المستشار ماهر ميلاد اسكندر

المستشار ماهر ميلاد اسكندر صفحة المستشار ماهر ميلاد اسكندر المحامي
بالنقض و الادارية العليا.

“فرصة للعلاج قبل الفصل”لم يعد مقبولًا في بيئة العمل الحديثة أن يُختزل التعامل مع تعاطي المخدرات في قرار سريع بالرفد، كما...
19/03/2026

“فرصة للعلاج قبل الفصل”

لم يعد مقبولًا في بيئة العمل الحديثة أن يُختزل التعامل مع تعاطي المخدرات في قرار سريع بالرفد، كما لو أن المشكلة سلوك عابر يمكن إنهاؤه بالإقصاء. هذا النهج، رغم ما يبدو فيه من حزم، يتجاهل حقيقة أساسية باتت مستقرة علميًا وقانونيًا، وهي أن الإدمان حالة مرضية مركبة، لا يمكن معالجتها بمنطق العقوبة وحدها. الموظف الذي يصل إلى مرحلة التعاطي لا يكون عادةً في وضع طبيعي يتيح له الاختيار الحر بين الخطأ والصواب، بل يكون واقعًا تحت تأثير عوامل نفسية أو اجتماعية أو حتى مهنية دفعت به إلى هذا المسار، وهو ما يستدعي مقاربة أكثر عمقًا من مجرد إنهاء خدمته.

قرار الرفد، وإن كان يحقق مظهرًا من مظاهر الانضباط داخل المؤسسة، إلا أنه في كثير من الأحيان ينقل المشكلة خارجها دون أن يحلها. الموظف المفصول يفقد مصدر دخله، ويواجه ضغطًا أسريًا واجتماعيًا متزايدًا، وقد يجد نفسه في دائرة أكثر خطورة من التعاطي والانحراف، بما ينعكس سلبًا على المجتمع ككل. في المقابل، فإن منح فرصة للعلاج لا يُعد تساهلًا أو تهاونًا، بل هو خيار عقلاني يعالج أصل المشكلة بدلًا من مظاهرها، ويعيد دمج الموظف كعنصر منتج بدلًا من دفعه إلى الهامش.

المعادلة الحقيقية لا تكمن في الاختيار بين الحزم أو الرحمة، بل في تحقيق التوازن بينهما. فلا يمكن بأي حال القبول بوجود موظف متعاطٍ داخل بيئة عمل حساسة أو السماح بتكرار السلوك دون مساءلة، لكن في الوقت ذاته لا ينبغي أن يكون الفصل هو الخيار الأول. الحل الأكثر اتزانًا يتمثل في ما يمكن تسميته “قرار الفرصة”، وهو إطار منضبط يمنح الموظف إمكانية الخضوع لبرنامج علاجي معتمد، تحت رقابة واضحة، وبشروط صارمة تضمن الالتزام. هذه الفرصة ليست حقًا مطلقًا، بل هي التزام متبادل: المؤسسة تمنح الدعم، والموظف يلتزم بالعلاج والتعافي، وفي حال الإخلال أو التكرار، يصبح اتخاذ إجراءات أشد حسمًا أمرًا مشروعًا.

هذا التوجه لا يحقق فقط مصلحة الفرد، بل يخدم المؤسسة نفسها. الموظف الذي يُمنح فرصة حقيقية للعلاج غالبًا ما يعود بدرجة أعلى من الالتزام والانتماء، ويصبح أكثر وعيًا بمسؤوليته تجاه عمله. كما أن المؤسسات التي تتبنى هذا النهج تعزز صورتها كبيئة عمل إنسانية ومسؤولة، وهو ما ينعكس إيجابًا على استقرارها وقدرتها على جذب الكفاءات. أما على مستوى المجتمع، فإن تقليل حالات الفصل المرتبطة بالتعاطي يسهم في الحد من الآثار الاقتصادية والاجتماعية السلبية المرتبطة بالبطالة والتهميش.

غير أن ترك هذه المسألة لاجتهادات كل مؤسسة على حدة يخلق تفاوتًا كبيرًا في المعالجة، ويفتح الباب لقرارات قد تكون متشددة أو تعسفية في بعض الأحيان، أو متساهلة بشكل يضر ببيئة العمل في أحيان أخرى. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تدخل تشريعي واضح يضع إطارًا عامًا ملزمًا يحقق هذا التوازن. المطلوب من مجلس النواب ليس مجرد تشديد العقوبات أو توسيع حالات الفصل، بل إعادة صياغة الفلسفة القانونية ذاتها، بحيث يتم الاعتراف صراحةً بأن الإدمان حالة تستوجب العلاج قبل العقاب، مع تقنين نظام “الفرصة الأولى” كمرحلة إلزامية تسبق أي قرار بالفصل، ما لم يكن هناك خطر جسيم أو ضرر محقق.

هذا النظام ينبغي أن يتضمن ضوابط دقيقة، تضمن جدية العلاج، وتحمي في الوقت ذاته صاحب العمل من أي تعسف أو استغلال. كما يجب أن يُبنى على أسس من السرية واحترام الخصوصية، بما يشجع الموظفين على الإقبال على العلاج دون خوف من الوصم أو فقدان الوظيفة. وفي المقابل، يجب أن يكون واضحًا أن هذه الفرصة ليست بلا حدود، وأن تكرار التعاطي أو رفض العلاج يفتح الباب لاتخاذ إجراءات صارمة تصل إلى إنهاء الخدمة.

إن تبني هذا النهج لا يمثل فقط تطويرًا في السياسة التشريعية، بل يعكس تحولًا في رؤية الدولة لدورها في إدارة الأزمات الاجتماعية داخل سوق العمل. فالقانون لم يعد مجرد أداة للردع، بل أصبح وسيلة للإصلاح وإعادة التأهيل، وهو ما يتماشى مع الاتجاهات الحديثة في التشريعات المقارنة. وفي ظل التحديات المتزايدة التي تواجه المجتمعات، يصبح من الضروري أن تتبنى الدولة سياسات أكثر إنسانية دون أن تتخلى عن الحزم، وأن تدرك أن حماية بيئة العمل لا تتحقق فقط بإقصاء المخطئ، بل أحيانًا بإنقاذه.

