06/05/2026
تحديد الإختصاص النوعى فى جرائم السب والقذف المرتكبة عبر مواقع التواصل الإجتماعى
برئاسة المستشار الدكتور / محمد الجنزوري محكمة جنايات الجيزة أرست مبدأً في الجناية رقم (102 لسنة 2026 جنح الطالبية، المقيدة برقم 1624 لسنة 2026 كلي جنوب الجيزة) بجلسة (8/3/2026) في موضوع (تحديد الإختصاص النوعي في جرائم السب والقذف المرتكبة عبر مواقع التواصل الإجتماعي)
وقد جاء الحكم جملة من المبادئ التي أرستها المحكمة على التفصيل التالي:
المبدأ الأول: الاختصاص النوعي في المواد الجنائية من النظام العام
لا ريب أن قواعد الاختصاص النوعي في المواد الجنائية إنما تنتصب كالقواعد الآمرة التي لا يملك الخصوم تعطيلها ولا الاتفاق على مخالفتها؛ إذ هي من النظام العام الذي تتقوم به دعائم العدالة، وتستقيم به موازين القضاء. فالمحكمة — وهي تباشر ولايتها — لا تقف عند ظاهر الدفع، بل تنفذ إلى لبابه، وتستجلي حقيقته، كقاض يزن الأمور بميزان لا يميل ولا يختل. ومن ثم، فإنها تتصدى لمسألة الاختصاص من تلقاء نفسها، ولو لم يثرها أحد، إذ لا يسوغ أن تنعقد ولاية لقاض في غير ما رسم له القانون. فالاختصاص هنا كالسور الحصين، إن تصدع، تهاوت معه أركان الحكم، وإن استقام، استقامت معه العدالة في أبهى صورها. وعليه، فإن إغفال بحثه يعد قصورا يعيب الحكم، ويصمه بوصمة البطلان، لأن ما بني على غير أساس فهو إلى الزوال أقرب. ومن ثم، يغدو التحقق منه فرضا لا نافلة، وواجبا لا خيار فيه، إذ به تتحدد الولاية، وتستبين الجهة القضائية المختصة، في انتظام لا فوضى فيه، وانضباط لا شطط معه.
المبدأ الثاني: سلطة المحكمة في تكييف الواقعة غير مقيدة بوصف النيابة
من المستقر عليه أن المحكمة لا تأخذ وصف النيابة على علاته، ولا تسير خلفه سيرا أعمى، بل تمحص الواقعة تمحيص الخبير البصير، وتعيد صياغتها في قالبها القانوني الصحيح، كصائغ يعيد تشكيل المعدن حتى يبلغ غايته. إذ لا جرم أن الوصف القانوني ليس قيدا يغل يد المحكمة، وإنما هو اجتهاد قابل للتصويب، إن جانبه الصواب أو شابه القصور. ومن ثم، فإن المحكمة تستخلص من أوراق الدعوى حقيقتها، وتكسوها الوصف الذي يلائمها، غير عابئة بما أسبغته النيابة من توصيف. فهي في ذلك كالبصير الذي يميز بين السراب والماء، فلا ينخدع بالمظاهر ولا تغره العناوين. وعلى هذا الأساس، فإن تغيير التكييف القانوني يعد من صميم عمل المحكمة، لا تجاوزا لحدودها، ولا افتئاتا على سلطة غيرها، بل هو عين العدالة وروح القضاء. فالوصف الصحيح هو الميزان الذي توزن به الأفعال، فإن اختل، اختلت معه الأحكام، وإن استقام، استقامت معه العدالة في أصفى معانيها.
