22/08/2026
في مساء إحدى الليالي ... لبضع سنوات خلت
وردني اتصال هاتفي من رجل ادعى أنه رجل قضاء ... طالبا مني موعدا على وجه العجلة والسرعة لأمر شخصي
وقد اعتدت ...
على ألا أطلب قيمة استشارة من رجال المحاماة والقضاء كتقدير واحترام للزمالة والاخوة ومضمار العمل المشترك
وصراحة ...
كنت قد تعلمت هذا الديدن من الأطباء، فأمي متعها الله بموفور الصحة ودوام العافية كانت طبيبة نساء وتوليد، وما ولجت معها إلى أي طبيب طيل حياتي في أي فرع آخر من فروع الطب .. إلا وكان يعيد إلينا قيمة الكشف بعد الانتهاء، وهي سنة محمودة كنت أظنها في صغري قانونا واجب الاتباع
حضر الرجل إلى مكتبي ....
شاب في العقد الثالث من عمره
بهي الطلة والطلعة ...
تعلوه آثار الإرهاق والتعب
وتكسوا ملامحه تعابير القلق والخوف
ويتبين للناظر بلا عناء أنه قادم من سفر
استقبلته استقبال الفاتحين، وتبين لي بعد أن أطلعني على تحقيق شخصيته أنه قاض أمام أحد الهيئات القضائية في مصر
استمعت للرجل بإنصات شديد، والذي قص لي بتفصيل أعجز عن ذكره هاهنا ... أن أباه محام (زميل) !!!
وأنه متهم في جناية رشوة باعتباره راشيا
وأنه تم إلقاء القبض عليه بمعرفة رجال الرقابة الإدارية في محافظة تبعد عن القاهرة مئات الكيلومترات
وأردف أنه لم يستطع التواصل مع والده بشكل مباشر نظرا لوجوده بمقر الرقابة الإدارية بتلك المحافظة
إلا أنه استطاع عن طريق بعض محبيه أن يصل لتلك المعلومات التي أبلغني بها
وأكد لي أن أباه سيتم عرضه على نيابة الحوادث بنيابة شرق القاهرة الكلية بالعباسية صباح الغد
قبلت قضيته فورا وبلا تردد
واستعددت الاستعداد الكامل لحضور التحقيق رفقة الرجل
في صباح اليوم التالي ....
وصلت إلى محكمة شمال القاهرة الابتدائية مبكرا حتى أتمكن من التواصل مع الرجل وإعداد الخطة اللازمة للدفاع عنه
وصل الرجل وبصحبته رجال الرقابة الإدارية
حاولت بكل السبل محادثته دون طائل، فقد حال بيني وبينه حرس الرقابة بنبرة حادة للغاية .. وطلبوا مني أن أطلب الإذن بالانفراد به من السيد وكيل النيابة المحقق
بالفعل ...
دخلت لطلب ذلك الإذن
فقرر لي المحقق ...
أنه سيستدعي المتهم لسؤاله عما إذا كان يرغب في توكيلي شخصيا من عدمه
دخل المتهم غرفة التحقيق وحده
مكث ما بين ٣ إلى ٤ دقائق
ثم خرج بصحبة حرس الرقابة
واللذي أبلغني بموافقة المحقق على الانفراد
انفردت بالمتهم ....
فإذا به يبادرني قائلا ....
يا أحمد بك ... الموضوع بسيط
١٠٧ مكرر ... وهيخلى سبيلي إن شاء الله
أنا محامي وهستفيد بالإعفاء
قلت للرجل ... صدقت
ولكن لي تعقيب بسيط على ما تقول وأنت وشأنك
خلال ساعات انتظاري لوصول المتهم كنت قد أجريت تحريا سريعا عن موقف الدعوى، فعلمت أنها متهم فيها ٣ متهمين
راش ... ووسيط ... ومرتش
وأن الوسيط قد اعترف بالجريمة ... لأنه تم القبض عليه والتحقيق معه قبل القبض على متهمي بحوالي ٤٠ يوما تقريبا وأنه ما يزال محبوسا
وأن المرتشي لم يعترف
أخذت أهدئ من روع الرجل لبضع دقائق ثم أخبرته أن الاعتراف في هذه اللحظة قد لا يكون هو التصرف الأمثل في مثل هذا النوع من القضايا
وأنه من الأفضل الإنكار حتى تنتهي التحقيقات ... ثم نقيم الموقف
خاصة ....