في النهاية، فإن منح الموظف فرصة للعلاج ليس ضعفًا في الإدارة ولا تساهلًا في الانضباط، بل هو تعبير عن فهم أعمق لطبيعة الإنسان وتعقيداته. هو قرار يجمع بين العقل والقلب، بين حماية المؤسسة والحفاظ على الإنسان، وبين الردع والإصلاح. وإذا كان الهدف من القانون هو تنظيم المجتمع وتحقيق استقراره، فإن القانون الذي يمنح فرصة للشفاء، هو في الحقيقة قانون يحمي الجميع

"قضية حققنا فيها نجاح: محكمة النقض المصرية حبس الثمن بسبب تأخر التسليم"في حكم قضائي مهم يعيد التوازن في منازعات التطوير ...
16/03/2026

"قضية حققنا فيها نجاح: محكمة النقض المصرية حبس الثمن بسبب تأخر التسليم"

في حكم قضائي مهم يعيد التوازن في منازعات التطوير العقاري، قضت محكمة النقض بإلغاء حكمين سابقين صدرا بفسخ عقد بيع وحدة عقارية بين أحد المشترين وشركة هوم تاون للتطوير العقاري، وذلك بعد أن تبين للمحكمة أن الحكمين تجاهلا دفاعًا جوهريًا تمسك به المشتري يتعلق بحقه القانوني في حبس باقي الثمن لحين تنفيذ التزام التسليم.

وتعود وقائع النزاع – بحسب ما ورد بأوراق الطعن – إلى قيام الشركة المطورة برفع دعوى أمام محكمة القاهرة الجديدة الابتدائية طالبت فيها بفسخ عقد البيع المؤرخ 29 نوفمبر 2018 وإلزام المشتري بالتعويض، تأسيسًا على أنه أخل بالتزامه التعاقدي ولم يقم بسداد باقي أقساط الثمن المستحقة وفقًا للعقد. غير أن المشتري تمسك في المقابل بدفاع جوهري مؤداه أنه لم يمتنع عن السداد تعسفًا، وإنما مارس حقه القانوني في حبس باقي أقساط الثمن بسبب عدم التزام الشركة بتنفيذ التزاماتها التعاقدية، وعلى رأسها تسليم الوحدة كاملة التشطيب والمرافق في الموعد المتفق عليه، رغم مرور موعد التسليم المحدد.

ورغم هذا الدفاع، قضت محكمة أول درجة بفسخ عقد البيع وإلزام المشتري بالتعويض، كما رفضت الدعوى الفرعية المقامة منه، وهو الحكم الذي تم تأييده لاحقًا من محكمة استئناف القاهرة بعد أن طعن عليه الطرفان بالاستئنافين رقمي 7157 و7078 لسنة 28 ق.

إلا أن المشتري لم يقبل بهذا القضاء، فتقدم بطعن أمام محكمة النقض بواسطة الأستاذ ماهر ميلاد إسكندر، مؤسسًا طعنه على أن الحكم المطعون فيه شابه القصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع، إذ قضى بفسخ عقد البيع استنادًا إلى الشرط الفاسخ الصريح الوارد بالعقد دون أن يبحث دفاع الطاعن بشأن أحقيته في حبس باقي أقساط الثمن لحين تنفيذ الشركة المطورة لالتزامها بتسليم الوحدة محل التعاقد.

وأوضحت مذكرة الطعن أن الطاعن كان قد تمسك أمام محكمة الموضوع بأن امتناعه عن سداد باقي الأقساط لم يكن إخلالًا بالعقد، وإنما كان نتيجة خشية جدية من عدم تنفيذ الشركة المطورة لالتزاماتها، خاصة في ظل تأخر التنفيذ وعدم الانتهاء من أعمال التشطيب والمرافق في الموعد المحدد للتسليم، وهو ما يخول له قانونًا التمسك بدفع حبس الثمن إلى حين تنفيذ الطرف الآخر لالتزاماته المقابلة.

وقد انتهت محكمة النقض إلى أن هذا النعي في محله، مؤكدة في حيثياتها أن الطاعن تمسك أمام محكمة الموضوع بحقه في حبس أقساط الثمن لتوافر خشية جدية لديه من عدم تنفيذ المطعون ضده لالتزامه بالتسليم، وهو دفاع جوهري من شأنه – لو تم بحثه وتمحيصه – أن يتغير به وجه الرأي في الدعوى. غير أن الحكم المطعون فيه أعمل أثر الشرط الفاسخ الصريح دون أن يعرض لهذا الدفاع أو يناقش الظروف والاعتبارات التي ساقها الطاعن، ودون أن يتحقق من مدى التزام الشركة المطورة بتنفيذ التزاماتها التعاقدية، الأمر الذي اعتبرته المحكمة قصورًا في التسبيب وإخلالًا بحق الدفاع.

وأكدت المحكمة أن القضاء بفسخ العقد استنادًا إلى الشرط الفاسخ الصريح لا يعفي المحكمة من بحث دفوع المتعاقد الآخر والتحقق من مدى مشروعية امتناعه عن التنفيذ، خاصة إذا كان هذا الامتناع قائمًا على سبب قانوني مشروع مثل وجود خوف جدي من عدم تنفيذ الطرف الآخر لالتزاماته. كما شددت على أن تجاهل دفاع جوهري يتعلق بأساس النزاع يعد عيبًا في الحكم يبطله ويستوجب نقضه.

وبناءً على ذلك قضت محكمة النقض بنقض الحكم المطعون فيه وإحالة القضية إلى محكمة استئناف القاهرة لإعادة نظرها من جديد، مع إلزام المطعون ضده بالمصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة، مؤكدة بذلك مبدأ قانونيًا مهمًا في العقود التبادلية، وهو أن التزام كل طرف يقابل التزام الطرف الآخر، وأن المشتري لا يُلزم بسداد كامل الثمن إذا لم يقابل ذلك تنفيذ حقيقي لالتزامات البائع.

"قضية حققنا فيها نجاح: تعويض 10 ملايين جنيه لمشتري بعد بيع بالم هيلز وحدته لشخص آخر"في حكم قضائي مهم يعكس توجه القضاء ال...
16/03/2026

"قضية حققنا فيها نجاح: تعويض 10 ملايين جنيه لمشتري بعد بيع بالم هيلز وحدته لشخص آخر"

في حكم قضائي مهم يعكس توجه القضاء المصري نحو حماية الحقوق التعاقدية للمشترين في المشروعات العقارية، قضت المحكمة بإلزام شركة بالم هيلز الشرق الأوسط بدفع تعويض مالي كبير لصالح أحد المشترين، وذلك بعد ثبوت إخلال الشركة بالتزاماتها التعاقدية وبيعها الوحدة محل التعاقد لمشترٍ آخر.

وتعود وقائع القضية إلى تعاقد أحد العملاء على شراء وحدة عقارية في مشروع سياحي بالساحل الشمالي تابع لشركة بالم هيلز الشرق الأوسط، حيث نص عقد البيع على التزام الشركة بتسليم الوحدة في موعد محدد. غير أن الشركة لم تلتزم بتنفيذ هذا الالتزام الجوهري، الأمر الذي أدى إلى نشوء نزاع قانوني بين الطرفين.

