياسة في "خدمة شخصية" ويفرغ البرلمان من دوره الرقابي والتشريعي .
📌 النائب الذي أنفق الملايين لن يرى نفسه ممثلًا للشعب ، بل مستثمرًا يبحث عن استرداد رأس ماله ، سواء عبر صفقات أو نفوذ ، بينما المواطن الذي باع صوته يفقد حقه الأخلاقي في الاعتراض، لأنه شارك في جريمة إفساد الديمقراطية .
⛔️ الطريق إلى التغيير ...
إذا أردنا مواجهة المال السياسي بجدية ، فالمعركة ليست فقط في ساحات المحاكم أو لجان الانتخابات ، بل في وعي المواطن نفسه ...
فحين يدرك الناخب أن صوته هو رأس ماله الحقيقي في صنع المستقبل ، وأن بيعه يعني بيع حقوق أولاده ، حينها فقط يتراجع المال السياسي .
الدولة تستطيع أن تسن قوانين وتفرض رقابة ، لكن الإصلاح الأعمق يظل بيد الشعب :- "من يبيع صوته يبيع نفسه ، ومن يرفض البيع يضع أساس الديمقراطية الحقيقية" .
✍️ الخلاصة :-
📌 المال السياسي ليس صناعة الحكومة بقدر ما هو صناعة الشعب نفسه ، المرشح يدفع لأنه يعرف أن هناك من سيأخذ ، والمواطن يقبض لأنه فقد إيمانه في التغيير عبر المشاركة الواعية .
إذا أردنا برلمانًا حقيقيا ، فالمعادلة يجب أن تبدأ من الناخب قبل أن تبدأ من الدولة .
أحمد جمال الجمَّال
المحامي
بالإستئناف العالي ومجلس الدولة