19/06/2026
؟
🖊بقلم : William Peter Awinjack
تشكل النقابات المهنية أحد أهم أركان تنظيم المهن وحماية معاييرها الأخلاقية والقانونية، ولذلك فإن قيام أي نقابة بمراجعة ملفات أعضائها والتأكد من استيفاء الشروط المطلوبة يعد ممارسة طبيعية ومشروعة تهدف إلى تعزيز الثقة في المهنة وصون مكانتها داخل المجتمع. غير أن نجاح أي مؤسسة في أداء مهامها لا يرتبط فقط بسلامة الأهداف التي تسعى إليها، وإنما أيضاً بالوسائل التي تعتمدها لتحقيق تلك الأهداف.
وفي الآونة الأخيرة أثار نشر قوائم بأسماء محامين لديهم نواقص في ملفاتهم الأكاديمية أو الإجرائية نقاشاً واسعاً داخل الأوساط القانونية. فبينما رأى البعض أن الخطوة تأتي في إطار جهود التنظيم والتدقيق، اعتبر آخرون أن طريقة الإعلان تجاوزت حدود الإخطار الإداري إلى دائرة الإحراج العلني، وهو ما يطرح تساؤلات مهمة حول العلاقة بين الإدارة الرشيدة واحترام الكرامة المهنية.
فالمحامي، بحكم طبيعة عمله، يعتمد بصورة كبيرة على الثقة والسمعة المهنية. وهذه السمعة لا تمثل رصيداً شخصياً فحسب، وإنما ترتبط بمصالح موكلين ومؤسسات وعلاقات مهنية بنيت عبر سنوات طويلة من العمل. وعندما يُنشر اسم المحامي أمام العامة في سياق يوحي بوجود خلل أو مخالفة، فإن الانطباع الذي يتشكل لدى الجمهور قد يكون مختلفاً تماماً عن حقيقة الأمر، خاصة إذا كان الموضوع يتعلق بنواقص إدارية أو مستندات قيد الاستكمال.
ومن المبادئ المستقرة في الإدارة الحديثة أن الإجراءات يجب أن تكون متناسبة مع الغاية التي تستهدفها. فإذا كان الهدف هو استكمال مستندات أو تصحيح أوضاع إدارية، فإن وسائل الإخطار المباشر تظل الخيار الأكثر مهنية وفعالية. أما اللجوء إلى النشر الواسع عبر منصات التواصل الاجتماعي فيحمل مخاطر عديدة، من بينها خلق انطباعات سلبية غير دقيقة وإلحاق أضرار معنوية قد تستمر آثارها لفترات طويلة.
كما أن احترام الخصوصية المهنية لا يتعارض مع مبدأ الشفافية، فالمؤسسات الناجحة حول العالم استطاعت أن تحقق التوازن بين حقها في الرقابة والتنظيم وبين واجبها في حماية سمعة أعضائها. فالشفافية الحقيقية لا تعني كشف كل التفاصيل أمام الجمهور، وإنما تعني وجود إجراءات واضحة وعادلة تضمن وصول المعلومات إلى أصحاب الشأن بالطرق المناسبة.
إن النقابات المهنية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتطوير أدواتها الإدارية بما ينسجم مع المعايير الحديثة للحوكمة الرشيدة. فالتواصل المؤسسي الفعال يقوم على الإخطار المباشر، وإتاحة الفرصة للتصحيح، ومنح فترات زمنية معقولة للاستجابة قبل اتخاذ أي إجراءات أخرى. وهذه الممارسات لا تحمي الأعضاء فقط، وإنما تعزز أيضاً صورة النقابة باعتبارها مؤسسة مهنية تحترم القانون وتطبق مبادئ العدالة الإجرائية على الجميع.
ولا يعني ذلك بأي حال من الأحوال التقليل من أهمية مراجعة الملفات أو التحقق من المؤهلات، فهذه مسؤولية أساسية لا يمكن التخلي عنها. لكن الفرق كبير بين ممارسة الرقابة المهنية وبين اتخاذ إجراءات قد تُفهم على أنها نوع من التشهير غير المقصود. فالمؤسسة القوية هي التي تنجح في فرض الانضباط دون المساس بكرامة منتسبيها.
وفي نهاية المطاف، تبقى هيبة النقابات المهنية مرتبطة بقدرتها على الجمع بين الحزم والإنصاف. فالتنظيم ضرورة، والرقابة واجب، لكن الاحترام يظل أساس العلاقة بين المؤسسة وأعضائها. وعندما يتحقق هذا التوازن تصبح النقابة أكثر قدرة على أداء رسالتها، ويشعر أعضاؤها بأن حقوقهم وكرامتهم مصونة بنفس القدر الذي تُصان به قواعد المهنة ومتطلباتها.