أن الإعفاء المقرر بموجب المادة ١٠٧ من قانون العقوبات يمكن ابداؤه في أي وقت حتى ولو أمام محكمة الموضوع
وأن ابداؤه الآن في تحقيقات النيابة العامة قد يعرض سمعته وعائلته وسمعة ابنه وحياته الوظيفية للخطر لا سيما حال كون والده محكوم عليه بالإدانة في جريمة رشوة حتى ولو أعفي من العقاب
تفهم الرجل حديثي ...
لكنه استوقفني بسؤال أربكني وصدمني
ماذا أقول للمحقق الذي سألني عن التهمة وأخبرته أنتي معترف بها ؟!
كانت لحظة صادمة ....
كيف للمحقق أن يسأل المتهم في غيبتي؟
ولماذا فعل ذلك ؟
وبأي حق؟
تمالكت نفسي وقلت له ...
عندما ندخل إلى التحقيق ...
أنكر كل ما قلته له ...
ولا تقلق إن عنَّفك أو راجعك
وتمسك بإنكارك
دخلنا غرفة التحقيق ...
وبدأ المحقق سؤاله للمتهم ...
س/ ما تفصيلات اعترافك؟
انتفضت من على الكرسي واقفا ...
سائلا المحقق في دهشة مصطنعة واستغراب مفتعل واستنكار واضح
ومن قال أن المتهم اعترف ؟!
رد المحقق على سؤالي ....
بسؤال ابتدر به المتهم قائلا ...
أولست معترفا بالتهمة
قال المتهم .... لا
أسقط في يدي المحقق ....
واعتلت وجهه أمارات الدهشة والاستنكار والمفاجأة
إلا أنه لم يستطع أن يوجه كلمة أخرى للمتهم
طلب الحرس
أخرجنا من الغرفة
مرت ساعة
استدعى خلالها ضباط الرقابة
ليحاولوا اقناع المتهم بالاعتراف ليتم إخلاء سبيله
لكنني كنت معه ... كتفا بكتف
وقد تمسك بموقفه
وعدنا للتحقيق
وكان السؤال الأول
س/ما هي ظروف ضبطك وعرضك علينا الآن
طبعا بعد ديباجة المحضر وتوجيه الاتهامات كما يجري العرف في التحقيقات
انتهى التحقيق حوالي الساعة ١١ مساء وانصرف المتهم لمحبسه وانصرفت لمكتبي
مضى حوالي ٣٠ يوما تقريبا كنت قد حضرت فيها مع المتهم تجديد حبسه لمدة ال١٥ يوما الأولى والثانية
ثم جائني اتصال من القاضي الجليل يطلب مني موعدا ... ويستأذن في حضور بعض من أقربائه أحدهم رئيس محكمة وهو خال له كما أخبرني
حضروا إلى مكتبي ....
ومنذ اللحظة الأولى ....
ما أن طالعت وجه رئيس المحكمة ذاك
إلا وأدركت أن غرضه ليس الاستفسار عن القضية أو بحث موقف المتهم
بل كان غرضه واضحا صريحا .... نحن سنبحث عن محام آخر
لم يقلها صراحة ...
إلا أنه انتظر حتى قلت في معرض حديثي أن النيابة بعد انتهاء التحقيقات ستفرج عن المتهم، وأن من المحتمل أن تنتهي هذه القضية بصدور أمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية وصدور قرار بالتبعية بإخلاء سبيل المتهم
وفي هذه اللحظة ...
ويكأنه كان ينتظرها ....
فقال لي ....
هذا كلام لا يقوله رجل قانون
الدعوى في حوزة المحكمة
ولا تملك النيابة إخلاء سبيل المتهم
حاولت اقناعه بالذوق والتهذيب أن حديثه خاطئ ويخالف نصوص القانون
إلا أنه غضب ....
وانتفخت أوداجه ...
وقام من مقعده بعد أن واجهته بنص المادة ٢٠٤ من قانون الإجراءات الجنائية وقرر الرحيل
كنت مدركا أن القضية سترحل
لكن الرزق بيد الرزاق
رحل القاضي وخاله رئيس المحكمة وأنا أعلم أن ملف القضية قد رحل معهما
كانت الأيام تمضي ....
