17/01/2026
"اتفاقيات تحت الطلب".. لماذا نلهث وراء "الجباية" ونجمد "الرفاهية"؟
بقلم: سيف حمد (المحامي)
في ممرات مجلس الدولة وبين أروقة محاكم الاستئناف، نردد دائماً أن "الاتفاقية الدولية تعلو على القانون المحلي"، وأنها التزام أخلاقي وقانوني قبل أن تكون مجرد حبر على ورق. ولكن، بمراقبة الواقع الاقتصادي المرير، نكتشف أن الحكومة تمارس نوعاً من "الانتقائية المريبة"؛ فهي تهرول لتنفيذ أي بند في اتفاقية يرفع الأسعار، بينما "تتفنن" في تعطيل أي بند قد يصب في مصلحة جيب المواطن.
دعونا نكشف المستور في 5 ملفات دولية كبرى، وكيف تتحول الاتفاقية من "نعمة" للمواطن إلى "نقمة" بقرار إداري:
1. اتفاقية "الجات" (GATT): حينما يُستخدم "التحرير" ضد الفقراء!
اتفاقية التجارة العالمية وُجدت لتفتح الأسواق وتقلل الأسعار عبر المنافسة. لكن عندنا، تُستخدم "الجات" كشماعة لرفع الدعم عن البنزين والكهرباء بحجة "الالتزام بالشروط الدولية". بينما حينما يقرر المواطن الاستيراد، تظهر فجأة "العراقيل التقنية" والمواصفات التعجيزية التي تمنع دخول السلع الرخيصة. نحن ننفذ "المر" من الاتفاقية ونجمد "الحلو" منها!
2. "الشراكة الأوروبية": صفر جمارك.. ونار في الأسعار!
منذ سنوات ونحن نسمع عن "زيرو جمارك" على السيارات والسلع الأوروبية. وبالفعل وصلت الجمارك لصفر، فهل رخصت الأسعار؟ الإجابة: لا.
لقد اخترعت الحكومة بدائل جمركية بأسماء براقة مثل "رسم تنمية الموارد" و"ضريبة الجدول"، ورفعت القيمة المضافة، ليظل المواطن يشتري "العربية" بضعف سعرها العالمي. هنا، الالتزام بالاتفاقية هو التزام "شكلي" فقط، بينما الجباية هي الهدف الفعلي.
3. اتفاقية "أغادير": حلم التكامل الذي قتلته البيروقراطية!
بين مصر والأردن وتونس والمغرب اتفاقية تجارة حرة (أغادير) تضمن انتقال السلع بلا جمارك. لكن الواقع يقول إن "القرارات الإدارية المفاجئة" بوقف الاستيراد أو تعقيد "قواعد المنشأ" جعلت المواطن المصري لا يشعر بأي فرق، وظل المنتج العربي أغلى من المستورد أحياناً بسبب "خناقات" البيروقراطية الرسمية.
4. "منع الازدواج الضريبي": جنة المستثمر وجحيم المواطن!
وُجدت هذه الاتفاقيات لتشجع الاستثمار وتقرر العدالة الضريبية. لكن ما نراه هو استفادة "الكبار" والشركات العابرة للقارات التي تهرب ب أرباحها قانونياً للخارج، بينما يغرق المستثمر الصغير والمواطن البسيط في بحر من الضرائب المحلية التي لا ترحم، دون أن نلمس أي أثر لهذه الاتفاقيات في خفض تكلفة الإنتاج أو الأسعار.
5. "الكوميسا": نصدر "نورنا" ونستورد الغلاء!
في اتفاقية الكوميسا، نفتح أسواقنا لأفريقيا ونصدر لهم الكهرباء والسلع بأسعار "تفضيلية" (نحن والمصانع المحلية أولى بها)، وفي المقابل، تظل السلع الأفريقية (كاللحوم والشاي) غالية الثمن في يد المواطن المصري لأن "سلاسل التوريد" والمحتكرين يبتلعون ثمار الاتفاقية تحت سمع وبصر الحكومة.
كلمة ختامية:
إن "تجميد" بنود النفع في الاتفاقيات الدولية مقابل "الهرولة" لتنفيذ بنود الجباية، هو انحراف بالسلطة يستوجب المساءلة. إن الدولة التي تحترم تعاقداتها الدولية يجب أن تحترم أولاً "عقدها الاجتماعي" مع مواطنيها. كفانا "اتفاقيات على الورق"، ونريد "عدالة في التنفيذ".