المبدأ الثالث: العبرة في تحديد الاختصاص بنوع الجريمة لا بالعقوبة المتوقعة
الأصل أن توزيع الاختصاص بين المحاكم الجنائية إنما يقوم على نوع الجريمة ذاتها، لا على جسامة العقوبة التي قد تترتب عليها؛ إذ العبرة بالوصف القانوني لا بالنتيجة الجزائية. فالجريمة في ميزان الاختصاص كالمعدن في ميزان الصائغ، لا يقاس بلمعانه الظاهر، بل بجوهره الباطن. ومن ثم، فإن المحكمة لا تنظر إلى ما قد تؤول إليه العقوبة، بل إلى طبيعة الفعل المؤثم، وهل هو جناية أم جنحة أم مخالفة. وهذا النهج يحقق استقرارا قضائيا، ويحول دون التلاعب بالاختصاص عبر تضخيم الاتهام أو تقزيمه. إذ لو ترك الأمر لتقدير العقوبة، لتزعزعت القواعد، واضطربت الموازين، وغدا الاختصاص نهبا للأهواء. وعليه، فإن تحديد الجهة القضائية المختصة يظل رهينا بنوع الجريمة كما رسمها القانون، لا بما قد ينتهي إليه الحكم من عقاب. فالمعيار هنا موضوعي لا شخصي، ثابت لا متغير، كالنجم الهادي لا يحيد ولا يضل.
المبدأ الرابع: جرائم النشر اختصاص استثنائي لمحكمة الجنايات بشروط محددة
لئن كانت جرائم النشر في أصلها جنحا، فإن المشرع — استثناء — أسند نظر بعضها إلى محكمة الجنايات، غير أن هذا الاستثناء لا يتسع ولا يتمدد، بل يضيق بقدر ما ورد به النص. فاختصاص الجنايات هنا كالنهر المحاط بضفاف محددة، لا يفيض إلا في حدودها، ولا يتجاوزها إلا إذا نص القانون صراحة. ومن ثم، فإن هذا الاختصاص مشروط بأن تكون الجريمة قد وقعت بواسطة صحيفة أو وسيلة إعلامية مرخصة، وفق الضوابط التي رسمها القانون. فإذا تخلف هذا الشرط، عاد الأمر إلى أصله، وانعقد الاختصاص للمحاكم الجزئية. وهذا التحديد الدقيق إنما يهدف إلى تحقيق التوازن بين حرية التعبير وضمانات المحاكمة، فلا يترك الباب مفتوحا على مصراعيه، ولا يغلق إغلاقا تاما. فالمشرع في ذلك كمهندس يضع لكل بناء حدوده، فلا يختلط الخاص بالعام، ولا يضيع الاستثناء في بحر القاعدة.
المبدأ الخامس: النشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي لا يعد نشرا صحفيا بالمعنى القانوني
قررت المحكمة أن النشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي — وإن اتسع نطاقه، وعظم أثره — لا يرقى إلى مرتبة النشر الصحفي بالمعنى القانوني، ما لم يصدر عن جهة مرخصة أو صحيفة معترف بها. فالفارق بينهما كالفارق بين الصوت العابر والمنبر الرسمي، هذا له ضوابطه وأطره، وذاك تحكمه طبيعة الفضاء الإلكتروني المفتوح. ومن ثم، فإن ما ينشره الأفراد عبر حساباتهم الشخصية يظل خارج نطاق الصحافة القانونية، مهما بلغ انتشاره أو اشتد تأثيره. إذ لا يكفي مجرد النشر، بل يلزم أن يكون في إطار مؤسسي منظم، يخضع لقواعد الترخيص والرقابة. وهذا التمييز يمنع الخلط بين الحرية الشخصية والعمل الإعلامي المهني، ويحول دون تحميل الأفراد ما لا يطيقون من التزامات قانونية. فلكل مقام مقال، ولكل وسيلة حكمها، ولا يستوي في الميزان من نشر في صحيفة مرخصة ومن بث رأيه في فضاء رقمي مفتوح.