وخلال نظر الدعوى، تمسكت الشركة المطورة بدفاع مفاده أن المشتري لم يقم بسداد الأقساط المستحقة في المواعيد المتفق عليها، وطالبت بفسخ عقد البيع على هذا الأساس. غير أن المحكمة رفضت هذا الدفاع، مؤكدة في حيثيات حكمها أن امتناع المشتري عن سداد الأقساط في هذه الحالة يعد استعمالًا مشروعًا لما يعرف قانونًا بـ حق الحبس.

وأوضحت المحكمة أن للمشتري الحق في الامتناع عن سداد الأقساط طالما أن البائع لم يقم بتنفيذ التزامه المقابل بتسليم الوحدة في الموعد المتفق عليه، وهو مبدأ مستقر في القانون المدني يقوم على التوازن بين التزامات طرفي العقد.

كما كشفت أوراق الدعوى أن الشركة لم تكتف بعدم تسليم الوحدة، بل قامت ببيع نفس الوحدة محل التعاقد إلى مشترٍ آخر، وهو ما اعتبرته المحكمة إخلالًا جسيمًا بالعقد ومخالفة واضحة لمبدأ حسن النية في تنفيذ الالتزامات التعاقدية.

وفي ضوء ذلك، انتهت المحكمة إلى إلزام شركة بالم هيلز الشرق الأوسط بتعويض المشتري بمبلغ عشرة ملايين جنيه عن الأضرار التي لحقت به نتيجة عدم تنفيذ الالتزامات التعاقدية وعدم تسليم الوحدة في الموعد المتفق عليه.

وفي تعليقه على الحكم، قال ماهر ميلاد إسكندر، محامي المشتري، إن هذا الحكم يمثل تأكيدًا مهمًا على حماية القضاء المصري لحقوق المشترين في المشروعات العقارية، مشيرًا إلى أن المحكمة طبقت القواعد القانونية المستقرة التي تقضي بأن من يخل بالتزاماته التعاقدية لا يجوز له التمسك بإخلال الطرف الآخر.

وأضاف أن الحكم يبعث برسالة واضحة إلى سوق التطوير العقاري مفادها أن الالتزام بالعقود واحترام حقوق المشترين ليس خيارًا، بل التزام قانوني يترتب على مخالفته مسؤولية وتعويضات كبيرة.

ويعد هذا الحكم من الأحكام المهمة التي تؤكد أن القضاء المصري يقف بحزم إلى جانب حماية الاستقرار التعاقدي في المعاملات العقارية، ويشكل سابقة مهمة تعزز ثقة المستثمرين والمشترين في اللجوء إلى القضاء لحماية حقوقهم.

“التجريم باقٍ… ماذا قالت الدستورية؟”أثار الحكم الصادر بعدم دستورية قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023 حالة ...
22/02/2026

“التجريم باقٍ… ماذا قالت الدستورية؟”

أثار الحكم الصادر بعدم دستورية قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023 حالة من الجدل، خصوصاً بعد ما تردد من عبارات توحي بأن “الميثامفيتامين لم يعد جريمة”. غير أن القراءة القانونية الدقيقة تكشف أن هذا الفهم غير صحيح. فالحكم لم يُلغِ التجريم، ولم يُبح المادة، ولم يُسقط النصوص الواردة في قانون مكافحة المخدرات رقم 182 لسنة 1960، وإنما اقتصر على إزالة أثر تشديد عقابي نتج عن قرار إداري.

الميثامفيتامين ما زال مادة مخدرة مدرجة في الجداول الملحقة بالقانون، وما زالت الأفعال المرتبطة به – حيازة، إحراز، تعاطٍ، اتجار – مؤثمة ومعاقباً عليها. الذي تغيّر هو موقع المادة داخل التقسيم الداخلي للجداول، وهو تقسيم ينعكس مباشرة على درجة العقوبة. القرار الإداري نقل المادة من قسم إلى قسم أشد، بما ترتب عليه رفع مستوى العقوبة، وزيادة حدها الأدنى أو الأقصى، وتشديد وصف الجريمة. المحكمة رأت أن هذا النقل – بما يحمله من أثر عقابي جوهري – تجاوز حدود التفويض الممنوح للسلطة التنفيذية، أو مس نطاقاً محفوظاً للمشرع، فقضت بعدم دستوريته.

جوهر الحكم إذن لا يتعلق بوجود الجريمة، بل بحدود السلطة في تشديدها. فمبدأ “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص” لا يعني فقط أن الفعل يجب أن يكون مجرّماً بنص تشريعي، بل يعني أيضاً أن العقوبة ذاتها، ودرجتها، وحدودها، يجب أن تصدر في إطار تشريعي منضبط. فإذا أدى قرار إداري إلى تغليظ العقوبة على نحو يمس الحرية الفردية دون سند تشريعي واضح، فإن ذلك يثير شبهة دستورية، حتى ولو كان الهدف مشروعاً في سياق مكافحة المخدرات.

وهنا يظهر الفارق الحاسم بين إلغاء التجريم وإزالة الوصف المشدد. إلغاء التجريم يعني أن الفعل لم يعد مجرّماً أصلاً، وأن العقاب يسقط. أما إزالة التشديد فتعني أن الفعل يظل جريمة، لكن في إطار عقابي أقل حدة. الحكم انحصر في الاحتمال الثاني. المادة تعود إلى وضعها السابق قبل القرار المطعون عليه، وتظل خاضعة للعقوبات التي كان يقررها القانون قبل هذا النقل.

من حيث الأثر العملي، فإن القضايا التي لا تزال منظورة أمام المحاكم يجب أن يُعاد فيها التكييف القانوني وفق القسم الأقل شدة، باعتباره النص الأصلح للمتهم، وهو ما يتفق مع القاعدة المستقرة في القانون الجنائي بأن النص الأصلح يسري بأثر رجعي. أما الأحكام التي أصبحت باتة، فالأصل استقرارها، احتراماً لحجية الأمر المقضي، ولا يُفتح باب إعادة النظر إلا في نطاق ضيق تحكمه قواعد محددة.

الأهمية الأوسع للحكم تتجاوز واقعة الميثامفيتامين نفسها. فهو يعيد التأكيد على أن السياسة الجنائية – مهما كانت دوافعها في الردع أو حماية المجتمع – تظل مقيدة بمبدأ الشرعية. لا يكفي أن يكون الهدف مشروعاً، بل يجب أن تكون الوسيلة دستورية. فالتوسع في العقوبة لا يجوز أن يتم عبر أدوات تنظيمية إذا كان أثره يمس جوهر الحرية، لأن تقدير جسامة العقوبة واختيار درجتها هو في الأساس عمل تشريعي.

