15/05/2026
📌 الجزء الثاني
حجية أدلة الإثبات الرقمية في عصر الذكاء الاصطناعي
فقد أصبح من الممكن إنشاء صور ومقاطع فيديو وتسجيلات صوتية يصعب تمييزها عن الحقيقة، وهو ما يطرح إشكالية حقيقية تتعلق بمدى مصداقية الدليل الرقمي. ومن أبرز مظاهر هذا التأثير ظهور تقنية “التزييف العميق” (Deepfake)، التي تعتمد على خوارزميات متقدمة لتوليد محتوى مرئي أو صوتي مزيف يبدو حقيقياا بدرجة كبيرة. وتكمن خطورة هذه التقنية في قدرتها على إظهار أشخاص وهم يقومون بأفعال أو يدلون بتصريحات لم تحدث في الواقع، مما قد يؤدي إلى تضليل العدالة إذا تم الاعتماد على هذه الأدلة دون التحقق منها بشكل دقيق. كما ساهم الذكاء الاصطناعي في تسهيل عمليات التلاعب بالأدلة الرقمية، حيث لم تعد هذه العمليات تتطلب خبرات تقنية عالية كما في السابق، بل أصبحت متاحة عبر تطبيقات وبرامج سهلة الاستخدام. وهذا يعني أن إمكانية تزوير الأدلة لم تعد مقصورة على المتخصصين، بل أصبحت في متناول الأفراد العاديين، مما يزيد من احتمالية تقديم أدلة مزيفة أمام الجهات القضائية.
وفي المقابل، لا يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على الجوانب السلبية فقط، بل يلعب أي اضا دو ارا مه اما في تعزيز موثوقية الأدلة الرقمية، من خلال تطوير أدوات متقدمة لكشف التزوير وتحليل المحتوى الرقمي. إذ تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي في فحص الصور والفيديوهات لاكتشاف التعديلات غير المرئية، وتحليل الأنماط الرقمية التي قد تدل على وجود تلاعب، مما يساعد في التحقق من صحة الدليل. ورغم ذلك، فإن الصراع بين تقنيات التزييف وتقنيات الكشف عنه يظل مستم ارا، حيث تتطور أدوات التزوير بشكل متسارع لمواكبة أدوات الكشف، وهو ما يجعل مسألة الاعتماد على الأدلة الرقمية أكثر تعقيداا.
موقف المشرّع المصري من حجية الأدلة الرقمية في ظل تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي:
اتجه المشرّع المصري إلى مواكبة التطور التكنولوجي من خلال إقرار حجية الأدلة الرقمية والاعتراف بها كوسيلة معتبرة من وسائل الإثبات، خاصة مع تزايد الاعتماد على الوسائط الإلكترونية في مختلف المعاملات. وقد تجلّى هذا الاتجاه بوضوح في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، الذي أضفى حجية قانونية على الأدلة المستمدة من الأجهزة والأنظمة المعلوماتية، متى تم جمعها وفحصها وفقاا للضوابط الفنية والإجرائية المقررة، وبما يضمن سلامتها وعدم العبث بها.
مقارنة بين حجية الأدلة الرقمية في التشريع المصري وتشريع المملكة المتحدة:
في مصر، يستند الاعتراف بالأدلة الرقمية إلى نصوص متفرقة، أبرزها قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 وقانون التوقيع الإلكتروني رقم 15 لسنة 2004، إلى جانب القواعد العامة في قانون الإثبات.
أما في المملكة المتحدة، فقد تم تنظيم الأدلة الرقمية ضمن إطار تشريعي وقضائي أكثر تطو ارا ومرونة، حيث لا يتم التمييز بين الأدلة الرقمية والتقليدية من حيث المبدأ، بل تُقبل جميع الأدلة طالما كانت ذات صلة وموثوقة.
التحديات القانونية التي تواجه الإثبات الرقمي:
أول هذه التحديات يتمثل في صعوبة التحقق من سلامة الدليل الرقمي، حيث إن الطبيعة غير المادية لهذه الأدلة تجعلها عرضة للتعديل أو الحذف أو الإضافة دون ترك آثار واضحة في بعض الأحيان. كما تبرز مشكلة إثبات نسبة الدليل إلى صاحبه، خاصة في ظل استخدام وسائل إخفاء الهوية أو تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وسائل تعزيز الثقة في الأدلة الرقمية:
في بادء الامر لابد من تدريب القضاة وأعضاء النيابة لرفع كفاءتهم في التعامل مع هذا النوع من الأدلة، ووضع ضوابط قانونية واضحة تحدد شروط قبول الأدلة الرقمية أمام القضاء، واستخدام تقنيات كشف التزييف، وتوثيق سلسلة الحيازة، والاعتماد على التوقيع الإلكتروني والتشفير.
الخاتمة:
في ختام هذا البحث، يتضح أن الأدلة الرقمية أصبحت تمثل ركيزة أساسية في منظومة الإثبات الحديثة، في ظل التحول الرقمي المتسارع الذي يشهده العالم. غير أن هذا التطور، رغم ما يحمله من مزايا في تسهيل الوصول إلى الحقيقة، قد صاحبه تحدٍ خطير يتمثل في تنامي قدرات التلاعب بهذه الأدلة، خاصة مع ظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي التي أفرزت أشكا الا متطورة من التزييف يصعب اكتشافها بالوسائل التقليدية.
ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في قبول الأدلة الرقمية أو رفضها، بل في إيجاد إطار قانوني وتقني متكامل يضمن تحقيق التوازن بين الاستفادة من هذه الأدلة وحماية العدالة من مخاطر التزوير والتضليل.