وكل شهر تقريبا أتلقى محادثة هاتفية من ذلك القاضي ... يخبرني فيها بتطورات الموقف في الدعوى ... ويسألني عن بعض ما يعن له من أسئلة
كنت أجيب ... وبكل أدب
لم أسأله مرة ....
أين ذهبتم بالقضية؟
من هو المحامي الذي أوكلتموها له؟
ماذا فعل أكثر مني؟
ولماذا لا تسأل محاميك الحالي؟
لم أطرح عليه سؤالا واحدا مما سبق
بل كنت أجيبه وفقط
مرت عشرة أشهر تقريبا
ثم وجدت اتصالا هاتفيا من ذلك القاضي يخبرني أنه يرغب في تحديد موعد لزيارتي وأنه بصحبته قريب له يعمل أستاذا بكلية الآداب بإحدى الجامعات المصرية وأنه ليس رجل قانون ... وأكد لي على ذلك .. لتحرجه من الموقف السابق
حضر القاضي ... وصاحبه
ووجدته يطلب مني أن أعود لتولي مهمة الدفاع عن أبيه
استقبلته بترحاب الأم بابنها
وأكرمت مقدمه هو وصديقه
ثم سألني .... كام الأتعاب يا أحمد بك
فقلت له ... ألم نتفق عليها من قبل!!
ارتفع حاجباه حتى كادا يغادرا وجهه قائلا لي ... معقووووووول
بعد ما أخدنا القضية ومشينا
هنرجع بنفس الأتعاب ....؟
أجبته .. ومن أخبرك أنك في مكتب خاس
ومن أخبرك أن المحاماة سوق للنخاسة تباع فيه وتشترى
الأتعاب كما هو متفق ....
ولا تثريب عليك
والله المستعان
كان الرجل مذهولا من الموقف ....
رغم أنه موقف عادي للغاية
وهو الواجب الاتباع
فقط سألته ....
لمن ذهبت بالقضية ... فقالوا فلان الفلاني الشهير الكبير الذي تضج باسمه قنوات التلفزيون والفضائيات
وماذا فعلتم معه ؟!
أقسم القاضي أنه باع سيارته لينقده أتعابه ... وأنه أخبرهم أن أباه سيتم اخلاء سبيله في أول جلسة مقبلة
وأردف القاضي ....
٩ أشهر كاملة بعد أن تلقى رقم الأتعاب الباهظ ذاك ... لم أستطع مقابلته شخصيا ولو لمرة واحدة !!!!
ماذا تقول يا رجل ....
٩ أشهر لم تقابله
أقسم القاضي بالله
أنه منذ ليلة اختلافهم معي وذهابهم لذلك الرجل وانقاده المبلغ في اليوم التالي ... لم يستطيعوا مقابلته ولو لمرة واحدة
ولم يخل سبيل المتهم ل٩ أشهر كاملة حتى يوم أن جائني وصاحبه
خرج القاضي وصديقه من مكتبي، وأنا انبريت أكتب مذكرة مشفوعة بالأسباب والمستندات لمعالي السيد الأستاذ المستشار المحامي العام الأول لنيابة استئناف القاهرة
بعد ما يقارب ١٢ الى ١٥ يوما تقريبا
جائني اتصال هاتفي ....
رقم غريب .....
رجل يصرخ بصوت عااااااال لدرجة انني لم أسمع أو أفهم ما يقول
مبروووووووك يا معالي الوزيييييير
مبروووووووك يا معالي الوزييييير
مبروووووووك يا معالي الوزييييير
خير يا ابني ... انت مين
قال لي ....
أمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية مع الأمر بإخلاء سبيل المتهم
بكيت ورب الكعبة ....
ليس من أجل المتهم ....
لا والله
وإنما من أجل نصر الله الذي يأتي ولو بعد حين
هذا القاضي ....
هاتفني اليوم ....
بعد ما يقارب ٧ أو ٨ سنوات على هذه الواقعة
أسمعني ما يرضيني
وذكرني بذلك الموقف وتلك الدعوى
وقال لي
أنا أشهد الله ... وأنا رجل قضاء
أنني ما عرفت أخلص منك يوما
وأنا أقول له .... هنا وعلنا
أنا حصلت على اجري مقابل عملي ونتائجه
أما الإخلاص ....
فلا أسألكم عليه من أجر
إن أجري إلا على الله رب العالمين
الحمد لله 🤲
#العرَّاب