17/08/2026
كلمة إلى شباب المحامين عن شرف الدفاع وحدود المهنة
إلى كل شاب اختار المحاماة طريقا له وإلى كل محام يقف يوما أمام منصة القضاء حاملا بين يديه مصير إنسان ومستقبله وحريته وسمعته أقول
المحاماة ليست مباراة يكون فيها معيار الفوز أن تفعل ما يفعله الخصم وليست معركة يكون فيها كل شيء مباحا لمجرد أن الطرف الآخر بدأ بالتجاوز
ولهذا فإنني مع كامل الاحترام والتقدير للأستاذ المحامي الكبير أحمد حجاج فإن ما صدر منه من قول هات شاهد زور زي ما خصمك جاب شاهد زور هو قول أختلف معه فيه تماما لأنه لا يتفق مع صحيح القانون ولا مع أصول المهنة ولا مع أخلاقيات المحاماة ولا مع الرسالة التي يحملها المحامي
فالقاعدة التي يجب أن يتعلمها المحامي منذ اليوم الأول في المهنة هي أن خطأ الخصم لا يمنحك ترخيصا بارتكاب الخطأ وأن مخالفة القانون من جانب الخصم لا تجعل مخالفة القانون من جانبك مباحة
إذا جاء خصمك بشاهد زور فلا تأت أنت بشاهد زور
وإذا قدم محضرا غير صحيح فلا تصنع محضرا مقابلا
وإذا زور دليلا فلا تواجه التزوير بتزوير
وإذا حاول أن يخدع المحكمة فلا تجعل من نفسك طرفا في الخداع
لأن المحامي الذي يفعل ذلك لم يعد يحارب الباطل وإنما أصبح جزءا منه
وهنا يجب أن نفرق جيدا بين قوة الدفاع وبين الخروج على حدود الدفاع
المحامي القوي ليس هو الذي يستطيع أن يصنع شاهدا أو يختلق واقعة أو يوجه موكله إلى ارتكاب جريمة ثم يستخدم نتائجها أمام المحكمة
المحامي القوي هو الذي يستطيع أن يهدم شهادة الزور دون أن يكذب
وأن يسقط الدليل دون أن يصنع دليلا مضادا
وأن يكشف تناقضات الخصم دون أن يختلق رواية
وأن يستخرج البراءة من أوراق القضية دون أن يضيف إليها ورقة واحدة غير حقيقية
وهذه هي الصعوبة الحقيقية في المحاماة
أن تنتصر بالقانون عندما يكون خصمك قد خرج على القانون
أن تواجه الكذب بالحجة
والتناقض بالمنطق
والزور بالمناقشة
والدليل الباطل بالدفع ببطلانه
والتحريات غير الجدية بكشف مواطن قصورها
والشهادة المتناقضة بتفكيك عناصرها
لا أن تدخل معه في سباق من يرتكب مخالفات أكثر
ولشباب المحامين أقول لا تجعلوا من سلوك الخصم مقياسا لسلوككم
فقد يكذب الخصم وقد يزور وقد يأتي بشاهد زور وقد يقدم رواية يعلم هو قبل غيره أنها غير صحيحة ولكن كل ذلك لا يغير من واجب المحامي شيئا
أنت محام
ولست خصما
ولست شاهدا
ولست رجل تحريات
ولست صانعا للأدلة
أنت رجل قانون مهمتك أن تستخدم ما أتاحه لك القانون من وسائل الدفاع للوصول إلى الحقيقة وحماية حقوق موكلك
وإذا كان موكلك قد ابتلي بشاهد زور فقل له ببساطة
اتق الله
ولا تجعل شاهد زور يدفعك إلى ارتكاب جريمة أخرى
فمن يتق الله يجعل له مخرجا
قد تكون النتيجة التي يتمناها موكلك هي البراءة وقد يكون قد قدم دفاعا صادقا ولكن المحكمة اطمأنت إلى شهادة شاهد زور وأخذت بها وقضت بالإدانة
وهنا يكون هذا ابتلاء
ولا يعني أن عليك أن تواجه ابتلاءك بارتكاب جريمة
فليس كل ما يريده الإنسان يحصل عليه بالطريقة التي يريدها
وليس كل حكم يصدر ضد الإنسان يعني أن عليه أن يبحث عن وسيلة غير مشروعة لتغييره
إنما وظيفة المحامي في هذه اللحظة أن يبحث عن طرق الطعن وأن يكشف الخطأ في الحكم وأن يناقش الدليل وأن يبين للمحكمة العليا مواضع الفساد في الاستدلال أو القصور أو التناقض أو مخالفة القانون
هذه هي المحاماة
أما فكرة محضر قصاد محضر وشاهد زور قصاد شاهد زور فهي ليست شطارة قانونية وإنما بداية خطيرة لانهيار الحدود الفاصلة بين الدفاع المشروع والسلوك الإجرامي
وهنا أريد أن ألفت نظر شباب المحامين إلى مسألة أخرى شديدة الأهمية
المتهم ليس ملزما بأن يساعد سلطة الاتهام على إدانته
وله الحق في الدفاع عن نفسه وله أن ينكر الاتهام وله أن يتمسك بأوجه الدفاع التي يقررها القانون وله أن يصمت في الحدود التي رسمها القانون ولا يجوز أن يتحول حقه في الدفاع إلى التزام بأن يقدم بنفسه الدليل الذي يدينه
لكن يجب أن نفهم في الوقت ذاته أن حق المتهم في الدفاع شيء ودور المحامي في ارتكاب الجريمة شيء آخر تماما