بهذا المعنى، الحكم لا يمثل تراجعاً في مكافحة المخدرات، ولا إضعافاً للردع، بل يمثل إعادة ضبط للميزان بين حماية المجتمع وصون الضمانات الدستورية. التجريم باقٍ بقوة القانون، والعقاب قائم، لكن في حدوده التي رسمها المشرع، لا في حدود توسع إداري في نطاق التشديد.

الخلاصة أن الحديث عن “سقوط الجريمة” غير دقيق. ما سقط هو مستوى من مستويات التشديد الذي لم يستند إلى أساس دستوري سليم. أما الجريمة ذاتها، فتبقى قائمة، وتبقى السياسة الجنائية قائمة، ولكن تحت مظلة الشرعية الدستورية التي تضمن أن العقوبة لا تُغلّظ إلا بقانون

Andersen Egypt has been recognized as one of the top law firms in Egypt, offering comprehensive and varied legal and tax services to companies.

“قوة الدولة تبدأ من طاولة الاختيار”مع كل وزير جديد يتكرر المشهد ذاته؛ موجة من النقد تسبق حتى أول يوم عمل، وأحكام جاهزة ب...
13/02/2026

“قوة الدولة تبدأ من طاولة الاختيار”

مع كل وزير جديد يتكرر المشهد ذاته؛ موجة من النقد تسبق حتى أول يوم عمل، وأحكام جاهزة بالفشل تُطلق قبل أن تتضح الرؤية أو تُختبر القرارات. يتحول النقاش العام أحيانًا إلى ما يشبه متابعة مباراة من على مقهى، حيث يتقمص الجميع دور الخبير، وتُوزّع التقييمات بلا معرفة كاملة بحجم التحديات أو تعقيدات الإدارة. لكن الدول لا تُدار بردود الأفعال، ولا تُقاس نجاحاتها بضجيج اللحظة.

الحقيقة التي يغفلها كثيرون أن تغيير المسؤول ليس اعترافًا بالفشل، بل في جوهره دليل على حيوية الدولة وقدرتها على التطوير. فالدولة التي لا تغيّر ولا تجدد هي دولة توقفت عن الحركة. أما الدولة التي تعيد تشكيل فرقها التنفيذية وفق متطلبات كل مرحلة، فهي دولة تدرك أن البناء عملية مستمرة، وأن لكل زمن أدواته ورجاله.

ليس كل وزير يغادر موقعه يُصنّف ضمن دائرة الإخفاق. كثيرون ينهون مرحلة كاملة من العمل، يضعون أساسًا لمشروعات، أو يديرون ملفات صعبة في ظروف استثنائية، ثم يأتي من يكمل الطريق أو ينتقل بالملف إلى مستوى أكثر تقدمًا. هكذا تُبنى المؤسسات الكبرى: تراكم في الإنجاز، لا قطيعة معه.

ولو تأملنا الواقع بموضوعية لطرحنا سؤالًا بسيطًا: إذا كان الجميع فاشلًا كما يردد البعض، فمن الذي أنجز هذه المشروعات؟ من الذي أدار خطط البنية التحتية؟ من الذي حافظ على تماسك مؤسسات الدولة وسط أزمات إقليمية واقتصادية غير مسبوقة؟ الإنجازات التي نراها لم تأتِ بالصدفة، ولم تكن نتاج عمل فردي، بل ثمرة منظومة تعرف كيف تختار، ومتى تغيّر، وكيف تدفع بالكفاءات إلى الأمام.

المشكلة ليست في النقد ذاته؛ فالنقد الواعي ضرورة لأي مجتمع حي. لكن الفارق كبير بين نقدٍ يهدف إلى البناء، ونقدٍ يتحول إلى إحباط جماعي، أو إلى حالة من التربص وتصيد الأخطاء، وكأن الخطأ ممنوع على البشر. الإدارة العامة ليست معملًا مغلقًا تُجرى فيه التجارب في هدوء، بل ساحة عمل يومية تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد بالمجتمع، ويصعب فيها تحقيق الكمال.

كما أن الحكم على وزير قبل أن يبدأ عمله ليس موقفًا نقديًا بقدر ما هو استعجال يفتقر إلى العدالة. النجاح في العمل التنفيذي يحتاج وقتًا، وقرارات تُختبر، ونتائج تُقاس. أما الأحكام المسبقة فلا تصنع وعيًا، بل تخلق مناخًا من التشكيك الدائم يضعف الثقة في أي محاولة للإصلاح.

يجب أن ندرك أيضًا أن القيادة حين تختار، فهي لا تختار أشخاصًا فقط، بل تختار مسارًا. خلف كل قرار قراءة للمشهد، وتقدير للأولويات، وموازنة بين ملفات متشابكة. قد لا تكون كل الاختيارات مثالية، فهذا غير موجود في أي دولة في العالم، لكن القدرة على المراجعة والتصحيح هي في حد ذاتها علامة قوة، لا نقطة ضعف.

الدول التي تقدمت لم تفعل ذلك عبر الضجيج أو جلد الذات، بل عبر الثقة في مؤسساتها، ومنح المسؤولين المساحة للعمل، ثم محاسبتهم على النتائج بموضوعية. أما تحويل كل تغيير إلى معركة، وكل قرار إلى ساحة تشكيك، فهو استنزاف للطاقة الوطنية قبل أن يكون نقدًا للسلطة.

ليس المطلوب صمتًا، ولا غيابًا للرأي، بل المطلوب وعيٌ يفرّق بين النقاش المسؤول والكلام الذي “لا يودي ولا يجيب”. فالكلمات حين تتحول إلى موجة إحباط عامة، لا تؤذي مسؤولًا بعينه، بل تضرب فكرة العمل نفسها، وتزرع الشك في أي خطوة نحو المستقبل.

دعوا القيادة تختار، ودعوا من كُلّفوا بالمسؤولية يعملون. قيّموا التجربة بعد أن تُرى نتائجها، لا قبل أن تبدأ. فالأوطان لا تُبنى بالتشكيك المستمر، بل بثقافة تمنح الفرصة، ثم تحاسب بعدل.

في النهاية، تغيير الوجوه ليس علامة اضطراب، بل قد يكون أحد أهم مظاهر القوة السياسية والإدارية. الدولة التي تتحرك، تبدّل، وتطوّر أدواتها، هي دولة اختارت التقدم لا الجمود.

