09/08/2026
سلسلة: طرق كسب الملكية وإثباتها في القانون المدني المصري وأحكام محكمة النقض
الجزء التاسع
هل يجوز تملك أملاك الدولة بالتقادم؟!
وهل يمكن أن تتحول أرض الدولة إلى ملك خاص لمجرد أن شخصًا وضع يده عليها سنوات طويلة؟!
الحقيقة أن الإجابة ليست مجرد «نعم» أو «لا»...
فهناك فرق جوهري بين:
أموال الدولة العامة...
وأموال الدولة الخاصة...
وهذا الفرق قد يغيّر نتيجة الدعوى العقارية بالكامل.
إعداد
مكتب المستشار عامر أبوباغي للمحاماة والاستشارات القانونية
---
تخيل هذا الموقف...
دخل إليَّ أحد الأشخاص وقال:
"يا أستاذ... أنا واضع يدي على قطعة أرض منذ أكثر من ثلاثين سنة، وبنيت عليها منزلًا، وزرعتها، والجميع يعرف أنني أضع يدي عليها منذ زمن طويل."
فسألته:
"الأرض دي ملك مين؟"
قال:
"كانت أرض دولة... لكن أنا واضع يدي عليها من زمان جدًا."
فقلت له:
"هنا تحديدًا تبدأ المشكلة..."
فليس كل عقار يمكن اكتسابه بالتقادم مهما طالت مدة وضع اليد.
وهنا يجب أن نسأل أولًا:
هل المال من الأموال العامة للدولة؟
أم أنه من الأموال الخاصة المملوكة للدولة؟
وهل اكتملت مدة التقادم – إن كان جائزًا أصلًا – قبل التعديل التشريعي الذي حظر تملك أموال الدولة الخاصة بالتقادم؟
---
أولًا: ما المقصود بأموال الدولة العامة؟
الأموال العامة هي الأموال المملوكة للدولة أو للأشخاص الاعتبارية العامة، والمخصصة بالفعل للمنفعة العامة.
مثل:
الطرق العامة.
الميادين.
الجسور.
الموانئ.
الحدائق العامة.
والمنشآت المخصصة لخدمة الجمهور.
وهذه الأموال لها حماية قانونية خاصة، فلا يجوز التعامل عليها باعتبارها مالًا خاصًا عاديًا، ولا يجوز اكتساب ملكيتها بالتقادم طالما ظلت محتفظة بصفة المال العام.
بمعنى أبسط:
لا تستطيع أن تقول: وضعت يدي على طريق عام منذ عشرين أو ثلاثين سنة، إذن أصبح ملكي!
فطبيعة المال نفسها تحول دون ذلك.
---
ثانيًا: وماذا عن أموال الدولة الخاصة؟
هنا تأتي النقطة التي يخطئ فيها كثيرون.
فأموال الدولة الخاصة هي أموال تملكها الدولة، ولكنها ليست مخصصة للمنفعة العامة على النحو الذي تتمتع به الأموال العامة.
ومع ذلك...
لا يعني هذا أن كل مال خاص للدولة يمكن تملكه بالتقادم.
بل على العكس، نصت المادة 970 من القانون المدني – بعد تعديلها بالقانون رقم 147 لسنة 1957 – على عدم جواز تملك الأموال الخاصة المملوكة للدولة أو للأشخاص الاعتبارية العامة بالتقادم، وكذلك عدم جواز كسب أي حق عيني عليها بهذه الطريقة.
أي أن القاعدة الحالية واضحة:
أموال الدولة الخاصة لا تُكتسب ملكيتها بالتقادم متى انطبق عليها الحظر الوارد في المادة 970.
وقد أكدت محكمة النقض هذا المعنى في مبادئها الحديثة، ومن بينها الطعن رقم 7928 لسنة 94 قضائية – جلسة 28/3/2026، الذي تناول مسألة أموال الدولة الخاصة والتقادم المكسب.
---
لكن هنا يوجد استثناء تاريخي شديد الأهمية!
وهنا قد يفاجئك القانون...
لأن تعديل المادة 970 بالقانون رقم 147 لسنة 1957 ليس له أثر رجعي.
فإذا كان شخص قد اكتسب ملكية مال من أموال الدولة الخاصة بالتقادم قبل نفاذ الحظر التشريعي، فإن مركزه القانوني لا يُهدر لمجرد صدور القانون الجديد.
وقد قررت محكمة النقض أن أموال الدولة الخاصة التي كان قد تم كسبها بالتقادم قبل نفاذ القانون رقم 147 لسنة 1957 تظل مملوكة لمن اكتسبها بالتقادم، لأن القانون الجديد لا يسري بأثر رجعي.
وهذه نقطة في غاية الأهمية...
