27/07/2026
عقود المؤثرين الرياضيين: الإطار القانوني الغائب
لم يعد الحساب الشخصي للاعب أو الرياضي على منصات التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل مع الجمهور، بل أصبح أصلًا اقتصاديًا مستقلاً يولّد عوائد قد تفوق في بعض الحالات المقابل المالي الذي يحصل عليه من عقده الرياضي. فقد نشأ نموذج جديد في الصناعة الرياضية هو “الرياضي المؤثر”؛ لاعب يجمع بين الاحتراف داخل الملعب وبين صناعة المحتوى والتسويق الرقمي خارجه، ويتعامل مع العلامات التجارية والجماهير والمنصات بوصفه واجهةً إعلامية وتجارية ذات قيمة عالية.
إلا أن هذا الاقتصاد المتنامي لا يزال يعمل – في كثير من الدول العربية – داخل مساحة تنظيمية غير مكتملة، حيث تُبرم الحملات الإعلانية عبر رسائل إلكترونية أو محادثات واتساب، وتُمنح حقوق استخدام الصور والمحتوى دون تحديد نطاقها، وتختلط التزامات اللاعب تجاه ناديه ورعاته ومنتخبه الوطني مع تعاقداته التجارية الخاصة، بينما تغيب الاعتبارات الضريبية والملكية الفكرية والإفصاح عن الإعلان في كثير من الحالات. ويؤدي ذلك إلى نزاعات قانونية كان يمكن تجنبها لو أُدير النشاط الرقمي وفق إطار قانوني واضح.
والسؤال الجوهري هو: كيف يبني الرياضي المؤثر نشاطه الرقمي على أساس قانوني يحمي حقوقه ويضمن امتثاله لالتزاماته التعاقدية والتنظيمية؟
أولًا: الإطار القانوني المنظم للنشاط الرقمي
رغم عدم وجود تشريع مستقل ينظم نشاط المؤثرين الرياضيين في أغلب الدول العربية، فإن هذا النشاط يخضع في الواقع لتداخل عدة منظومات قانونية، أهمها:
* قواعد العقود المدنية والتجارية.
* قوانين حماية المستهلك والإعلانات التجارية.
* تشريعات الملكية الفكرية وحقوق المؤلف والحقوق المجاورة.
* القوانين الضريبية المنظمة للدخل التجاري والمهني.
* عقد احتراف اللاعب مع ناديه.
* لوائح الاتحاد الرياضي المختص والاتحاد الدولي عند الاقتضاء.
* اتفاقيات الرعاية السارية بين النادي أو المنتخب والرعاة التجاريين.
* شروط وسياسات المنصات الرقمية نفسها.
ومن ثم فإن أي حملة إعلانية يشارك فيها اللاعب لا تُقاس فقط بما اتفق عليه مع المعلن، وإنما يجب أن تُراجع في ضوء جميع الالتزامات القانونية والتعاقدية القائمة.
ثانيًا: العقد الرقمي… حجر الأساس لكل تعاون
لا تزال نسبة كبيرة من عقود المؤثرين تُبرم من خلال رسائل متبادلة تحدد قيمة المقابل وموعد النشر دون أي تنظيم قانوني حقيقي، وهو ما يخلق بيئة خصبة للنزاعات عند أول خلاف.
والعقد الاحترافي يجب أن ينظم بصورة واضحة:
* طبيعة المحتوى المطلوب وعدده ومنصات نشره.
* الجدول الزمني للنشر.
* مدة بقاء المحتوى وعدم حذفه.
* آلية اعتماد المحتوى قبل نشره.
* المقابل المالي وآلية السداد.
* الحالات التي تجيز إلغاء الحملة.
* المسؤولية عن التأخير أو عدم التنفيذ.
* مدة الحصرية ونطاقها.
* القانون الواجب التطبيق وآلية تسوية النزاعات.
فكل عنصر يُترك دون تنظيم قد يتحول إلى نزاع يصعب حسمه لاحقًا.
ثالثًا: صورة اللاعب… ليست دائمًا ملكًا له
من أكثر المفاهيم التي يسيء كثير من الرياضيين فهمها الاعتقاد بأن لهم حرية مطلقة في استغلال صورتهم التجارية.
