02/08/2026
⚖️ الطلاق الصوري للحصول على المعاش بين أحكام الشريعة الإسلامية والقانون المصري
يعتقد البعض أن الاتفاق على إيقاع طلاق رسمي أمام المأذون ثم استمرار الحياة الزوجية أو الزواج عرفيًا من جديد يعد وسيلة قانونية للحصول على معاش المطلقة أو الاستمرار في صرفه إلا أن هذا الاعتقاد قد يترتب عليه آثار شرعية وقانونية بالغة الخطورة لأن القانون لا يعتد بالشكل وحده وإنما ينظر إلى حقيقة التصرف والغرض منه.
أولًا: التكييف الشرعي
إذا وقع الطلاق مستوفيًا أركانه الشرعية وصدر من الزوج بإرادته ووثق رسميًا أمام المأذون المختص فإنه يقع شرعًا ولو كان الغرض منه التحايل على القانون.
أما إذا تم الزواج مرة أخرى بعقد مستوفٍ لأركانه الشرعية بعد الطلقة الأولى أو الثانية فإن العقد يكون صحيحًا من حيث الأصل إذا توافرت شروطه.
غير أن استعمال الطلاق والزواج وسيلة للحصول على أموال عامة أو معاش لا تستحقه الزوجة يعد من صور التحايل المحرم شرعًا لأنه يدخل في باب الغش وأكل المال بالباطل.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾
(سورة النساء: الآية 29)
وقال رسول الله ﷺ:
"من غش فليس منا."
وبالتالي فإن صحة العقد شرعًا لا تعني مشروعية الغاية التي أبرم من أجلها.
ثانيًا: التكييف القانوني
يقرر القانون المصري أن استحقاق الحقوق التأمينية والمعاشات يكون وفقًا للشروط المحددة بقانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019 وتتولى الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي صرف تلك الحقوق وفقًا لأحكام القانون ولائحته التنفيذية.
فإذا ثبت أن أحد الأشخاص حصل على معاش أو استمر في صرفه اعتمادًا على بيانات غير صحيحة أو بإخفاء واقعة مؤثرة في الاستحقاق فإن الهيئة تملك قانونًا وقف الصرف واسترداد ما صرف دون وجه حق واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة .
ثالثًا: الجرائم التي قد تنشأ بحسب ظروف كل واقعة
لا توجد جريمة واحدة تنطبق تلقائيًا على جميع حالات الطلاق الصوري وإنما يختلف التكييف القانوني بحسب الأدلة والوقائع ومن أبرز الجرائم التي قد تبحثها جهات التحقيق:
أولًا: جريمة النصب
إذا ثبت أن المتهم استعمل طرقًا احتيالية أو قدم بيانات كاذبة للحصول على أموال الهيئة فقد تنطبق المادة 336 من قانون العقوبات متى توافرت جميع أركان الجريمة.
ولا يكفي مجرد الطلاق لإقامة جريمة النصب بل يجب إثبات وجود وسائل احتيالية أدت إلى تسليم المال.
ثانيًا: جرائم التزوير أو استعمال محرر يتضمن بيانات غير صحيحة
إذا قدم المستفيد إقرارًا رسميًا أو مستندًا تضمن بيانات يعلم عدم صحتها ترتب عليها صرف المعاش فقد تقوم مسؤوليته الجنائية وفقًا لنصوص التزوير أو استعمال المحررات بحسب ظروف الواقعة وما يثبت في التحقيق.
ثالثًا: الاستيلاء على المال العام
إذا ترتب على البيانات غير الصحيحة صرف أموال عامة أو أموال هيئة عامة دون وجه حق فقد تنشأ مسؤولية جنائية ومدنية فضلًا عن الالتزام برد الأموال التي تم الحصول عليها.
رابعًا: الإجراءات التي تتخذها الهيئة عند اكتشاف الواقعة
عند وجود شبهة صرف معاش بغير حق يجوز للهيئة المختصة اتخاذ عدة إجراءات منها:
• مراجعة ملف الاستحقاق والمستندات.
• طلب بيانات إضافية من المستفيد.
• وقف صرف المعاش متى توافرت أسبابه القانونية.
• المطالبة برد جميع المبالغ التي صرفت دون وجه حق.
• إحالة الواقعة إلى جهات التحقيق إذا توافرت شبهة جنائية .
خامسًا: كيف يتم كشف هذا النوع من التحايل؟
لم يعد اكتشاف هذه الوقائع يعتمد على البلاغات فقط بل أصبح يتم من خلال وسائل متعددة منها:
✅ الربط الإلكتروني بين قواعد بيانات الجهات الحكومية.
✅ مراجعة بيانات الأحوال المدنية والسجل المدني.
✅ فحص الإقرارات والمستندات المقدمة للحصول على المعاش.
✅ التحريات التي تجريها جهات الضبط المختصة متى كانت مأذونًا بها قانونًا.
✅ أقوال الشهود والقرائن وسائر وسائل الإثبات التي تخضع لتقدير جهات التحقيق والمحكمة.
سادسًا: العقوبات والآثار القانونية
إذا انتهى التحقيق إلى ثبوت ارتكاب جريمة فقد يترتب على ذلك بحسب التكييف القانوني الذي تنتهي إليه المحكمة:
• وقف صرف المعاش.
• رد جميع المبالغ التي صُرفت دون وجه حق.
• إلزام المحكوم عليه بالتعويض عند الاقتضاء.
• توقيع العقوبة المقررة للجريمة التي ثبتت سواء كانت نصبًا أو تزويرًا أو غير ذلك وفقًا لقانون العقوبات.
ولا يجوز الجزم بعقوبة موحدة لكل الحالات لأن العقوبة تختلف باختلاف الوصف القانوني الذي تثبته المحكمة.
الخلاصة القانونية
الطلاق قد يكون صحيحًا من الناحية الشرعية إذا استوفى شروطه إلا أن استعماله وسيلة للتحايل للحصول على معاش أو منفعة مالية من الدولة يمثل سلوكًا غير مشروع وقد يرتب مسؤولية مدنية وجنائية إذا ثبت أن الأموال صُرفت بناءً على بيانات غير صحيحة أو وسائل احتيالية.
وقد أصبح اكتشاف هذا النوع من الوقائع أكثر سهولة مع تطور قواعد البيانات والربط الإلكتروني بين الجهات الحكومية وهو ما يجعل أي محاولة للتحايل تعرض صاحبها لفقدان الحق في الميزة التأمينية ورد الأموال التي حصل عليها فضلًا عن المساءلة الجنائية متى توافرت أركان الجريمة وثبتت أمام القضاء.
الدكتور وسام الفولي
المحام بالنقض و الدستورية و الإدارية العليا
دكتوراه في القانون الجنائي