أما نحن، فمسؤوليتنا أن نرتقي بالنقاش، وأن ندرك أن البناء أصعب بكثير من التعليق عليه. لأن قوة الدولة لا تبدأ من منصب الوزير فقط… بل تبدأ من وعي المجتمع نفسه

"بدائل الحبس الاحتياطي في قانون الإجراءات الجنائية الجديد"جاء قانون الإجراءات الجنائية المصري الجديد رقم 174 لسنة 2025 ل...
01/02/2026

"بدائل الحبس الاحتياطي في قانون الإجراءات الجنائية الجديد"

جاء قانون الإجراءات الجنائية المصري الجديد رقم 174 لسنة 2025 ليُعيد ترتيب واحدة من أكثر القضايا حساسية في العدالة الجنائية، وهي الحبس الاحتياطي، بعدما استقر في التطبيق العملي لسنوات طويلة كإجراء شبه تلقائي، يُستخدم أحيانًا باعتباره وسيلة للضبط أو الردع، لا باعتباره إجراءً احترازيًا استثنائيًا. ومع بدء العمل بالقانون في 1 أكتوبر 2026، أصبح من الواضح أن المشرّع قرر الانتقال من منطق “حبس المتهم لضمان التحقيق” إلى منطق أكثر تطورًا يقوم على إدارة المخاطر الإجرائية دون مصادرة الحرية.

القانون الجديد لا ينكر ضرورة الحبس الاحتياطي في بعض الحالات، لكنه يعيد تعريف موقعه في المنظومة الإجرائية، باعتباره آخر الحلول لا أولها. ومن هنا جاءت فلسفة التوسع في بدائل الحبس الاحتياطي، ليس كمنحة للمتهم، بل كأدوات قانونية دقيقة لمعالجة أسباب الخطر التي قد تبرر الحبس، كل سبب بأداة مناسبة له، دون اللجوء إلى إجراء واحد شامل يمس الحرية الشخصية في جميع الأحوال.
فبدلًا من حبس متهم لمجرد الخشية من عدم حضوره، أتاح القانون إلزامه بالحضور الدوري إلى جهة الشرطة، وهو تدبير يحقق ذات الغاية الرقابية دون حرمانه من حياته الطبيعية أو عمله. وبدلًا من الحبس خشية الهروب، أجاز تقييد حركة المتهم داخل نطاق جغرافي محدد أو منعه من مغادرة محل إقامته، بما يجعل السيطرة على الخطر متناسبة مع طبيعته. هذه المقاربة تعكس تحولًا جوهريًا في التفكير الجنائي، إذ لم يعد الإجراء موحدًا، بل مفصلًا على قياس المخاطر.

كما عالج القانون الجديد أحد أهم دوافع الحبس الاحتياطي، وهو الخشية من التأثير على الشهود أو العبث بالأدلة، من خلال تدابير مباشرة مثل منع المتهم من التواصل مع أشخاص بعينهم أو التردد على أماكن محددة. وهذا تطور بالغ الأهمية، لأنه ينقل التركيز من المتهم كشخص إلى السلوك محل الخطورة، ويمنع الخطر في مصدره بدل معاقبة المتهم مسبقًا.

وفي الجرائم التي يكون فيها الخطر مرتبطًا باحتمال العنف، لم يعد الحبس هو الخيار الوحيد، إذ أجاز القانون منع المتهم مؤقتًا من حيازة الأسلحة النارية أو الذخائر وتسليمها للجهات المختصة، وهو إجراء يحقق حماية المجتمع دون اللجوء إلى الحبس ما لم يكن ذلك ضروريًا. كما فتح القانون، لأول مرة بهذا الوضوح، الباب لاستخدام الوسائل التقنية الحديثة في متابعة تنفيذ بعض التدابير، في إطار تنظيمي ورقابي، بما يعكس توجهًا نحو عدالة جنائية أكثر ذكاءً وأقل كلفة إنسانية.

الأهم من قائمة البدائل ذاتها هو المنطق الذي يحكم استخدامها. فقد ألزم القانون جهة التحقيق بتسبيب قرار الحبس الاحتياطي، وبيان سبب عدم كفاية البدائل، بما يجعل الحبس قرارًا خاضعًا للرقابة لا إجراءً افتراضيًا. وهذا الالتزام بالتسبيب يعيد التوازن بين سلطة التحقيق وحقوق المتهم، ويمنح الدفاع مساحة حقيقية للطعن والمناقشة، ويجعل القضاء شريكًا فعليًا في حماية الحرية الشخصية.

وتكمن أهمية هذه التعديلات في أثرها العملي والاجتماعي، إذ يُتوقع أن تؤدي إلى تقليل أعداد المحبوسين احتياطيًا، والحد من الآثار السلبية للحبس على الأسر والعمل والسمعة، خاصة في القضايا التي تنتهي بالحفظ أو البراءة أو بعقوبات غير سالبة للحرية. كما تعزز هذه المقاربة ثقة المتقاضين في العدالة الجنائية، عندما يرون أن الدولة تملك أدوات ضبط متدرجة لا تعتمد على الحبس كحل أول.

إن بدائل الحبس الاحتياطي في قانون الإجراءات الجنائية المصري الجديد ليست مجرد تعديلات إجرائية، بل تعبير عن تحول أعمق في فلسفة العدالة الجنائية، من منطق السيطرة إلى منطق التناسب، ومن العقوبة المسبقة إلى قرينة البراءة، ومن الحل الواحد إلى تعدد الأدوات. ويبقى التحدي الحقيقي في حسن التطبيق، لأن نجاح النص لا يُقاس بجودته وحدها، بل بمدى التزام جهات التحقيق بروحه قبل حرفه.

“إعلان المتهم عبر الهاتف المحمول في قانون الإجراءات الجنائية الجديد”أعاد قانون الإجراءات الجنائية المصري رقم 174 لسنة 20...
30/01/2026

“إعلان المتهم عبر الهاتف المحمول في قانون الإجراءات الجنائية الجديد”

أعاد قانون الإجراءات الجنائية المصري رقم 174 لسنة 2025، الواجب العمل به اعتبارًا من 1 أكتوبر 2026، صياغة فلسفة الإعلان في الدعوى الجنائية على نحو غير مسبوق في التشريع المصري، بعدما انتقل بها من كونها إجراءً شكليًا يستوفي ظاهر القانون، إلى ضمانة جوهرية تمس حق الدفاع وتمثل شرطًا حقيقيًا لانعقاد الخصومة الجنائية انعقادًا صحيحًا. ويُعد اعتماد الهاتف المحمول كوسيلة لإعلان المتهم بالحضور أحد أبرز معالم هذا التحول التشريعي، لما يحمله من دلالة على انتقال العدالة الجنائية في مصر من منطق الورقة إلى منطق العلم الفعلي.

