15/08/2026
شارِك لتعميم الفائدة...
تواجه مكاتب المحاماة مؤخراً فجوة حادة في مهارات صياغة العقود التجارية الحديثة التي تخدم قطاع الأعمال.
وقد يكون أحد أسباب ذلك هو انشغال مكاتب المحاماة بأُمور القضايا الجزائية والمدنية والأحوال الشخصية، لسهولة وصول عملاء هذه الموضوعات إلى المكاتب ؛ حيث جمهورُهم من الأفراد وقرارهم فردي، *مقارنة* بمجال الأعمال الذي لا عملاء فيه سوى الشركات وأصحاب رؤوس الأموال الذين يُتَّخذُ القرار عندهم مؤسسياً أكثر منه فردياً، فبالتالي العميلُ فيه أكثر تعقيداً.
كما أن لعالم الأعمال والشركات لغةً مختلفة عن لغة القانون، قد تكونان متضادتَيْن بعض الشيء؛ فلغة القانون (التي تعتمد على الرتابة والملل فى التفاصيل ومصدرها الأول الكتب والمؤلفات)، تختلف عن لغة الأعمال (التي ينخرط فيها العقل في علاقات متشعبة، وفي معلومات حسابية رياضية وحقائق تمس المكسب والخسارة، وكلها لا يمكن إدراكها من الكتب كالقانون، وإنما تقتضي الممارسة المباشرة).
:
1️⃣ للسادة المحامين أصحاب المكاتب والمؤسسات القانونية: يجب الاستعانة بأصحاب الخبرة لإلقاء محاضرات وتنفيذ ورش عمل لشباب المحامين في صياغة العقود.
2️⃣ أما لشباب المحامين: فنقول لهم إن نماذج العقود من الإنترنت أو الـ (AI) لن تصنع منك محامياً قادراً على صياغة كل هذه الأنواع من العقود وما يستجد في النشاط الاقتصادي الذي لم ولن يكف عن التطور والحاجة إلى صياغات وأنواع جديدة من العقود.
- يلزمك قراءة النظرية العامة للعقد جيداً، ولا يجب التوقف عند القراءة، بل يجب الاهتمام بالتطبيقات العملية في عالم التجارة والأعمال؛ لأن الفجوة بين النظرية والتطبيق كبيرة وشاسعة، وهنا تلعب الخبرة دورها على حساب الدراسة النظرية.
- يجب أن تدرس أحكام النقض أو التمييز، أو المحكمة العليا —أياً كان مسماها في نظامك القضائي— وما يستجد منها بصورة دورية في شأن العقود المسماة.
#زميلى العزيز، استعد علمياً لمهام عملية عظيمة قد لا يشعر أحد بجهدك وتعبك فيها؛ إذ لا يشعر أحد بالمجهود العلمي في صياغة عقد أو مراجعته، لكنها مسألة ضمير وعلاقة بالله.
صياغة العقود عمل فني من أعمال المحامي الكبرى، ومكاتب السادة المحامين تعاني من قلة المحامين القادرين على تخيل المشاكل المحتملة في تنفيذ أنواع العقود المختلفة ومواجهتها بنصوص تؤمن أطراف العقد.
ومكاتب السادة المحامين —مع الأسف— لا تعترف بالمجهود العلمي والعملي الذي بذله المحامي ليصل إلى درجة معقولة من إجادة صياغة العقود؛ لذلك قد لا يجد المحامي التقدير المادي اللائق، مع الأسف الشديد.
، نذكر منها الآتي:*
- أولاً: متابعة —بل الأفضل اشتراك— المحامي المكلف بالصياغة في جميع مراحل مفاوضات البزنس والصفقات وتبادل المستندات والبيانات، والإلمام بما يبدر ويصدر من كل طرف، مهما تعددت أطراف التعاقد.
- ثانياً: تعمق المحامي في ثقافة القانون العام؛ فمثلاً الأنظمة القانونية التي تعتمد على السوابق القضائية مثل الأنظمة الأنغلوسكسونية تكثر فيها التفاصيل حتى تصل بعض العقود إلى عشرات البنود، أما في الأنظمة اللاتينية المرتبطة بالنظام الفرنسي أو الألماني، فإن القواعد القانونية المفسرة أو المكملة تغني عن الاسترسال في تفاصيل تكفل بها القانون؛ ففي حالة عدم ذكرها تنطبق القواعد المفسرة، إلا في حالة رغبة الطرفين في الاتفاق على ما يخالف هذه القواعد. أما في النظام الإنجليزي أو الأمريكي، فإن عدم ذكر الاتفاق يعني عدم وجود قاعدة متفق عليها، بما يصعب مهمة تفسير وتطبيق العقد. (الرجاء مراجعة ما أوضحه الدكتور أحمد شرف الدين في مرجعه العبقري "صياغة العقود").
- ثالثاً: التعمق في النظرية العامة للعقد في بلد التعاقد وقواعد تنفيذه.
- رابعاً: التعمق في فهم قواعد الإسناد المشروحة في القانون الدولي الخاص في العقود متعددة الجنسية، وهي في مصر غير قليلة.
- خامساً: التعمق في لغة الصياغة، وفي حالة تعدد اللغات، الحرص على تحديد اللغة الأولى بالتطبيق والفهم في حالة اختلاف المعنى بين اللغتين.
- سادساً: معرفة خطورة وتكلفة كل اختيار فني؛ فمثلاً: اختيار التحكيم بدلاً من القضاء، أو اختيار قانون بلد ما كقانون واجب التطبيق.. فقد يكون هذا الاختيار أو ذاك أكثر تكلفة وأكثر استهلاكاً للوقت في بعض الموضوعات.
- سابعاً: التعمق في لغة الصياغة (سواء كانت إنجليزية أو عربية) واقتناء الحد الأدنى من قواعد هذه اللغة؛ ففي اللغة العربية مثلاً حرف العطف "أو" يفيد التخيير أو المغايرة، أما حرف العطف "الواو" فيفيد الجمع والمصاحبة بين المعطوف والمعطوف عليه. وفي الإنجليزية، كلمتا shall و must تختلفان في درجة الإلزامية.
- ثامناً: التركيز على وضوح الإرادة، وإلباس إرادة الأطراف الثوب اللغوي المعبر، والبعد عن التعقيد المثير للبس والغموض.
- تاسعاً: التزام المعيار الأخلاقي؛ بعدم تعمد إخفاء الأثر القانوني لعبارة محددة في العقد عن أيّ من الأطراف، أو تعمد تجهيلها.
#ياسادة! الصياغة القانونية تُمثّل تداخلاً وثيقاً بين العلم، والفن، والأخلاق؛ وهي ملكة تراكمية لا تبلغ قط نهايتها المطلقة. وتقتضي هذه الطبيعة التراكمية التزام رجل القانون بالتعلم المستمر وتطوير مهاراته اللغوية والتحليلية طوال مسيرته المهنية؛ إذ لا توجد حدود مطلقة للإبداع فيها، مما يجعل عملية تجويد النصوص القانونية مساراً تطورياً لا يتوقف عند نقطة كفاية معينة.
منقول من أحد زملاء العمل المجتهدين بعد تنقيحه والتعديل عليه وتصحيح بعض النقاط.
تحياتى
لدي المحاكم العليا