01/10/2026
قانون الإجراءات الجنائية الجديد.. عام إضافي قبل التطبيق وأسئلة لم تُغلق ملفاتها
بقلم: حسين الظايط
لم يكن الأول من أكتوبر 2026 يومًا عاديًا في أجندة العدالة الجنائية المصرية.
ففي الوقت الذي كان مقررًا أن يبدأ فيه العمل بأحكام قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025، جاء القرار التشريعي بإرجاء التطبيق لمدة عام آخر، ليصبح الموعد الجديد هو الأول من أكتوبر 2027.
مجلس النواب وافق نهائيًا في 30 سبتمبر 2026 على تعديل موعد بدء العمل بالقانون، بعد مناقشة مشروع قانون يقضي باستبدال موعد الأول من أكتوبر 2026 بموعد الأول من أكتوبر 2027. ووفقًا للمذكرة الإيضاحية، فإن التأجيل يستهدف استكمال البنية الإلكترونية، وقواعد البيانات، ووسائل الربط، وأنظمة الإعلان والتقاضي عن بُعد، إلى جانب تدريب وتأهيل القائمين على تطبيق القانون واختبار المنظومة قبل تشغيلها على مستوى الجمهورية.
لكن السؤال الأهم بالنسبة للمحامين والمتقاضين ليس فقط: لماذا تأجل القانون؟
بل: ما هي المواد التي كانت محل خلاف وجدل من الأساس؟
أولًا: لماذا يمثل القانون الجديد تغييرًا كبيرًا؟
القانون رقم 174 لسنة 2025 ليس مجرد تعديل محدود لقانون الإجراءات الجنائية القديم، وإنما جاء في صورة قانون متكامل يضم 546 مادة، وألغى قانون الإجراءات الجنائية الصادر بالقانون رقم 150 لسنة 1950، مع تنظيم عدد كبير من الإجراءات المتعلقة بالدعوى الجنائية والتحقيق والمحاكمة وطرق الإعلان والطعن والحبس الاحتياطي وغيرها.
ومن هنا كان طبيعيًا أن تثير بعض نصوصه نقاشًا واسعًا؛ لأن قانون الإجراءات الجنائية يمس بصورة مباشرة حريات الأشخاص، وسلطة التحقيق، وضمانات الدفاع، وطريقة انعقاد المحاكمات وتنفيذ إجراءاتها.
ثانيًا: المادة 48 ودخول المنازل
من المواد التي أثارت نقاشًا المادة 48.
الأصل الذي قررته المادة 47 هو حماية حرمة المنازل، وعدم دخولها أو تفتيشها أو مراقبتها أو التنصت عليها إلا بأمر قضائي مسبب وفق الضوابط القانونية.
ثم جاءت المادة 48 لتقرر استثناءً يتعلق بدخول رجال السلطة العامة المنازل وغيرها من الأماكن المسكونة في حالات الاستغاثة أو الخطر الناجم عن الحريق أو الغرق أو ما شابه ذلك.
وهنا ظهرت المسألة القانونية المهمة:
إلى أي مدى يمكن تفسير عبارة "ما شابه ذلك"؟
فهي عبارة تحتاج عند التطبيق إلى تفسير منضبط حتى لا يتحول الاستثناء إلى أصل، خصوصًا أن الأصل الدستوري هو حماية المسكن وحرمة الحياة الخاصة.
ولهذا كان النقاش حول ضرورة أن تكون حالات التدخل العاجل محددة بضوابط تمنع التوسع غير المبرر.
ثالثًا: المادة 105.. حضور المحامي أثناء التحقيق
ربما كانت المادة 105 هي أكثر مواد القانون إثارة للجدل بين المشتغلين بالمحاماة.
الأصل في النص النهائي الذي أقره البرلمان أن استجواب المتهم أو مواجهته بغيره من المتهمين أو الشهود يكون بحضور محاميه، وإذا لم يكن له محام أو لم يحضر بعد دعوته، وجب على المحقق أن يندب له محاميًا.
لكن الخلاف ظهر حول الاستثناء المتعلق بحالات الضرورة التي تستوجب سرعة الانتقال إلى استجواب المتهم.
وقد اعترض نقيب المحامين على الصياغة التي تسمح بإجراء الاستجواب في غياب المحامي في حالة معينة، معتبرًا أن ذلك يمس الضمانة الدستورية الخاصة بحق المتهم في الاستعانة بمحام. وفي المقابل، شهدت المناقشات البرلمانية تعديلات على الصياغة لحصر الاستثناء في حالة محددة مرتبطة بالخوف على حياة المتهم وضرورة الاستجواب لكشف الحقيقة.
وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية:
المشكلة لم تكن في أصل وجوب حضور المحامي، وإنما في حدود الاستثناء على هذا الأصل.
وهذه مسألة عملية أكثر منها نظرية، لأن التحقيق الجنائي قد يواجه حالات عاجلة، وفي الوقت نفسه فإن الاستجواب من أخطر إجراءات التحقيق وأكثرها تأثيرًا في مركز المتهم.
رابعًا: المادة 112.. المقبوض عليه والـ24 ساعة
من النصوص المهمة كذلك المادة 112، التي نظمت وجوب استجواب المتهم المقبوض عليه فورًا.
وفي حالة تعذر الاستجواب، يجوز إيداعه في أحد مراكز الإصلاح والتأهيل أو أماكن الاحتجاز إلى حين استجوابه، على ألا تزيد مدة الإيداع على أربع وعشرين ساعة، فإذا انتهت المدة وجب إرساله إلى النيابة لاستجوابه فورًا، وإلا أمرت بإخلاء سبيله.
كما تناول النص حالة تعذر استجواب المتهم بسبب عدم حضور محاميه، ووضع لها تنظيمًا خاصًا يرتبط بإيداعه وضوابطه ومدته واستئنافه.
وهذا النص مهم جدًا عمليًا؛ لأنه يحاول معالجة مشكلة التوازن بين:
سرعة التحقيق من ناحية، وضمانة الدفاع من ناحية أخرى.
خامسًا: الحبس الاحتياطي والبدائل
من أبرز التحولات التي تستحق التوقف أمامها تنظيم التدابير البديلة للحبس الاحتياطي.
فالمادة 114 أجازت، بدلًا من الحبس الاحتياطي، اتخاذ تدابير من بينها:
- عدم مغادرة المسكن أو الموطن.
- الحضور إلى قسم الشرطة في أوقات محددة.
- حظر ارتياد أماكن معينة.
- عدم مغادرة نطاق جغرافي محدد إلا بإذن.
- منع الاتصال بأشخاص معينين.
- منع حيازة الأسلحة وتسليمها للشرطة.
- استخدام وسائل تقنية لتتبع المتهم في الحالات التي تتوافر فيها ظروف استخدامها.
وهنا نحن أمام فلسفة إجرائية مختلفة نسبيًا عن الاقتصار على الحبس كوسيلة للتعامل مع مقتضيات التحقيق.
لكن التطبيق العملي سيظل هو الاختبار الحقيقي: كيف ستُطبق هذه التدابير؟ ومن سيحدد نطاقها؟ وكيف ستراقب الوسائل التقنية؟ وما هي ضمانات التظلم من استخدامها؟
وهي أسئلة تحتاج إلى لوائح وقرارات تنفيذية واضحة، وهو أحد أسباب أهمية فترة الإرجاء الحالية.
سادسًا: الإعلان الإلكتروني.. المادة 231
من أكثر مظاهر تحديث الإجراءات في القانون الجديد الاعتماد على الوسائل الإلكترونية في الإعلان.
المادة 231 نظمت حالة تعذر تسليم الإعلان بالطريقة التقليدية، وأدخلت نظام إرسال رسالة نصية إلى الهاتف المحمول المثبت ببيانات الرقم القومي للمعلن إليه، مع وضع إجراءات بديلة إذا تعذر إرسال الرسالة أو لم يوجد هاتف مثبت أو تعذر الإعلان إلكترونيًا.
وهذه المادة تعكس انتقال الإجراءات الجنائية تدريجيًا من الورق إلى البيئة الرقمية.
لكنها في الوقت نفسه تطرح أسئلة عملية مهمة:
هل قاعدة بيانات أرقام الهواتف مرتبطة بصورة دقيقة ببيانات الرقم القومي؟
ماذا يحدث إذا تغير رقم الهاتف؟
كيف يثبت وصول الرسالة؟
وماذا لو كان الهاتف مسجلًا باسم الشخص بينما لا يستخدمه فعليًا؟
هذه التفاصيل قد تبدو تقنية، لكنها في القانون الإجرائي قد تتحول إلى مسألة تتعلق بصحة الإعلان وانعقاد الخصومة ومواعيد الطعن.
سابعًا: المادة 411 والحضور في الاستئناف
من النصوص التي تستحق اهتمام المحامين أيضًا المادة 411 المتعلقة باستئناف المحكوم عليه.
