17/09/2026
"القتل بدافع الشرف بين القانون والواقع"
في المجتمع المصري والعربي عمومًا، انتشرت فكرة خاطئة مفادها أن "القتل بدافع الشرف" له مبرر قانوني يخفف العقوبة أو يبرئ القاتل من جريمته، ولكن الحقيقة القانونية مختلفة تمامًا عن هذه التصورات الاجتماعية المغلوطة.
📌 الأساس القانوني في مصر
جريمة القتل بدافع الشرف لا يوجد لها نص خاص في قانون العقوبات المصري يُعفي أو يُخفف العقوبة عن القاتل لمجرد أن دافعه هو "الشرف"، بل يُطبق عليها حكم المادة 230 عقوبات وما يليها، والتي تقضي بأن القتل العمد مع سبق الإصرار أو الترصد يُعاقب عليه بالإعدام.
لكن في المقابل، يوجد نص في المادة 237 عقوبات خاص بجريمة القتل في حالة التلبس بالزنا، حيث نصت على:
"من فاجأ زوجه حال تلبسه بالزنا فقتله فى الحال هو ومن يزني به يُعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات، دون غيره من العقوبات الأشد."
إذًا القانون المصري لا يُخفف العقوبة أو يُجيز القتل لمجرد الشك أو لحماية الشرف، بل حصرة التخفيف فقط في حالة تلبس الزوج تحديدًا وليس الأخ أو الأب أو غيرهما، وبشرط تحقق التلبس المباشر بالزنا.
📌 محكمة النقض وأحكامها
قررت محكمة النقض المصرية في العديد من الأحكام أن:
"القتل بدافع الشرف لا يُعد ظرفًا مخففًا ما لم تتوافر شروط التلبس المنصوص عليها في المادة 237 عقوبات"،
وفي حكم آخر أكدت أن:
"القتل الذي يقع من الأصول بدعوى حماية الشرف جريمة قتل عمد تستحق أقصى العقوبة إذا لم تتوافر حالة التلبس بالزنا."
مثال حكم النقض:
في الطعن رقم 194 لسنة 39 قضائية قالت المحكمة:
"مجرد الشك أو العلم السابق بارتكاب الفتاة فعلًا مخلًا لا يبرر القتل تحت ستار حماية الشرف، وإلا لتحولت البلاد إلى غابة يقتل فيها كل إنسان من شاء بحجة الدفاع عن الشرف."
📌 الواقع الاجتماعي والثقافي
رغم وضوح القانون، إلا أن الواقع يختلف؛ فالمجتمع في بعض المناطق الريفية أو الشعبية يُبيح في ثقافته قتل الأنثى أو حتى الذكر بدافع الشرف دون انتظار حكم القضاء، وهو ما يتسبب في جرائم بشعة يحاول فيها الجناة التذرع بالعُرف أو الضغوط الاجتماعية.
📌 الدين والشريعة
الشريعة الإسلامية أيضًا لم تُجز القتل بدافع الشرف إلا وفقًا لشروط صارمة في حد الزنا تتطلب أربعة شهود عدول يرون الواقعة رؤية العين لا التوهم أو السماع، وأي تصرف دون ذلك يُعد افتئاتًا على حق ولي الأمر وتعديًا على حدود الله.
قال تعالى:
"ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق" (الأنعام: 151)
📌 خلاصة قانونية واجتماعية
لا يوجد في القانون المصري ما يُسمى "قتل بدافع الشرف" كمبرر أو كعذر مُحل أو مخفف إلا في نطاق ضيق متعلق بتلبس الزوج.
قتل الأنثى أو أي شخص بحجة الشرف هو قتل عمد عقوبته الإعدام أو السجن المشدد.
محكمة النقض شددت في أحكامها أن الدفاع عن الشرف لا يبرر القتل خارج نصوص القانون.
الشريعة حرمت سفك الدم إلا بالحق، وأمرت بترك الأمر للقضاء لا للأفراد.
إذًا... الشرف لا يُحفظ بالقتل، وإنما بالقانون والقيم الأخلاقية