فالواقع أن عقد الاحتراف قد يمنح النادي أو الرابطة أو الاتحاد الرياضي حقوقًا معينة في استخدام صورة اللاعب واسمه وشعاره ضمن الأنشطة التسويقية الرسمية، كما قد ترتبط هذه الحقوق بعقود رعاية حصرية مع علامات تجارية محددة.
ولذلك فإن توقيع اللاعب عقدًا مع جهة منافسة قد يؤدي إلى إخلال بالتزاماته التعاقدية، حتى وإن لم يتضمن عقد المؤثر أي مخالفة في ظاهره.
ولهذا ينبغي مراجعة جميع العقود الرياضية القائمة قبل الدخول في أي حملة إعلانية جديدة.
رابعًا: التعارض بين الرعاة… الخطر الأكثر شيوعًا
يختلف المؤثر الرياضي عن غيره من صناع المحتوى لأنه يرتبط غالبًا بعدة منظومات من الرعاية في الوقت نفسه:
* راعي النادي.
* راعي المنتخب.
* رعاته الشخصيون.
* شركاء البطولات أو المسابقات.
وقد يؤدي إعلان واحد لمنتج منافس إلى مخالفة عقدية، أو إلى مطالبة بالتعويض، أو إلى توقيع جزاءات لائحية.
ولهذا أصبح من الضروري إدراج بند يربط تنفيذ أي حملة بعدم تعارضها مع الالتزامات السابقة، مع إعداد سجل محدث للحصريات التجارية التي يخضع لها اللاعب.
خامسًا: الملكية الفكرية… من يملك المحتوى بعد انتهاء الحملة؟
من أكثر المسائل إثارة للنزاعات مسألة ملكية الصور والفيديوهات التي تُنتج أثناء الحملات الإعلانية.
فهل تنتقل ملكيتها إلى المعلن؟
وهل يحق له إعادة استخدامها بعد انتهاء العقد؟
وهل يجوز استخدامها عالميًا أم داخل دولة معينة فقط؟
وهل يجوز تعديلها أو دمجها في حملات أخرى؟
وينبغي أن يحدد العقد بدقة:
* مالك حقوق المحتوى.
* نطاق الترخيص.
* مدته.
* الإقليم الجغرافي.
* وسائل الاستخدام.
* حق إعادة النشر أو التعديل.
* المقابل المالي عن أي استخدام إضافي.
فالترخيص غير المحدد قد يتحول عمليًا إلى تنازل غير مقصود عن حقوق ذات قيمة كبيرة.
سادسًا: الإفصاح… التزام قانوني وأخلاقي
يتجه التنظيم الحديث للإعلانات الرقمية إلى اعتبار الإفصاح عن الطبيعة الإعلانية للمحتوى التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا في آنٍ واحد.
فالجمهور من حقه أن يعلم أن ما يشاهده إعلان مدفوع وليس توصية شخصية مجردة.
ويتعاظم هذا الالتزام عند الترويج للمكملات الغذائية أو المنتجات الطبية أو الخدمات المالية أو غيرها من المنتجات التي قد يترتب على استخدامها آثار صحية أو مالية.
ولذلك يجب أن يتضمن العقد التزامًا بالإفصاح، مع تحميل المعلن مسؤولية صحة البيانات والادعاءات الخاصة بالمنتج أو الخدمة.
سابعًا: المنتجات عالية المخاطر
ليست جميع المنتجات سواء من الناحية القانونية أو الأخلاقية.
فالترويج لبعض القطاعات، مثل المراهنات، أو المشروبات الكحولية، أو منتجات التدخين، أو العملات المشفرة، أو بعض المنتجات الطبية، قد يخضع لقيود تنظيمية أو تعاقدية تختلف من دولة إلى أخرى.
ومن ثم فإن قبول أي حملة في هذه المجالات يستوجب مراجعة دقيقة للقوانين المحلية، ولوائح الاتحاد الرياضي، وعقود اللاعب القائمة.
