21/01/2026
لما كان الثابت بالأوراق أن إجراء التحليل قد تم في إطار ما سُمّي بـ«حملة مرورية» أو «تحليل عشوائي»، دون أن يسبق ذلك استيقاف مشروع قائم على سلوك إيجابي يضع الشخص موضع الشبهة، ودون توافر حالة من حالات التلبس المنصوص عليها حصراً في المادة (30) من قانون الإجراءات الجنائية، فإن هذا الإجراء يكون قد وقع باطلاً بطلانًا مطلقًا لمخالفته صريح القانون والدستور.
والأصل أن الحرية الشخصية مصونة، لا يجوز المساس بها إلا في الأحوال التي يقررها القانون وبالضمانات التي رسمها. وإخضاع الأشخاص لتحليل طبي – لا سيما تحليل الكشف عن المواد المخدرة – يُعد من أخطر صور المساس بالحرية الجسدية والخصوصية، ولا يجوز إجراؤه إلا إذا كان وليد إجراء مشروع سابق عليه.
وإذ خلا الواقع من أي اشتباه فردي أو سبب شخصي يبرر إخضاع المتهم للتحليل، فإن الإجراء يكون قد اتخذ على سبيل العموم والتجريد، وهو ما لا يقره القانون ولا يستقيم مع صحيح أحكامه.
واستقر قضاء النقض على أن الإجراءات ذات الطابع الإداري أو الوقائي لا يجوز أن تتحول إلى وسيلة لاختلاق الدليل الجنائي، وإلا انقلب الاستثناء إلى أصل، وأهدرت الضمانات الدستورية المقررة للأفراد.
فالتحليل العشوائي – في ذاته – لا يُعد دليلاً على ارتكاب جريمة، ولا يصلح سندًا للقبض أو التفتيش أو الإدانة، لأنه إجراء سابق على تحقق الاشتباه، ولا يقوم على مظاهر مادية محسوسة تدرك بالحواس، وإنما يفترض الاشتباه افتراضًا، وهو ما يناهض جوهر الشرعية الجنائية.
وجرى قضاء محكمة النقض على أن: الاستيقاف لا يكون مشروعًا إلا إذا وضع الشخص نفسه طواعية موضع الشبهة بسلوك إيجابي يبرر تدخل رجل السلطة العامة».
وإذ تم إخضاع المتهم للتحليل دون أن يصدر عنه أي سلوك من هذا القبيل، فإن الإجراء يكون قد افتقد شرطه الجوهري، ويضحى باطلاً، ويترتب على ذلك بطلان ما أسفر عنه من نتائج، عملاً بالقاعدة الأصولية المستقرة:
“ما بُني على باطل فهو باطل”.
وإن إخضاع جميع المارة أو قائدي المركبات للتحليل دون تمييز، يُعد إهدارًا لقرينة البراءة التي كفلها الدستور، ويُحمِّل الأفراد عبء إثبات براءتهم، بدلاً من التزام سلطة الاتهام بإثبات الجريمة.
كما أن هذا الإجراء يفتقر إلى مبدأ التناسب، إذ لا يجوز التضحية بالحرية الشخصية بذريعة مجردة أو هدف عام غير محدد، دون ضرورة حقيقية تفرض هذا المساس.
وإذ كان التحليل قد تم بناءً على إجراء باطل، فإن نتيجته – أياً كانت – لا ترقى لمرتبة الدليل اليقيني القاطع، ولا يجوز التعويل عليها في الإدانة، خاصة وأن الإدانة الجنائية لا تُبنى إلا على الجزم واليقين، لا على الشك أو الاحتمال أو الاشتباه.