ينطلق قانون الإجراءات الجنائية المصري رقم 174 لسنة 2025 من إدراك واقعي بأن الإعلان الورقي التقليدي كثيرًا ما أخفق في تحقيق غايته، سواء بسبب الإعلان الإداري الصوري، أو عدم دقة العناوين، أو التسليم لغير ذي صفة، وهو ما أفرز في التطبيق العملي عددًا هائلًا من الأحكام الغيابية التي لم تُبنَ على علم حقيقي من المتهم. ومن ثمّ، أعاد المشرّع المصري ترتيب الأولويات، فجعل صحة الإعلان تدور مع تحقق العلم لا مع مجرد إثبات ورقة إعلان مودعة بملف الدعوى، وربط بين الإعلان وحق الدفاع ربطًا لا انفصام له.

وفي هذا السياق، أقر قانون الإجراءات الجنائية المصري رقم 174 لسنة 2025 جواز الإعلان والإخطار بوسائل الاتصال الحديثة، متى كانت مسجلة وقابلة للإثبات، باعتبارها أدوات قانونية تحقق الغاية التي يستهدفها الإعلان، وهي إحاطة المتهم علمًا بموعد الجلسة ومكان انعقادها وتمكينه من إعداد دفاعه. ويدخل الهاتف المحمول، برسائله النصية أو وسائطه الإلكترونية الموثقة، ضمن هذه الوسائل المعترف بها قانونًا، متى كان رقم الهاتف ثابتًا ضمن بيانات المتهم في التحقيقات أو أوراق الاستدلال أو أي مستند رسمي آخر.

ولا يتعامل القانون المصري الجديد مع الهاتف المحمول بوصفه وسيلة عرفية أو استثنائية، وإنما كوسيلة إعلان قانونية كاملة الحجية، شريطة أن تكون قابلة للرقابة القضائية. فالإعلان عبر الموبايل لا يُعتد به إلا إذا أمكن إثبات صدوره وتاريخه ومضمونه، وتحقق المحكمة من نسبته إلى المتهم، بما يسمح لها ببسط رقابتها على سلامة الإجراء شأنه شأن الإعلان الورقي. وبهذا يحقق قانون الإجراءات الجنائية المصري رقم 174 لسنة 2025 توازنًا دقيقًا بين فاعلية الإعلان وضمانات الدفاع.

ويرتب القانون على الإعلان الصحيح عبر الهاتف المحمول ذات الآثار القانونية المترتبة على الإعلان التقليدي، فيُعد المتهم مُعلنًا إعلانًا صحيحًا، وتنعقد الخصومة الجنائية انعقادًا سليمًا، ويجوز للمحكمة نظر الدعوى في مواجهته إذا تخلف عن الحضور. غير أن هذه الحجية لا تقوم على افتراض مطلق، إذ منح قانون الإجراءات الجنائية المصري رقم 174 لسنة 2025 المتهم الحق في الدفع ببطلان الإعلان إذا أثبت أن الرقم لا يخصه، أو أن الإعلان لم يصل إليه فعليًا، أو أنه تم دون منحه مهلة معقولة لإعداد دفاعه، وهو ما يؤكد أن الإعلان بالموبايل في مصر يقوم على التحقق لا الافتراض.

ويُنظر إلى اعتماد الهاتف المحمول كوسيلة إعلان في ظل قانون الإجراءات الجنائية المصري رقم 174 لسنة 2025 بوصفه تعزيزًا حقيقيًا لحق الدفاع، لا انتقاصًا منه. فالإعلان السريع والمباشر عبر الموبايل يحدّ من الإعلان الصوري، ويقلل من صدور الأحكام الغيابية دون علم، ويمكن المتهم من التواصل الفوري مع محاميه والاستعداد للجلسة على نحو فعلي. وبذلك لا يكون هدف المشرّع المصري هو تسريع الفصل في القضايا الجنائية على حساب الضمانات، وإنما تحقيق عدالة جنائية أكثر شفافية وواقعية.

وفي المقابل، قرر القانون بوضوح أن الإعلان عبر الهاتف المحمول يكون باطلًا إذا تم على رقم غير ثابت، أو بوسيلة غير قابلة للإثبات، أو خلا من البيانات الجوهرية المتعلقة بموعد الجلسة ومكانها، أو تم قبل الجلسة بمدة لا تكفي لإعداد الدفاع. ويترتب على هذا البطلان بطلان انعقاد الجلسة وما يصدر عنها من أحكام، باعتبار أن الإعلان في القانون المصري الجديد شرط جوهري لانعقاد الخصومة الجنائية لا مجرد إجراء شكلي يمكن تجاوزه.

وخلاصة القول، إن قانون الإجراءات الجنائية المصري رقم 174 لسنة 2025 قد نقل الإعلان الجنائي في مصر إلى مرحلة جديدة، جعل فيها الهاتف المحمول وسيلة قانونية مشروعة لإعلان المتهم بالحضور، وربط صحة الإعلان بتحقيق العلم الحقيقي وصون حق الدفاع. وهو تطور تشريعي يعكس انتقال العدالة الجنائية المصرية من منطق الشكل إلى منطق الحقوق، ومن افتراض العلم إلى وجوب إثباته، تحت رقابة القضاء وضمانات المحاكمة العادلة.

"إلغاء المعارضة الاستئنافية في الجنح في مصر"نصّ المشرّع على العمل بقانون الإجراءات الجنائية الجديد اعتبارًا من أول العام...
27/01/2026

"إلغاء المعارضة الاستئنافية في الجنح في مصر"

