22/05/2026
174 لسنة 2025
د.ياسر الأمير فاروق
#مقدمة
أخضع المشرّع تصرفات سلطة التحقيق الابتدائي ــ سواء أكانت النيابة العامة أم قاضي التحقيق ــ لرقابة قضائية تكفل حماية الحرية الشخصية وصيانة حقوق الدفاع، فأجاز للمتهم الطعن بالاستئناف في بعض الأوامر والقرارات الصادرة أثناء مرحلة التحقيق. ويُنظر هذا الطعن أمام محكمة الجنح المستأنفة أو محكمة الجنايات منعقدة في غرفة المشورة، بحسب طبيعة الجريمة وما إذا كان الأمر صادراً في جناية أو جنحة.
وقد وصف المشرّع ما تصدره غرف المشورة في هذا الخصوص بأنه «قرار نهائي» لا «حكم»، واستقر قضاء محكمة النقض على عدم جواز الطعن في هذه القرارات باعتبارها ليست أحكامًا قضائية بالمعنى الفني، وإنما أوامر أو قرارات ولائية تصدر في نطاق الرقابة على إجراءات التحقيق (الطعن رقم 34648 لسنة 77 قضائية ــ الدوائر الجنائية ــ جلسة 15/11/2014، مكتب فني سنة 65، قاعدة 106، ص 838).
ويجد نظام استئناف أوامر التحقيق أصلًا راسخًا في التشريع الفرنسي، إذ أناط المشرّع الفرنسي بـ«غرفة التحقيق»Chambre de l’instructionبمحكمة الاستئناف مهمة الرقابة على أعمال قاضي التحقيق وأوامره، باعتبارها جهة تحقيق استئنافية تتولى مراجعة مشروعية الإجراءات وسلامة التصرفات الصادرة أثناء مرحلة التحقيق الابتدائي، بما يكفل حماية الحرية الفردية وضمان حقوق الدفاع. وقد نظم قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي اختصاص هذه الغرفة في المواد 191 وما بعدها من
Code de procédure pénale français،
ومنحها سلطة تأييد أو تعديل أو إلغاء أوامر قاضي التحقيق، فضلًا عن الإشراف على حسن سير التحقيق واحترام الشرعية الإجرائية.
نظم المشرّع استئناف أوامر النيابة العامة في المواد 164، 165، 166، 167، 168، 169، 170، 171، 172 من قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025، كما نظم استئناف أوامر قاضي التحقيق في المواد 208، 209، 210 من القانون ذاته. كذلك أفرد المشرّع لبعض التدابير نصوصًا خاصة تقرر جواز الطعن عليها، كما هو الشأن في أوامر المنع من السفر، والإدراج على قوائم ترقب الوصول، والمنع من التصرف في الأموال وإدارتها، وإخفاء هوية الشهود، والإيداع بالمصحات النفسية.
ويكشف استقراء نصوص القانون عن أن الأوامر الجائز الطعن عليها وردت على سبيل الحصر لا البيان أو التمثيل، وأنها تتعلق ــ في أغلبها ــ بإجراءات تمس الحرية الشخصية أو الملكية أو تتصل بالتصرف في الدعوى الجنائية. ومن ثم، فلا يجوز للمتهم الطعن بالاستئناف في أمر إحالته إلى المحكمة، إذ لم يرد ضمن الأوامر التي أجاز القانون استئنافها.
:
#أولًا: الطعن في أوامر المنع من السفر والإدراج على قوائم ترقب الوصول
نصت المادة (150) من قانون الإجراءات الجنائية على جواز تظلم الممنوع من السفر أو المدرج على قوائم ترقب الوصول ــ أو وكيله ــ من هذا الأمر أمام المحكمة الجنائية المختصة منعقدة في غرفة المشورة، خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ علمه به.
كما حظر المشرّع إعادة التظلم قبل مضي ثلاثة أشهر من تاريخ رفض التظلم السابق، تحقيقًا للتوازن بين مصلحة التحقيق واستقرار الأوضاع القانونية. ويتم التظلم بتقرير يودع قلم كتاب المحكمة المختصة، وعلى رئيس المحكمة تحديد جلسة لنظره، مع إعلان المتظلم والنيابة العامة بها، على أن تفصل المحكمة فيه خلال خمسة عشر يومًا بحكم مسبب، بعد سماع أقوال ذوي الشأن واتخاذ ما تراه لازمًا من إجراءات أو تحقيقات.
#ثانيًا: الطعن في أوامر المنع من التصرف في الأموال أو إدارتها
أجازت المادة (145) من قانون الإجراءات الجنائية لمن صدر ضده أمر المنع من التصرف في الأموال أو إدارتها أن يتظلم منه بعد انقضاء ثلاثة أشهر من تاريخ صدوره. فإذا رفض التظلم، جاز تجديده كلما انقضت ثلاثة أشهر من تاريخ الحكم برفض التظلم السابق.
ويتم التظلم بتقرير يودع قلم كتاب المحكمة الجنائية المختصة، وهي إجراءات قصد بها المشرّع تيسير سلوك طريق التظلم وعدم إثقاله بقيود شكلية معقدة. كما يلتزم رئيس المحكمة ــ بمجرد التقرير بالتظلم ــ بتحديد جلسة لنظره مع إعلان المتظلم وكل ذي شأن بها، تحقيقًا لمبدأ المواجهة وتمكينًا لأصحاب المصالح المرتبطة بالتدبير من إبداء دفاعهم وملاحظاتهم.