فإذا تخلف المحكوم عليه أو وكيله الخاص عن الحضور في الجلسة المحددة لنظر الاستئناف أو في جلسة تالية، تؤجل الدعوى مرة واحدة، فإذا تكرر التخلف تندب المحكمة محاميًا للدفاع عنه وتفصل في الاستئناف بحكم لا يقبل إعادة المحاكمة، وفق الضوابط الواردة بالنص.
وهنا يظهر بوضوح اهتمام المشرع بمشكلة تعطيل إجراءات الاستئناف بسبب عدم الحضور، مع محاولة توفير ضمانة الدفاع عن طريق ندب محام.
لكن هذه المسألة تظل مرتبطة بسؤال جوهري:
هل تحقق هذه الآلية التوازن الكافي بين حق المتهم في الدفاع وحق المجتمع في عدم تعطيل الفصل في الدعاوى؟
وهذا التوازن لن تحسمه الكلمات الموجودة في النص وحدها، وإنما ستكشفه الأحكام القضائية والتطبيق العملي.
لماذا تأجل القانون إذن؟
التأجيل الذي تم إقراره في 30 سبتمبر 2026 ليس إلغاءً للقانون، ولا إعادة للعمل بالقانون القديم إلى أجل غير مسمى.
المعنى ببساطة أن قانون 174 لسنة 2025 موجود بالفعل، لكن تاريخ بدء العمل به أُرجئ إلى 1 أكتوبر 2027.
والسبب الرسمي المعلن يرتبط باستكمال البنية اللازمة للتطبيق، خصوصًا المنظومات الإلكترونية، وقواعد البيانات، والربط بين الجهات، وتجهيز المحاكم، وتدريب العناصر البشرية وإجراء الاختبارات العملية.
وهذا التفصيل مهم جدًا للمحامي:
الفترة من أكتوبر 2026 إلى أكتوبر 2027 ليست سنة فراغ تشريعي، وإنما سنة انتقال واستعداد لتطبيق قانون جديد.
ماذا يعني ذلك للمحامي؟
بالنسبة للمحامين، السنة الإضافية ليست مجرد تأجيل لموعد قراءة القانون.
هي فرصة عملية لفهم منظومة جديدة بالكامل:
- قواعد التحقيق والاستجواب.
- ضمانات حضور المحامي.
- الحبس الاحتياطي وبدائله.
- الإعلان الإلكتروني.
- إجراءات التقاضي عن بعد.
- نظام الاستئناف في الجنايات.
- القواعد الانتقالية.
- التعامل مع الأنظمة الإلكترونية الجديدة.
والأهم أن المحامي لن يتعامل مع القانون باعتباره نصوصًا منفصلة، وإنما باعتباره منظومة إجرائية متكاملة.
الخلاصة
قانون الإجراءات الجنائية الجديد يمثل تغييرًا واسعًا في شكل الإجراءات الجنائية المصرية، ولذلك فإن الجدل الذي دار حول بعض مواده لم يكن مجرد جدل حول صياغات لغوية.
فالمادة 48 تتصل بحرمة المسكن.
والمادة 105 تتصل بحق الدفاع وحضور المحامي.
والمادة 112 تتصل بمصير المقبوض عليه خلال الساعات الأولى من القبض.
والمادة 114 تتصل بالحريات الشخصية والحبس الاحتياطي وبدائله.
والمادة 231 تنقل الإعلان إلى مساحة إلكترونية جديدة.
والمادة 411 تعيد تنظيم جانب مهم من إجراءات الاستئناف.
ومن ثم فإن التحدي الحقيقي أمام القانون ليس فقط صدوره، وإنما كيفية تحويل نصوصه إلى ممارسة قضائية مستقرة، واضحة، قابلة للتطبيق، وتحافظ في الوقت نفسه على ضمانات المحاكمة العادلة.
أما تأجيل التطبيق إلى 1 أكتوبر 2027، فيمنح مؤسسات العدالة سنة إضافية لاستكمال التجهيزات واختبار المنظومة قبل دخول القانون حيز التنفيذ على مستوى الجمهورية.
وفي النهاية، تبقى القاعدة الأهم:
قانون الإجراءات ليس قانونًا للمتهم وحده، ولا للنيابة وحدها، ولا للمحامي وحده؛ وإنما هو القانون الذي يرسم الطريق الذي يجب أن تسلكه العدالة الجنائية من لحظة تحريك الدعوى حتى صدور الحكم وتنفيذه.
ولهذا فإن جودة النص لا تكفي وحدها؛ فالعبرة دائمًا بما سيحدث عندما يتحول النص من صفحات الجريدة الرسمية إلى ورقة داخل ملف القضية، ثم إلى إجراء أمام النيابة، ثم إلى دفاع أمام المحكمة، ثم إلى حكم يصدر باسم الشعب.