فإذا قال المتهم لمحاميه إن لدي دليلا وأراد المحامي أن يعرف مدى صلاحيته القانونية فهذه مسألة
أما أن يقول له اذهب وارتكب جريمة حتى نحصل على دليل يفيدك أمام المحكمة فهذه مسألة أخرى تماما
الفارق بين الأمرين ليس بسيطا
لأن المحامي يستطيع أن يقدم المشورة القانونية بشأن دليل موجود بالفعل وأن يبين مدى صلاحيته أو مشروعيته أو مدى إمكانية التعويل عليه
لكن لا يجوز أن تتحول الاستشارة القانونية إلى تحريض أو اتفاق أو مساعدة على ارتكاب جريمة
فالمحامي لا يصبح شريكا في جريمة لمجرد أنه علم بها أو ناقش أثرها القانوني أو قيم دليلا أصبح موجودا بالفعل
ولكنه قد يدخل إلى دائرة المسؤولية إذا تجاوز حدود المشورة القانونية إلى المشاركة الفعلية في ارتكاب الجريمة أو التحريض عليها أو الاتفاق بشأنها أو تقديم المساعدة اللازمة لتنفيذها
وهنا تظهر قيمة المحامي الحقيقي
المحامي الحقيقي لا يبحث فقط عن السؤال
هل أستطيع أن أفعل ذلك؟
وإنما يسأل نفسه قبل ذلك
هل يجوز لي أن أفعل ذلك؟
وهل يتفق ذلك مع القانون؟
وهل يتفق مع ضميري؟
وهل إذا وقفت أمام المحكمة غدا وذكرت ما فعلته سأكون قادرا على الدفاع عن تصرفي باعتباره عملا من أعمال المحاماة؟
هذه الأسئلة هي التي تصنع المحامي
فالمحاماة ليست فقط نصوصا تحفظها
وليست فقط دفوعا ترددها
وليست فقط أحكاما تحفظ أرقامها
المحاماة أخلاق قبل أن تكون مهنة
وعلم قبل أن تكون مرافعة
وضمير قبل أن تكون خصومة
والقوة الحقيقية للمحامي ليست في قدرته على التحايل على القانون وإنما في قدرته على الانتصار بالقانون
لا تجعلوا من عبارة موكلي يريد البراءة مبررا لكل شيء
فالبراءة غاية مشروعة
لكن الوصول إليها يجب أن يكون من خلال وسائل مشروعة
ولا تجعلوا من عبارة الخصم فعل ذلك أولا حجة لكم
فالخصم يتحمل مسؤولية فعله
وأنت تتحمل مسؤولية فعلك
ولا تجعلوا من عبارة المحكمة قد تصدق شهادة الزور سببا لأن تصنعوا شهادة زور أخرى
فالمحكمة ليست ساحة للانتقام
والمحامي ليس أداة للانتقام
والقانون ليس وسيلة للثأر
المحامي الذي يعرف حدود مهنته يستطيع أن يكون شديدا في دفاعه دون أن يكون خارجا على القانون
يستطيع أن يكون شرسا في المرافعة دون أن يكون منحرفا عن أخلاقيات المهنة
يستطيع أن يهدم قضية كاملة دون أن يختلق واقعة واحدة
يستطيع أن يواجه عشرات الأدلة بدفع قانوني واحد صحيح
وهنا تكمن عظمة المحاماة
أن تستطيع أن تدافع عن إنسان متهم بجريمة دون أن ترتكب أنت جريمة من أجل الدفاع عنه
وأن تستطيع أن تواجه شهادة زور دون أن تصبح شاهدا على الزور
وأن تستطيع أن تواجه محضرا كاذبا دون أن تصنع محضرا كاذبا
وأن تستطيع أن تواجه خصما تجاوز القانون دون أن تتجاوز أنت القانون
لذلك نصيحتي لكل شاب من شباب المحامين
تعلم القانون جيدا
واعرف ما لك وما عليك
واعرف حدود الدفاع
واعرف الفرق بين ما هو جائز وما هو محظور
ولا تجعل حماسك لموكلك يعميك عن مسؤوليتك أمام القانون
ولا تجعل رغبتك في تحقيق البراءة تدفعك إلى طريق قد يجعلك أنت نفسك في موضع الاتهام
فقد تخسر قضية وأنت ملتزم بالقانون
ولكنك تستطيع أن ترفع رأسك
أما أن تربح قضية بوسيلة غير مشروعة فقد تربح القضية وتخسر مهنتك وسمعتك وضميرك وربما حريتك
وفي النهاية
المحامي الحقيقي ليس الذي يقول لموكله افعل أي شيء حتى نكسب
وإنما الذي يقول له
سأدافع عنك بكل ما يسمح به القانون
سأستخدم كل حق أعطاني إياه القانون
سأواجه كل دليل ضدك
وسأبحث عن كل ثغرة قانونية صحيحة
وسأتمسك بكل دفع مشروع
ولكنني لن أكذب من أجلك
ولن أزور من أجلك
ولن أصنع شاهدا من أجلك
ولن أحرضك على ارتكاب جريمة من أجلك
لأنني محام
ولأن المحاماة رسالة
ولأن الدفاع عن الإنسان لا يعني أن يتحول المحامي إلى خصم للقانون
هذه هي المحاماة التي نريدها
محاماة قوية في حجتها
نظيفة في وسائلها
شريفة في أخلاقها
وعميقة في فهمها للقانون
فاحرصوا يا شباب المحامين على أن يكون انتصاركم في قاعة المحكمة انتصارا للقانون أولا قبل أن يكون انتصارا لموكلكم
لأن القضية قد تنتهي بحكم
أما سيرة المحامي فتبقى.