وألزم القانون المحكمة بالفصل في التظلم خلال مدة لا تجاوز خمسة عشر يومًا من تاريخ التقرير به، وهو ميعاد يعكس حرص المشرّع على سرعة حسم النزاع، بالنظر إلى ما قد يترتب على المنع من آثار اقتصادية ومالية جسيمة قد تتجاوز حدود الغاية التحفظية التي شرع من أجلها التدبير.
#ثالثًا: الطعن في قرار إخفاء هوية الشهود
نصت المادة (525) على أنه إذا كان الكشف عن هوية الشاهد لازمًا لمباشرة حقوق الدفاع، جاز للمتهم أو وكيله الطعن على الأمر الصادر من المحامي العام أو قاضي التحقيق بإخفاء بيانات الشاهد، أمام محكمة جنايات أول درجة منعقدة في غرفة المشورة، خلال عشرة أيام من تاريخ مواجهته بفحوى الشهادة.
وتفصل المحكمة في الطعن بقرار نهائي مسبب، بعد سماع ذوي الشأن، دون إخلال بحق محكمة الموضوع في إلغاء هذا الأمر أو استدعاء الشاهد لسماع أقواله متى رأت ضرورة لذلك.
#رابعًا: الطعن في أمر الإيداع بإحدى المصحات النفسية
إذا صدر أمر بإيداع المتهم إحدى مصحات الصحة النفسية لمدة خمسة وأربعين يومًا، جاز له استئناف أمر الإيداع أو قرار مد مدته خلال ثمانٍ وأربعين ساعة أمام محكمة الجنح المستأنفة منعقدة في غرفة المشورة.
ويلتزم القضاء بالفصل في هذا الاستئناف خلال اثنتين وسبعين ساعة من تاريخ التقرير به، وذلك وفقًا للمادة (341) من قانون الإجراءات الجنائية، مراعاة لما يمثله هذا التدبير من مساس مباشر بحرية المتهم الشخصية.
#خامسًا: الطعن في الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية
طبقًا لنص المادتين 164 و209 من قانون الإجراءات الجنائية، يجوز للمتهم الطعن في الأمر الصادر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية، ما لم يكن هذا الأمر متعلقًا بجناية أو جنحة وقعت من موظف عام أثناء تأدية وظيفته أو بسببها، ما لم تكن الجريمة من الجرائم المنصوص عليها في المادة 123 من قانون العقوبات الخاصة بالامتناع عن تنفيذ الأحكام القضائية.
ويُعد هذا الطعن ضمانة مهمة للتحقق من سلامة التصرف في الدعوى ومنع إساءة استعمال سلطة الحفظ أو إنهاء التحقيق.
#سادسًا: الطعن في أوامر الحبس الاحتياطي ومده
أجاز القانون للمتهم استئناف الأمر الصادر بحبسه احتياطيًا أو بمد هذا الحبس في أي وقت، وفقًا للمادتين 166 و208 من قانون الإجراءات الجنائية. فإذا صدر قرار برفض الاستئناف، جاز له أن يجدد استئنافه عن ذات القرار كلما انقضت ثلاثون يومًا من تاريخ الرفض، طبقًا للمادة 168 إجراءات.
ويكون الاستئناف بتقرير يودع قلم كتاب المحكمة المختصة، وفقًا للمادة 167 إجراءات، وتختص بنظره محكمة الجنح المستأنفة منعقدة في غرفة المشورة أو محكمة جنايات أول درجة أو ثاني درجة، بحسب الأحوال، طبقًا للمادة 169 إجراءات.
كما أوجب المشرّع الفصل في استئناف المتهم خلال ثمانٍ وأربعين ساعة من تاريخ رفعه، وإلا وجب الإفراج عنه فورًا، ضمانًا لعدم إطالة الحبس بغير رقابة قضائية عاجلة. وقد عهد القانون إلى دائرة أو أكثر من دوائر المحكمة الابتدائية أو محكمة الجنايات بنظر استئناف أوامر الحبس، وفقًا للمادة 171 إجراءات.
#سابعًا: الطعن في الأوامر المتعلقة بمسائل الاختصاص
نصت المادة (165) من قانون الإجراءات الجنائية على أن: «للخصوم أن يستأنفوا الأوامر المتعلقة بمسائل الاختصاص، ولا يوقف الاستئناف سير التحقيق، ولا يترتب على القضاء بعدم الاختصاص بطلان إجراءات التحقيق، ويكون ميعاد استئناف تلك الأوامر عشرة أيام من تاريخ إعلانها للخصوم».
ويتضح من هذا النص أن المشرّع حرص على تحقيق التوازن بين سرعة التحقيق وضمان الرقابة القضائية على قواعد الاختصاص، فقرر أن استئناف أوامر الاختصاص لا يترتب عليه وقف التحقيق، كما أبقى على صحة الإجراءات السابقة حمايةً لاستقرار التحقيقات ومنعًا لتعطيل العدالة.