01/06/2026
هل تعلّمنا أصلاً أن نكتب مذكرات في الجنح والجنايات؟..؟؟
في خضم الجدل الدائر حول مذكرات الراحل الأستاذ فريد الديب رحمه الله، يطفو على السطح سؤال أعمق من مجرد نسب الكتابة، وهو: هل تعلّمنا أصلاً أن نكتب؟
المرافعة الشفهية فن أصيل لا ينكره أحد، لكن المذكرة المكتوبة المؤسسة هي الأثر الباقي الذي يصنع الفارق في غرفة المداولة وعلى طاولة قضاة النقض حيث لا صوت ولا حضور ولا فصاحة، بل ورق وحجة ونص.
والمشكلة تتجلى في القضاء الجنائي تحديداً أكثر من غيره، فمحامو الجنائي نشأوا على ثقافة القاعة والمواجهة، وتشرّبوا منذ نعومة أظفارهم في المهنة أن الكلمة المُلقاة خلف القضبان هي السلاح الأمضى، وأن الحضور الشخصي وقوة الشخصية وحرارة المرافعة هي ما تصنع الحكم. وهذا في جانب منه صحيح، فالقاضي الجنائي يرى المتهم ويسمع المحامي ويتأثر بالموقف الإنساني الحي. غير أن هذه الثقافة أفرزت مع الزمن جيلاً من المحامين الجنائيين المتمكنين في الخطابة، الضعيفين في التحرير، الذين يرتجلون الدفوع شفهاً ولا يُحكمون بناءها كتابةً، فإذا وصلت القضية إلى النقض حيث تصمت الأفواه وتتكلم الأوراق وجدوا أنفسهم أمام معركة لم يتدربوا على أدواتها.
وما يزيد الأمر قلقاً أن هذا لا يقتصر على جيل الشباب المقبل على المهنة، بل إن جيل الوسط الذي أتقن المرافعة واستراح إليها سنوات وجد نفسه فجأة أمام نظام تقاضٍ إلكتروني يستلزم مذكرات متكاملة لا يعرف بناءها، ولا يجد من يعلّمه إياها،
👈👈👈 إذ غابت النقابة غياباً لافتاً عن دورها الحقيقي في التأهيل والتدريب وتركت أعضاءها يواجهون هذا التحول وحدهم بجهود فردية متفرقة.
المرافعة الشفهية تمنحك حضوراً داخل القاعة، لكن المذكرة المكتوبة المؤسسة هي حصنك الثابت في المداولة وسلاحك الوحيد أمام النقض. والمحاماة تتطور، والقضاء يتحول رقمياً، ومن لم يُحكم قلمه إلى جانب لسانه فإن الزمن سيتجاوزه مهما أوتي من بيان.
رحم الله فريد الديب وكل من أثرى هذه المهنة بقلمه ولسانه معاً.