لأن السؤال في بعض المنازعات القديمة لا يكون:
"هل توجد حيازة طويلة؟"
فقط...
وإنما يصبح السؤال:
"متى بدأت الحيازة؟ ومتى اكتملت مدة التقادم؟ وما طبيعة المال وقت اكتمال التقادم؟ وما هو القانون الواجب التطبيق في ذلك التاريخ؟"
---
ثالثًا: هل مجرد وضع اليد على أرض الدولة يكفي؟
الإجابة:
لا.
وضع اليد وحده لا يكفي.
فالتقادم المكسب لا يقوم بمجرد الادعاء بأن الشخص عاش في المكان سنوات طويلة.
بل يجب – في الأصل – أن تكون هناك حيازة قانونية مستوفية لشروطها، وأن تتوافر المدة القانونية، وألا يكون هناك مانع قانوني يحول دون اكتساب الملكية بالتقادم.
والأهم من ذلك كله:
أن يكون المال أصلًا مما يجوز اكتساب ملكيته بالتقادم.
فإذا كان القانون يمنع اكتساب المال بالتقادم، فإن مرور السنوات وحده لا ينشئ الملكية.
---
رابعًا: ماذا لو كان الشخص واضع اليد منذ أكثر من 15 سنة؟
هنا يقع الخطأ الشائع.
يقول البعض:
"أنا واضع اليد منذ أكثر من 15 سنة، إذن أصبحت مالكًا."
وهذا الكلام قد يكون صحيحًا في بعض المنازعات المتعلقة بالأموال الخاصة التي يجوز اكتسابها بالتقادم، متى توافرت باقي شروط الحيازة والتقادم.
لكن...
ليس كل عقار يخضع لهذه القاعدة.
فمدة التقادم شيء...
وجواز اكتساب المال بالتقادم شيء آخر.
والقاعدة المهمة:
لا يكفي اكتمال المدة إذا كان القانون يمنع أصلًا اكتساب المال بالتقادم.
---
خامسًا: وماذا عن الأراضي التي كانت مملوكة للدولة ثم تغيرت طبيعتها؟
هذه من أخطر المسائل التي تحتاج إلى فحص دقيق.
فقد تكون الأرض في تاريخ معين من أموال الدولة العامة.
ثم يتغير تخصيصها.
وقد تكون من أملاك الدولة الخاصة.
وقد تنتقل ملكيتها إلى شخص أو جهة أخرى.
وقد يكون هناك قرار تخصيص أو بيع أو نزع ملكية أو إدراج ضمن أملاك الدولة.
وهنا لا يجوز للمحامي أن ينظر فقط إلى تاريخ وضع اليد.
بل يجب أن يبحث في:
سند الملكية الأصلي.
طبيعة الأرض.
تاريخ دخولها في ملك الدولة.
صفة المال في كل فترة زمنية.
تاريخ بدء الحيازة.
تاريخ اكتمال مدة التقادم – إن كان جائزًا.
والتشريعات التي كانت سارية خلال هذه الفترة.
فالتاريخ في دعاوى التقادم قد يكون أهم من مساحة الأرض نفسها!
---
سادسًا: ماذا قالت محكمة النقض؟
من المبادئ المهمة التي أكدت عليها محكمة النقض أن استخلاص وضع اليد المكسب للملكية ومدته من مسائل الواقع التي تستقل بها محكمة الموضوع متى كان استخلاصها سائغًا وله أصل ثابت بالأوراق.
كما تناولت محكمة النقض حديثًا مسألة أموال الدولة الخاصة والتملك بالتقادم في الطعن رقم 7928 لسنة 94 قضائية، جلسة 28 مارس 2026.
وهذا يؤكد أهمية أن تكون الدعوى مبنية على:
مستندات + تاريخ + طبيعة المال + حيازة قانونية + تطبيق صحيح للقانون.
وليس مجرد القول:
"أنا واضع اليد منذ زمن طويل."
---
سابعًا: هل يجوز رفع دعوى تثبيت ملكية بالتقادم على أرض من أملاك الدولة؟
هنا يجب الحذر الشديد.
إذا كانت الأرض من الأموال التي يحظر القانون تملكها بالتقادم، فإن مجرد إقامة دعوى بتثبيت الملكية استنادًا إلى التقادم لا تنشئ حقًا غير موجود أصلًا.
لكن إذا كان هناك نزاع حول:
هل الأرض أصلًا من أملاك الدولة؟
أم من الأموال الخاصة التي يجوز اكتسابها بالتقادم؟
أو هل اكتمل التقادم قبل التاريخ الذي أصبح فيه الحظر نافذًا؟
فهنا تصبح المسألة مسألة قانون وواقع ومستندات، ويجب فحصها على وجه الدقة.