نصّ المشرّع على العمل بقانون الإجراءات الجنائية الجديد اعتبارًا من أول العام القضائي التالي لتاريخ إصداره، والمحدد في 1 أكتوبر 2026، وهو ما يُعبّر عن إرادة تشريعية صريحة باحترام مبدأ الأمن القانوني والحفاظ على استقرار المراكز القانونية التي نشأت في ظل القانون القائم قبل نفاذ التعديل، وعدم المساس بها أو إعادة ترتيب آثارها بأثر رجعي.
ويُعد قانون الإجراءات الجنائية أحد الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها منظومة العدالة الجنائية، إذ يتولى تنظيم التوازن الدقيق بين حق المجتمع في ملاحقة الجريمة وتحقيق الردع العام، وحق الفرد في الدفاع وضمان المحاكمة العادلة. ومن ثم، فإن القواعد الإجرائية الجديدة، وإن كانت تُطبّق فور نفاذها، إلا أنها لا تمتد آثارها إلى الإجراءات أو المراكز القانونية التي استقرت صحيحة ومكتملة في ظل القانون السابق، إلا في الحدود التي يُجيزها الدستور صراحة.
وفي هذا الإطار، جاء التعديل الذي أقره القانون رقم 174 لسنة 2025 بشأن تنظيم المعارضة في الأحكام الغيابية الصادرة من المحكمة الاستئنافية ليُحدث تحولًا جوهريًا في فلسفة التقاضي الجنائي، لا سيما في قضايا الجنح، مع مراعاة عدم الإخلال بحقوق الدفاع التي تكون قد استقرت أو استُنفدت وفقًا للقانون النافذ وقت نشوء المركز القانوني.
ولم يتجه المشرّع إلى إلغاء حق المعارضة الاستئنافية على إطلاقه، وإنما أعاد تنظيمه وضبط نطاقه على نحو يحد من إساءة استعماله، ويمنع تحوّله إلى وسيلة لتعطيل الفصل في الدعوى أو لإهدار حجية الأحكام، مع الإبقاء على الحد الأدنى من الضمانات الإجرائية، وبما يكفل عدم المساس بالمراكز القانونية التي اكتملت عناصرها قبل تاريخ النفاذ، احترامًا لمبدأ المشروعية الإجرائية وحجية الأحكام القضائية.
أولًا: الخلفية التاريخية للمعارضة الاستئنافية في الجنح
نشأ نظام المعارضة في الأصل كضمانة إجرائية للطعن على الأحكام الغيابية الصادرة من محكمة أول درجة، باعتبار أن غياب المتهم يحول دون تمكينه من الدفاع عن نفسه. وبمرور الوقت، امتد هذا النظام تشريعيًا إلى الأحكام الغيابية الصادرة من محكمة الاستئناف، بما أتاح للمتهم وسيلة إضافية لإعادة نظر الدعوى.
غير أن التطبيق العملي كشف عن أن هذا الامتداد، رغم وجاهته النظرية، أفرز آثارًا سلبية تمثلت في إطالة أمد الخصومة الجنائية، وفتح المجال أمام التحايل الإجرائي، حيث أضحى البعض يتعمد الغياب عن جلسات الاستئناف طمعًا في إعادة فتح النزاع من جديد عن طريق المعارضة، حتى بعد استنفاد مراحل التقاضي الطبيعية.

ثانيًا: فلسفة التعديل التشريعي وفقًا للقانون رقم 174 لسنة 2025
جاء التعديل الأخير ليؤسس لقاعدة عامة مفادها أن الحكم الاستئنافي الغيابي في الجنح لا يقبل المعارضة كأصل، وجعل قبولها استثناءً ضيقًا تحكمه شروط محددة على سبيل الحصر. وقد عكس هذا التوجه قناعة تشريعية مفادها أن العدالة لا تتحقق بتعدد طرق الطعن بلا نهاية، وإنما بتحقيق سرعة الفصل مع صون الحقوق الجوهرية للخصوم.
وانطلاقًا من هذه الفلسفة، نص المشرّع صراحة على أنه لا تُقبل المعارضة في الأحكام الغيابية الصادرة من المحكمة الاستئنافية إلا في حالة واحدة محددة، هي أن يكون الاستئناف مرفوعًا من النيابة العامة أو من المدعي بالحقوق المدنية، وأن يتخلف الخصم أو وكيله عن الحضور رغم إعلانه بالاستئناف، شريطة أن يقدم عذرًا تقبله المحكمة يبرر عدم حضوره.

ثالثًا: القيود الحاسمة على قبول المعارضة الاستئنافية
أكد النص التشريعي الجديد أن المعارضة الاستئنافية تُرفض حتمًا، ولا تُقبل شكلًا، في عدة حالات جوهرية، وهي إذا كان الخصم قد أُعلن بورقة التكليف بالحضور وسلمت لشخصه، أو إذا حضر عند النداء على الدعوى ثم غادر الجلسة، أو إذا حضر هو أو وكيله أيًا من جلسات المحاكمة ثم تخلف عن حضور باقي الجلسات حتى صدور الحكم.
ويكشف هذا التنظيم عن منطق تشريعي واضح، مؤداه أن من ثبت علمه اليقيني بسير الخصومة، أو شارك فيها مشاركة إيجابية، ثم انقطع بإرادته، لا يجوز له أن يتذرع بعد ذلك بالحكم الغيابي لطلب إعادة نظر الدعوى، إذ يُعد ذلك تفريطًا لا يستحق الحماية الإجرائية.
رابعًا: الأثر القانوني والعملي لعدم قبول المعارضة الاستئنافية وفقًا للقانون رقم 174 لسنة 2025
يترتب على عدم قبول المعارضة الاستئنافية، وفقًا لأحكام القانون رقم 174 لسنة 2025، أن يكتسب الحكم الاستئنافي الغيابي صفة النهائية ويصبح واجب النفاذ، دون أن يكون للخصم الحق في إعادة طرح النزاع أمام ذات المحكمة، ولا يبقى له إلا طريق الطعن بالنقض في نطاقه الضيق المقتصر على رقابة صحة تطبيق القانون والإجراءات متى توافر سبب جدي لذلك. وبهذا يكون المشرّع قد أعاد رسم منظومة الطعن في قضايا الجنح على نحو أكثر انضباطًا، قوامه معارضة واحدة أمام محكمة أول درجة، يعقبها استئناف واحد، ثم رقابة قانونية استثنائية أمام محكمة النقض، دون السماح بتكرار المسار الإجرائي ذاته. ومن الناحية العملية، يُتوقع أن يسهم هذا التنظيم في تقليص أمد التقاضي، والحد من تعطيل تنفيذ الأحكام، وتعزيز حجية الأحكام الاستئنافية واستقرار المراكز القانونية للخصوم، مع بقاء التحدي الحقيقي متمثلًا في حسن تطبيق معيار “العذر المقبول” على نحو يوازن بين منع التسويف الإجرائي وضمان عدم إهدار حق الدفاع في الحالات التي يحول فيها مانع قهري حقيقي دون الحضور.

الخلاصة
إن تنظيم المعارضة الاستئنافية في الجنح وفقًا للقانون رقم 174 لسنة 2025 لا يمثل انتقاصًا من حقوق المتهم، بقدر ما يعكس تحولًا تشريعيًا واعيًا نحو عدالة أكثر فاعلية وانضباطًا. فهو تعديل يستهدف حماية هيبة الأحكام الجنائية، ومنع العبث بالإجراءات، مع الإبقاء على الحد الأدنى من الضمانات التي تفرضها العدالة.
ويبقى نجاح هذا التعديل مرهونًا بقدرة القضاء على تطبيقه بروح متوازنة، تميز بين الغياب المبرر والغياب المتعمد، وتُحسن المواءمة بين سرعة الفصل وإنصاف الخصوم، باعتبار أن العدالة الجنائية لا تُقاس بطول أمدها، بل بسلامة نتائجها.