ثامنًا: الضريبة… الالتزام الذي لا ينبغي تجاهله
الدخل الناتج عن صناعة المحتوى والرعاية التجارية يُعد – في الأصل – دخلاً يخضع للأنظمة الضريبية المعمول بها وفق القانون الواجب التطبيق.
ولا يقتصر ذلك على المقابل النقدي، بل قد يمتد إلى المقابل العيني مثل السيارات أو الرحلات أو المنتجات أو الخدمات التي يحصل عليها المؤثر مقابل الترويج.
ولذلك فإن الاحتفاظ بسجلات مالية منظمة، والالتزام بالإقرارات الضريبية، والاستعانة بمتخصصين في المحاسبة الضريبية، يعد جزءًا أساسيًا من الإدارة القانونية السليمة للنشاط.
تاسعًا: بند السمعة (Morality Clause)
أصبحت عقود الرعاية الحديثة تتضمن ما يعرف ببند السمعة أو السلوك، والذي يمنح المعلن حق إنهاء العقد إذا ارتكب الرياضي فعلًا يسيء إلى سمعته أو يضر بصورة العلامة التجارية.
وقد تشمل هذه الحالات:
* العقوبات التأديبية.
* قضايا المنشطات.
* الجرائم أو المخالفات الجسيمة.
* السلوك المسيء عبر وسائل التواصل.
* أي تصرف يؤدي إلى الإضرار بالسمعة التجارية للطرف الآخر.
ومن ثم ينبغي صياغة هذا البند بصورة متوازنة، بحيث يحمي مصالح المعلن دون أن يمنحه سلطة تقديرية مطلقة في إنهاء العلاقة التعاقدية.
عاشرًا: هيكلة النشاط… من حساب شخصي إلى مشروع تجاري
كلما زادت الإيرادات الرقمية، لم يعد من الملائم إدارة النشاط باعتباره هواية أو عملًا جانبيًا.
فالنهج الأكثر احترافية يتمثل في إنشاء هيكل قانوني مناسب لإدارة النشاط، وتعيين مدير أعمال أو وكيل بعقد يحدد اختصاصاته بدقة، وتنظيم جميع العقود والحقوق الفكرية، والاحتفاظ بأرشيف قانوني ومالي متكامل.
فالرياضي المؤثر الناجح لا يدير حسابًا على منصة رقمية فحسب، بل يدير علامة تجارية متكاملة تحتاج إلى إدارة قانونية مستمرة.
أكثر الأخطاء شيوعًا
من أبرز الأخطاء التي يقع فيها الرياضيون المؤثرون:
* الاكتفاء بالاتفاقات الشفوية أو الرسائل الإلكترونية.
* تجاهل حقوق الصورة والحصريات التعاقدية.
* منح المعلن حقوقًا غير محددة في استخدام المحتوى.
* الإعلان دون إفصاح واضح.
* الترويج لمنتجات عالية المخاطر دون مراجعة قانونية.
* إهمال الالتزامات الضريبية.
* غياب التوثيق القانوني للموافقات والتعديلات.
* منح مدير الأعمال صلاحيات غير محددة.
رؤية قانونية متخصصة
لقد تطور اقتصاد المؤثرين الرياضيين بوتيرة أسرع من تطور القواعد القانونية المنظمة له، إلا أن غياب التنظيم الخاص لا يعني غياب المسؤولية، بل يفرض على الرياضي وممثليه مستوى أعلى من الحوكمة والانضباط القانوني.
فاللاعب الذي يؤسس نشاطه الرقمي على عقود دقيقة، وامتثال تنظيمي، وإدارة واعية لحقوقه الفكرية وصورته التجارية، يحول شهرته إلى أصل اقتصادي مستدام. أما من يعتمد على الارتجال والاتفاقات غير الموثقة، فقد يجد نفسه في نزاعات تتجاوز قيمة العائد الذي حققه من حملاته الإعلانية.
وفي عصر أصبحت فيه المنصات الرقمية جزءًا من الصناعة الرياضية، لم يعد نجاح الرياضي يقاس بما يحققه داخل الملعب وحده، بل بقدرته على إدارة حضوره الرقمي وفق قواعد قانونية راسخة تحفظ حقوقه، وتحمي سمعته، وتضمن استدامة نشاطه التجاري.
#العقود