21/07/2026
نقد قضاء محكمة النقض في استخلاص الصلح من مجرد السداد -"رأي قانوني خاص":-
يثير الحكم الصادر من محكمة النقض – الدائرة الجنائية – بجلسة 18 ديسمبر 2025 في الطعن رقم 1005 لسنة 95 القضائية، والذي انتهى إلى نقض الحكم المطعون فيه والقضاء بانقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح، تساؤلًا قانونيًا جديرًا بالبحث بشأن الأساس الذي أقام عليه الحكم استخلاصه لقيام الصلح، وذلك حين قرر في أسبابه أن «السداد قرينة على التصالح»، ورتب على ذلك انقضاء الدعوى الجنائية.
ولا ريب أن الأحكام الصادرة عن محكمة النقض تحظى بكل التقدير، غير أن احترام القضاء لا يحول دون إخضاع أسبابه للنقد العلمي الرصين متى اقتضت الدراسة ذلك؛ إذ إن النقد الفقهي الهادف يمثل أحد أهم روافد تطور الفكر القانوني، ويظل الحكم القضائي – مهما علت درجته – محلًا للحوار العلمي متى تعلق الأمر بتفسير النصوص أو مدى انضباط الاستنباط القانوني.
ومن هذا المنطلق، فإن هذا الرأي لا يتناول منطوق الحكم بالنقد، وإنما ينصرف إلى التسبيب الذي استند إليه في استخلاص تحقق الصلح.
إن المشرع في المادة 18 مكرر (أ) من قانون الإجراءات الجنائية لم يجعل السداد سببًا لانقضاء الدعوى الجنائية، وإنما جعل الصلح وحده هو الواقعة القانونية المنشئة لهذا الأثر. والفارق بين الأمرين فارق جوهري؛ إذ إن السداد يعد تنفيذًا لالتزام مالي، أما الصلح فهو تصرف قانوني يقوم على توافق إرادتين بقصد إنهاء النزاع، ومن ثم فلا يجوز قانونًا مساواة أحدهما بالآخر أو إحلال أحدهما محل الثاني.
فالسداد قد يتحقق بدوافع متعددة لا تمت بصلة إلى الصلح؛ فقد يكون تنفيذًا لحكم مدني، أو اتقاءً لإجراءات التنفيذ، أو تجنبًا لتوقيع الحجز، أو رغبة في تخفيف العقوبة، أو حتى وفاءً بالتزام قانوني بحت، دون أن يفصح ذلك بذاته عن إرادة المجني عليه في إنهاء الخصومة الجنائية.
ولهذا، فإن القول بأن السداد قرينة على التصالح يثير قدرًا من التحفظ؛ إذ إن هذه العبارة، بصيغتها المطلقة، تؤدي إلى افتراض علاقة سببية بين واقعتين لا تستلزم إحداهما الأخرى. فليس كل سداد يعقبه صلح، كما أن الصلح قد يتحقق دون سداد كامل إذا ارتضى المجني عليه ذلك.
والأصل أن القرائن القضائية لا تنشأ من واقعة مجردة، وإنما تستخلص من مجموعة ظروف متساندة تؤدي منطقيًا إلى النتيجة التي انتهت إليها المحكمة. أما جعل السداد – مجردًا من أي عنصر آخر – قرينة على انعقاد الصلح، فإنه ينطوي على توسع في الاستنباط لا يسنده نص تشريعي، ولا ينهض به المنطق القانوني.
ولعل الأدق أن يقال إن قبول المجني عليه للسداد على نحو يكشف عن التخالص وإنهاء النزاع قد يكون واقعة تستخلص منها المحكمة تحقق الصلح، لا لأن السداد في ذاته يمثل صلحًا، وإنما لأن إرادة المجني عليه قد ظهرت في صورة لا تدع مجالًا للشك في عدوله عن الخصومة الجنائية.
ومن ثم فإن مناط انقضاء الدعوى لا يكون السداد ذاته، وإنما التخالص الذي يكشف عنه سلوك الطرفين.
ويزداد الأمر وضوحًا إذا تصورنا صورًا عملية عديدة يتحقق فيها السداد دون أن يتحقق الصلح؛ كأن يعرض المتهم المبلغ عرضًا قانونيًا فيرفضه المجني عليه، أو يودعه خزينة المحكمة، أو يستلمه المجني عليه مع تمسكه الصريح بحقه في الاستمرار في الدعوى الجنائية، أو يقبله باعتباره وفاءً بحق مدني مع احتفاظه بحقه في العقاب. ففي جميع هذه الفروض لا يمكن القول بقيام الصلح رغم تحقق السداد.
ومن هنا، فإن جعل السداد قرينة عامة على التصالح قد يؤدي – إذا ما أُخذ على إطلاقه – إلى إفراغ النص التشريعي من مضمونه، واستبدال الشرط الذي تطلبه المشرع، وهو الصلح، بواقعة أخرى لم يعتد بها القانون، هي الوفاء.
والراجح في تقديري أن ما كان ينبغي أن يقرره الحكم هو أن الظروف والملابسات المحيطة بالسداد هي التي أفادت المحكمة بقيام التخالص، لا أن السداد في ذاته يمثل قرينة عليه. فالعبرة ليست بالفعل المادي المتمثل في الوفاء، وإنما بالدلالة القانونية المستفادة من إرادة المجني عليه في إنهاء النزاع.
ومن زاوية أخرى، فإن الأخذ بفكرة أن السداد وحده يكفي لاستخلاص الصلح قد يفضي إلى نتائج تتعارض مع طبيعة الصلح ذاتها باعتباره عقدًا أو تصرفًا رضائيًا، وهو ما يستوجب الحذر من تعميم هذا الاستخلاص خارج حدود الواقعة التي صدر فيها الحكم.
ولذلك، فإن هذا القضاء – في حدود ما ورد بأسبابه – يبدو بحاجة إلى قدر من إعادة الضبط، حتى يظل متسقًا مع نص المادة 18 مكرر (أ) من قانون الإجراءات الجنائية، التي ربطت انقضاء الدعوى بالصلح لا بالسداد، وجعلت مناط الأثر القانوني هو توافق الإرادتين على إنهاء النزاع، لا مجرد انقضاء الالتزام المالي.
وفي تقديري، فإن الصياغة الأكثر اتساقًا مع صحيح القانون كانت تقتضي أن يقرر الحكم أن قبول المجني عليه السداد، في ضوء ظروف الدعوى وما أحاط بها من وقائع تكشف عن التخالص، هو الذي دل على انعقاد الصلح، لا أن يجعل من السداد ذاته قرينة مستقلة على التصالح.
وبذلك يبقى الحكم – في منطوقه – محققًا للغاية التي استهدفها المشرع من تشجيع الصلح، بينما يظل تسبيبه، في هذا الموضع تحديدًا، محل نظر فقهي ونقاش علمي مشروع، دون أن ينال ذلك من مكانة محكمة النقض أو من الحجية الأدبية لأحكامها، وإنما يندرج في إطار الحوار القانوني الذي يثري الفقه ويسهم في إحكام التطبيق القضائي للنصوص.
البير انسي