09/06/2026
التماس إعادة النظر في الأحكام
🔹━━━━━━━━━━━━━🔹
نظم المشرع أحكام التماس إعادة النظر في المواد من (241) إلى (247) من قانون المرافعات، باعتباره أحد طرق الطعن غير العادية التي ترد على الأحكام النهائية في حالات استثنائية حددها القانون على سبيل الحصر.
وقد أجازت المادة (241) للخصوم الطعن بطريق التماس إعادة النظر إذا ثبت أن الحكم قد تأثر بغش ارتكبه الخصم وكان له أثر في النتيجة التي انتهى إليها القضاء، أو إذا تبين بعد صدور الحكم أن المستندات التي استند إليها مزورة، سواء بإقرار من الخصم أو بحكم قضائي صادر بثبوت التزوير. كما يجوز الالتماس إذا تأسس الحكم على شهادة شاهد صدر لاحقًا حكم يثبت تزويرها، أو إذا تمكن الملتمس بعد صدور الحكم من الحصول على مستندات حاسمة في النزاع كان خصمه قد أخفاها أو حال دون تقديمها أثناء سير الدعوى.
ويمتد نطاق الالتماس كذلك إلى الحالات التي تقضي فيها المحكمة بما لم يطلبه الخصوم أو بما يجاوز طلباتهم، أو إذا تضمن منطوق الحكم تناقضًا يستحيل معه الوقوف على المقصود منه. كما أجاز القانون الالتماس إذا صدر الحكم على شخص طبيعي أو اعتباري دون أن يكون ممثلًا تمثيلًا صحيحًا في الخصومة، باستثناء حالات النيابة الاتفاقية، وكذلك لمن يعتبر الحكم حجة عليه رغم عدم اختصامه أو تدخله في الدعوى متى ثبت غش أو تواطؤ أو إهمال جسيم ممن كان يمثله.
والأصل أن التماس إعادة النظر يهدف إلى تصحيح الأخطاء المتعلقة بالوقائع التي عرضت على المحكمة، إلا أن بعض الحالات التي نصت عليها المادة (241) تتعلق بعيوب إجرائية لا ترتبط بتقدير الوقائع ذاتها، وهو ما يظهر بوضوح في الحالات الخاصة بالقضاء بما لم يطلبه الخصوم أو التناقض في منطوق الحكم أو عدم صحة التمثيل في الخصومة.
وفيما يتعلق بحالة الغش، فقد استقر الفقه والقضاء على ضرورة توافر عدة شروط حتى يصلح الغش سببًا للالتماس. فيجب أن يكون الغش قد انصب على مصدر من مصادر اقتناع القاضي أو ترتب عليه حرمان الخصم من ممارسة حقه في الدفاع، وأن يكون خافيًا على الملتمس طوال فترة نظر الدعوى بحيث تعذر عليه كشفه أو مناقشته أمام المحكمة. كما يلزم أن يكون لهذا الغش أثر مباشر في تكوين عقيدة المحكمة وإصدار الحكم، بحيث يثبت أن الحكم ما كان ليصدر بذات المضمون لولا هذا الغش. أما إذا كان الخصم على علم بتصرفات خصمه أو كان في مقدوره كشف الغش ومناقشته أثناء نظر الدعوى ثم تقاعس عن ذلك، فلا يكون له من بعد أن يتخذ منه سببًا للالتماس.
أما الالتماس المبني على تزوير المستندات، فيشترط لقبوله أن يكون الحكم قد استند إلى المستند المزور استنادًا جوهريًا، وأن يثبت التزوير بإقرار الخصم أو بحكم قضائي صادر بعد الحكم وقبل رفع الالتماس. ومن ثم فإن دعوى الالتماس ليست وسيلة لإثبات التزوير، وإنما طريق لإصلاح حكم ثبت أنه تأسس على مستند مزور.
وبالنسبة للحكم المبني على شهادة شاهد ثبت تزويرها، فيلزم أن تكون الشهادة من الأدلة التي اعتمد عليها الحكم، وأن يثبت تزويرها بحكم قضائي، إذ لا يكفي مجرد رجوع الشاهد عن أقواله أو إقراره بكذب شهادته. كما يجب أن يكون الحكم بثبوت التزوير قد صدر بعد الحكم المطلوب الالتماس فيه وقبل رفع الالتماس.