"الضريبة العقارية ومعيار واحد عادل بدل وهم السكن الخاص"أعاد مجلس الشيوخ فتح ملف الضريبة العقارية بالموافقة على مشروع الق...
25/01/2026

"الضريبة العقارية ومعيار واحد عادل بدل وهم السكن الخاص"

أعاد مجلس الشيوخ فتح ملف الضريبة العقارية بالموافقة على مشروع القانون المقدم من الحكومة، والذي انتقل فيه حد الإعفاء للسكن الخاص من أربعة ملايين جنيه وقيمة إيجارية مفترضة ستين ألف جنيه سنويًا، إلى ثمانية ملايين جنيه وقيمة إيجارية مفترضة مائة ألف جنيه سنويًا. ورغم هذا التعديل، فإن الإشكال الحقيقي لم يُحل، لأن المشكلة ليست في رفع الأرقام، بل في الإبقاء على فكرة خاطئة من الأساس: فكرة “السكن الخاص” بوصفه وصفًا قانونيًا يصلح للإعفاء.

فالواقع أن تقسيم العقارات إلى “سكن خاص” و”غير سكن خاص” لم يعد تقسيمًا صالحًا تشريعيًا. المسكن قد يكون مأوى لأسرة، وقد يكون فيلا فاخرة، وقد يكون أصلًا مجمّدًا لا يُستغل، وكل ذلك يُدرج تحت الوصف نفسه. هذا الخلط هو ما أدخل المشرّع في دوامة من الشروط والاستثناءات، وأنتج ازدواجًا تشريعيًا لا يحقق حماية حقيقية ولا عدالة ضريبية.

الحل الأبسط والأكثر عدلًا هو إلغاء فكرة السكن الخاص كمعيار، واعتماد معيار واحد فقط للضريبة العقارية: القيمة الإيجارية الافتراضية للعقار فيما لو كان مؤجرًا. فهذا المعيار وحده يعكس القدرة الاقتصادية الحقيقية المرتبطة بالعقار، دون نظر إلى ثمنه السوقي أو إلى وصفه الشكلي.

وفق هذا المنطق، لا تُفرض الضريبة على “السكن” ولا على “الملكية”، وإنما تُفرض على القدرة الإيجارية. فإذا كانت القيمة الإيجارية الافتراضية للعقار لا تتجاوز ثلاثمائة ألف جنيه سنويًا، أي خمسةً وعشرين ألف جنيه شهريًا، فلا ضريبة عليه أيًا كانت قيمته السوقية. أما ما يزيد على هذا الحد، فيخضع للضريبة على الزيادة فقط، باعتبارها تعبيرًا عن قدرة اقتصادية قابلة للتحمل.

بهذا المعيار الواحد، تنتفي الحاجة إلى الحديث عن إعفاء حتى أربعة أو ثمانية أو عشرة ملايين جنيه، وتنتفي كذلك فكرة القيمة الإيجارية المفترضة المنخفضة التي لا تتسق مع الواقع. فلا يُعقل أن يُقال إن عقارًا قيمته ثمانية ملايين جنيه معفى، ثم يُربط هذا الإعفاء بقيمة إيجارية مفترضة مائة ألف جنيه سنويًا، بينما يعلم الجميع أن أي عقار بهذه القيمة ستكون قدرته الإيجارية أعلى من ذلك بكثير. هذا ليس إعفاءً، بل ضريبة مؤجلة ومضمونة.

ولا يُعد هذا الطرح خروجًا على المألوف تشريعيًا، بل هو امتداد لمنطق استقرت عليه النظم الضريبية الحديثة. فالقوانين العقارية في دول مثل المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا لا تعرف إعفاءً يقوم على وصف العقار بوصفه “سكنًا خاصًا”، وإنما تبني الضريبة على معيار واحد هو القدرة الاقتصادية التي تعكسها القيمة الإيجارية التقديرية. فالعقار لا يُعامل ضريبيًا لأنه مسكن أو غير مسكن، بل بقدر ما يملك من قدرة حقيقية على توليد دخل، مع حماية الوحدات منخفضة العائد بحدود إعفاء مرتبطة بالقيمة الإيجارية ذاتها، لا بالمسميات الشكلية.

إلغاء مفهوم السكن الخاص لا يعني المساس بحق السكن، بل على العكس، هو السبيل الوحيد لحمايته فعليًا. فالمسكن الذي لا يملك قدرة إيجارية مرتفعة لن يُثقل بضريبة، والمسكن الفاخر أو عالي القدرة الإيجارية سيساهم بنصيب عادل، دون الحاجة إلى تصنيفات شكلية أو استثناءات ملتبسة.

وتزداد أهمية هذا الطرح في ظل التوقيت الحالي، المتزامن مع إلغاء قانون الإيجار القديم، وإعادة تسعير سوق الإيجارات بالكامل. في مثل هذه اللحظة، يصبح الإصرار على معايير مزدوجة عبئًا إضافيًا على ثقة المواطنين، بينما المعيار الواحد الواضح يبعث برسالة بسيطة: لا ضريبة بلا قدرة، ولا عبء بلا أساس اقتصادي حقيقي.

وفي النهاية، لا يدور هذا النقاش حول زيادة حصيلة أو تخفيف عبء، بل حول استقامة المنطق التشريعي نفسه. معيار واحد، مفهوم للجميع، قابل للتطبيق، هو الطريق الأقصر لحماية السكن وتحقيق العدالة في آن واحد.

والكلمة الأخيرة، بطبيعة الحال، تظل بيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي أكّد مرارًا أن الاستقرار السكني جزء لا يتجزأ من الأمن الاجتماعي. ومن ثم، يبقى الأمل معقودًا على توجيه يضع حدًا للازدواج، ويقرّ معيارًا واحدًا واضحًا، يحقق العدالة دون أن يمس حق المواطن في السكن الآمن.

Address

46 El-Thawra Street/Heliopolis
Almaza
11757

Opening Hours

Monday 10am - 7pm
Tuesday 10am - 6pm
Wednesday 10am - 7pm
Thursday 10am - 7pm
Saturday 10am - 7pm
Sunday 10am - 7pm

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when المستشار ماهر ميلاد اسكندر posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Contact The Business

Send a message to المستشار ماهر ميلاد اسكندر:

Share