---
مثال عملي
شخص «أ» يضع يده على أرض منذ سنة 1940.
ثم صدر تعديل تشريعي في سنة 1957 يمنع تملك أموال الدولة الخاصة بالتقادم.
هل نقول مباشرة:
"الأرض أصبحت ممنوعة من التملك بالتقادم، وبالتالي سقط حقه؟"
ليس بهذه البساطة.
فإذا كان قد اكتسب الملكية بالتقادم وفق القانون السابق قبل نفاذ الحظر الجديد، فهنا تظهر مسألة عدم رجعية القانون، وهي مسألة أكدت محكمة النقض أهميتها في هذا السياق.
أما إذا لم يكن قد اكتسب الملكية قبل نفاذ الحظر، فلا يمكن تجاهل الحكم الجديد لمجرد أن الحيازة بدأت قبل صدوره.
وهنا تظهر أهمية تحديد:
متى بدأت الحيازة؟
ومتى اكتملت المدة؟
ومتى أصبح الحظر نافذًا؟
---
الخلاصة
إذا كنت واضع يد على أرض وتعتقد أنك اكتسبتها بالتقادم...
فلا تسأل فقط:
"أنا واضع اليد منذ كام سنة؟"
بل اسأل:
هل الأرض مملوكة للدولة أصلًا؟
هل هي من الأموال العامة أم الخاصة؟
هل يجوز اكتسابها بالتقادم؟
متى بدأت الحيازة؟
هل كانت الحيازة مستوفية لشروطها؟
هل اكتملت مدة التقادم؟
ما القانون الذي كان ساريًا وقت اكتمال المدة؟
وهل طرأ على المال أو صفته أو تخصيصه تغيير قانوني؟
لأن الإجابة عن سؤال واحد من هذه الأسئلة...
قد تقلب نتيجة الدعوى بالكامل.
---
رسالة مهمة لكل واضع يد
لا تعتمد على عدد السنوات وحده.
فقد تضع يدك على أرض ثلاثين عامًا...
ولا تصبح مالكًا بالتقادم.
وقد تكون هناك حيازة قديمة جدًا...
لكن طبيعة المال أو نص القانون تمنع اكتساب الملكية.
وفي المقابل...
قد توجد حالات تاريخية استثنائية اكتمل فيها التقادم قبل سريان الحظر التشريعي، وهو ما يستلزم دراسة دقيقة لتاريخ الحيازة والقانون الواجب التطبيق.
التقادم ليس مجرد حساب للسنوات...
بل هو حساب للسنوات داخل إطار القانون.
---
وفي الجزء العاشر...
سننتقل إلى سؤال أخطر:
هل يمكن أن تكسب ملكية عقار بحيازة شخص آخر قبلك؟!
بمعنى:
إذا كان والدك أو جدك أو من سبقك واضع اليد على العقار...
فهل تستطيع أن تضيف مدة حيازته إلى مدة حيازتك؟
وهل يجوز ضم حيازة السلف إلى حيازة الخلف؟
وما شروط هذا الضم؟
ومتى يكون مشروعًا؟
ومتى ترفضه المحكمة؟
قد تكتشف أن السنوات التي كنت تظن أنها لا تُحسب...
قد تكون هي التي أكملت لك مدة التقادم!
انتظروا الجزء العاشر...
---
ملاحظة قانونية
هذا المنشور يتناول المبادئ العامة المتعلقة بالتقادم المكسب وأموال الدولة في ضوء أحكام القانون المدني المصري ومبادئ محكمة النقض، ولا يغني عن فحص سند الملكية وطبيعة المال وتاريخ الحيازة والتشريعات السارية على كل حالة على حدة.
فالدعوى العقارية لا تُحسم بمجرد عدد سنوات وضع اليد، وإنما بمجموعة الوقائع والمستندات والقواعد القانونية واجبة التطبيق.
مكتب المستشار عامر أبوباغي
للمحاماة والاستشارات القانونية
نحقق العدالة... ونصون الأمانة.
❤️ إذا وصلت إلى نهاية المقال، اضغط لايك دعمًا لنا للاستمرار في نشر الثقافة القانونية.
📌 تابع الصفحة حتى يصلك الجزء القادم من السلسلة.
💬 واكتب في التعليقات: "أكمل"
وأخبرنا:
هل كنت تعلم أن مجرد وضع اليد على أرض الدولة لسنوات طويلة لا يعني بالضرورة اكتساب ملكيتها بالتقادم؟
ولا تنسَ مشاركة المقال، فقد تكون معلومة قانونية واحدة سببًا في حماية حق أو تجنب نزاع عقاري استمر سنوات.
#محامي
#محاماة
#عقارات