وفي حالة ظهور أوراق جديدة، يشترط أن تكون هذه الأوراق حاسمة ومنتجة في النزاع بحيث كان من شأنها تغيير وجه الرأي في الدعوى لو قُدمت أثناء نظرها، وأن يكون الخصم قد حال دون تقديمها أو أخفاها عن الملتمس، وأن يكون الأخير قد ظل جاهلًا بها طوال سير الخصومة، ثم حصل عليها فعليًا بعد صدور الحكم وقبل إقامة الالتماس.
أما إذا كان سبب الالتماس هو القضاء بما لم يطلبه الخصوم أو بأكثر مما طلبوه، فيجب ألا يكون واضحًا من أسباب الحكم أن المحكمة كانت مدركة لحقيقة الطلبات ومتعمدة تجاوزها، لأن هذه الحالة تخرج من نطاق الالتماس وتدخل في نطاق طرق الطعن الأخرى المقررة قانونًا.
وفيما يخص التناقض في منطوق الحكم، فإن المقصود هو التناقض الذي يصيب الجزء التنفيذي من الحكم ويجعل تنفيذه أو فهم مضمونه متعذرًا. أما التناقض الوارد في الأسباب وحدها فإنه يعد من أسباب بطلان الحكم أو الطعن عليه بالطرق الأخرى بحسب الأحوال.
كما يشترط لقبول الالتماس بسبب عدم صحة التمثيل أن يكون الحكم قد صدر على شخص لم يكن ممثلًا تمثيلًا صحيحًا أمام القضاء، سواء كان شخصًا طبيعيًا أو اعتباريًا، دون أن يشمل ذلك حالات النيابة الاتفاقية. أما بالنسبة لمن لم يكن طرفًا في الخصومة ويعتبر الحكم حجة عليه، فيلزم لإعمال حقه في الالتماس إثبات الغش أو التواطؤ أو الإهمال الجسيم ممن كان يمثله، وإلا انتفى حقه في هذا الطريق الاستثنائي.
وفيما يتعلق بميعاد الالتماس، فقد نصت المادة (242) من قانون المرافعات على أن ميعاده أربعون يومًا. إلا أن بدء سريان هذا الميعاد يختلف بحسب السبب الذي يستند إليه الالتماس. ففي حالات الغش والتزوير وظهور الأوراق المحتجزة يبدأ الميعاد من تاريخ اكتشاف الغش أو ثبوت التزوير أو ظهور المستندات الجديدة. أما في حالة القضاء بما لم يطلبه الخصوم أو بأكثر مما طلبوه، وكذلك في حالة التناقض في منطوق الحكم، فإن الميعاد يبدأ من تاريخ صدور الحكم ذاته.
وفي حالة عدم صحة التمثيل في الخصومة، يبدأ الميعاد من تاريخ إعلان الحكم إلى من يمثل المحكوم عليه تمثيلًا صحيحًا، أو إلى المحكوم عليه شخصيًا إذا لم يكن له ممثل قانوني. أما إذا كان الالتماس مقدمًا ممن يعتبر الحكم حجة عليه رغم عدم اختصامه في الدعوى، فإن الميعاد يبدأ من تاريخ اكتشاف الغش أو التواطؤ أو الإهمال الجسيم الذي شاب تمثيله.
أما في المواد الجنائية، فقد حددت المادة (441) من قانون الإجراءات الجنائية حالات إعادة النظر في الأحكام النهائية الصادرة بالإدانة في الجنايات والجنح، ومن أبرزها ظهور المجني عليه حيًا بعد الحكم في جريمة قتل، أو صدور أحكام متعارضة بشأن الواقعة ذاتها بما يستفاد منه براءة أحد المحكوم عليهم، أو ثبوت تزوير شهادة أو مستند كان له أثر في الحكم، أو إلغاء الحكم المدني الذي بني عليه الحكم الجنائي، أو ظهور وقائع أو مستندات جديدة من شأنها إثبات براءة المحكوم عليه.
كما خ*ل القانون في بعض الحالات لكل من النائب العام والمحكوم عليه أو من يمثله قانونًا، بل ولأقاربه أو زوجه بعد وفاته، حق طلب إعادة النظر وفقًا للضوابط والإجراءات المنصوص عليها قانونًا، مع اختصاص محكمة النقض بالفصل في تلك الطلبات بعد استيفاء الإجراءات المقررة.
عبد الرحمن سيد أنور
المحامي
بالاستئناف العالي ومجلس الدولة