30/01/2026
حكم تاريخي يدرس :
من جديد سطرت محكمة النقض في حكمها التاريخي بالطعن رقم 31124 لسنة 69 ق بليغا من القول، وأسست فصلا من فصول الحق، مستنهضة قيم العدالة ومقيمة أركانها على أسس لا تتزعزع، وقد استخلصت لكم جملة من المبادئ علي التفصيل التالي:
أولا: ماهية الإحراز.
إن الإحراز في معناه القانوني الأسمى هو هيمنة إرادة، وبسطة يد، وسلطان كامل على مكنون المادة، فما كان يوما محض حضور مكاني، ولا عرض وجود مادي في حيز الضبط. فلا يستقيم جرم ما لم يثبت فيه التصاق المتهم بالمخدر اتصالا وثيقا، يجعله تحت طائلة تصرفه ومحض مشيئته. أما القرب المادي المجرد فما هو إلا سراب يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءته عين الحقيقة لم تجد ركنا يقوم عليه اتهام، إذ لا جرم بلا سيطرة، ولا عقاب بلا تمكين.
ثانيا: عزل الجناية عن المجالسة.
إن محض الاجتماع في مجلس واحد لا ينسج خيوط الجريمة، ولا ينشئ رابطة تأثيم، فالمجالسة هي التقاء أجساد لا تمازج ذمم. فلا يصح شرعا ولا قانونا أن يؤخذ المرء بجريرة غيره لمجرد المصاحبة المكانية، إذ قد تلتئم الجماعة في مكان قفر أو عامر، وتتفرق بينها المقاصد شذر مذر، فلكل امرئ منهم ما اكتسب من إثم، ولا ينسحب فعل الفاعل على الجليس إلا ببينة تخرق حجاب الظن وتصل إلى جوهر اليقين.
ثالثا: استظهار الركن المادي.
لما كان الركن المادي هو عماد الجريمة وقوام نسيجها، استوجب على الحكم أن يجليه جلاء تاما، لا يشوبه غبش الإبهام ولا تكتنفه ظلمات الاحتمال. فيجب أن ينبئ الحكم عن كيفية الاتصال، ووجه السلطان، ببيان مفصل لا يقبل التأويل، فالمجمل من القول في مواطن الإدانة هباء منثور، وقصور ينحدر بالحكم إلى درك البطلان، إذ إن العدل يأبى أن تزهق الأرواح أو تقيد الحريات ببيان قاصر ران عليه الوهن.
رابعا: قدسية التسبيب.
إن التسبيب هو الحصن الحصين للأحكام، وعروتها الوثقى التي تعصمها من الزلل، فإذا اكتفى الحكم بطرح إنكار المتهم والاطمئنان المجمل لأقوال مأموري الضبط، فقد وهنت أركانه وانقض بنيانه. فلا يقوم حكم على غير تعليل سائغ، ومنطق سديد يمحص الدليل ويرد على الدفاع، وما دون ذلك فليس إلا بناء على شفا جرف هار، ينهار بأدنى فحص، ويتبدد أمام ميزان النقض.
خامسا: شخصية العقوبة.. فلا تزر وازرة وزر أخرى
لقد غدت المسؤولية الجنائية لصيقة بشخص الفاعل، لا تتعداه إلى سواه بغير برهان مبين. فلا تزر وازرة وزر أخرى، ولا يحمل بريء إثم عاص، فامتزاج الأنفاس في حيز واحد لا يعني أبدا امتزاج الإرادات في الفعل الجرمي. إن الخلط بين الجاني والمجاور هو جور مستبين، يفت في عضد العدالة، ويجعل من الأحكام كتلة صماء يضيع فيها حق البريء في غمرة اتهام ربت أركانه على الظن والحدس.
سادسا: الشك حصن البراءة المنيع
يبقى اليقين هو المنار الذي تهتدي به الإدانة، فإذا تطرق الشك إلى ركن الإحراز، ولو بمقدار يسير، تداعت أركان الاتهام وعاد المتهم إلى أصل البراءة الأصيل. فالحرية حق ثابت باليقين، واليقين لا يزول بالشك، وكل حكم ران عليه الاحتمال، أو شابه الظن، فهو حكم حري بالنقض، إذ إن براءة ألف مذنب خير من إدانة بريء واحد بغير حق ولا سلطان مبين.
_________________
اصدقائي واخوتي لمن رنا إلى اقتباس هذا المنشور وغيره، أو أراد النهل من معينه، نثرا أو نظما، كلا أو بعضا؛ فالمجال له فسيح، والإذن له صريح، بلا قيد يغل يده، ولا معقب يقتفي أثره. فما العلم إلا مورد عذب لكل وراد، ونور ساطع يهتدى به في كل ناد؛ وأنتم يا أهل النهى مئوله وذخره، وحماته وفخره. فخذوا منه ما استطاب لكم نفعه، وبان لكم رفعه، وأشيعوه في العالمين ليغني الفكر، ويذكي الذكر، ويشيد صروح الوعي في القلوب. ولا حرج على من شاطره مع ذوي الألباب، ممن يقدر مقام العلم ويفتح لنفائسه الأبواب فشاركوه بينكم؛ والسلام علي من اتبع الهدي .