المبدأ السادس: تفسير النصوص الجنائية تفسير ضيق وعدم التوسع فيها
الأصل في النصوص الجنائية أنها تفسر تفسيرا ضيقا، لا يتسع لقياس ولا يحتمل تأويلا متعسفا؛ إذ هي تمس الحريات وتقيدها، فلا يجوز التوسع فيها على حساب الأفراد. فالنص الجنائي كالنصل الحاد، إن زاد اتساعه جرح بغير حق، وإن ضبط حده أصاب موضعه بدقة. ومن ثم، فإن القاضي يلتزم بحدود النص، لا يجاوزها ولا يضيف إليها، فلا يمد حكمه إلى وقائع لم يشملها التشريع. وهذا النهج يحقق اليقين القانوني، ويمنع التعسف في تطبيق العقوبات، ويصون مبدأ الشرعية الجنائية. إذ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، ولا اختصاص إلا بحدود ما رسمه القانون. وعلى هذا، فإن التوسع في اختصاص محكمة الجنايات في جرائم النشر يعد خروجا على هذا الأصل، وانحرافا عن جادة التفسير السليم.
المبدأ السابع: جواز قضاء المحكمة بعدم اختصاصها رغم حكم الإحالة
لا يحول حكم الإحالة دون أن تعيد المحكمة النظر في اختصاصها، متى تبين لها سبب جديد يقضي بعدم اختصاصها؛ إذ لا سلطان لحكم الإحالة على قواعد النظام العام. فالمحكمة في ذلك كالحارس الأمين، لا يغمض عينه عن خلل ظهر له، ولو بعد حين. ومن ثم، فإنها غير مقيدة إلا بالأسباب التي بني عليها حكم الإحالة، فإن استبان لها غيرها، كان لها أن تقضي بما تراه حقا. وهذا المبدأ يكرس استقلال القضاء، ويمنع أن تكون الإحالة قيدا يكبل المحكمة عن أداء دورها. إذ العدالة لا تعرف الجمود، ولا تقف عند حدود الشكل، بل تنفذ إلى جوهر الحق، حيث يكون الصواب أولى بالاتباع. وعليه، فإن قضاء المحكمة بعدم اختصاصها في هذه الحالة يعد تطبيقا صحيحا للقانون، لا خروجا عليه.
المبدأ الثامن: انعقاد الاختصاص لمحكمة الجنح في جرائم النشر الإلكتروني الصادر من الأفراد
انتهت المحكمة إلى أن الجرائم المرتكبة عبر مواقع التواصل الاجتماعي من قبل أفراد عاديين، تندرج في عداد الجنح التي تختص بها المحاكم الجزئية، ولا تمتد إليها ولاية محكمة الجنايات. فهذه الجرائم — وإن خطرت آثارها — تظل في ميزان القانون ضمن النطاق العام للجنح، لا يرفعها إلى مرتبة الاستثناء مجرد وسيلة ارتكابها. ومن ثم، فإن الاختصاص ينعقد لمحكمة الجنح، باعتبارها صاحبة الولاية الأصلية في هذا الصدد. وهذا الحكم كالقاطع الذي يضع حدا للجدل، ويرسم طريقا واضحا للفصل في مثل هذه المنازعات. إذ يفرق بين النشر المؤسسي والنشر الفردي، ويعطي لكل منهما حكمه، في اتساق لا اضطراب فيه، وعدل لا ميل معه. وبذلك تستقر القواعد، وتنتظم الأحكام، وتزول مظنة التنازع بين الجهات القضائية.
#الخاتمة
تتكامل هذه المبادئ الثمانية تكامل العقد إذا انتظمت ، فتؤسس بنية قضائية راسخة تقوم على احترام الاختصاص، وصون الشرعية، وإحكام التكييف القانوني. فقد بدأت بتقرير أن الاختصاص من النظام العام، ثم قررت حرية المحكمة في التكييف، وأرست معيار نوع الجريمة، وحددت نطاق الاستثناء في جرائم النشر، قبل أن تميز بين النشر الصحفي والإلكتروني، وتؤكد على التفسير الضيق للنصوص الجنائية، وتجيز العدول عن حكم الإحالة، لتنتهي إلى تقرير الاختصاص لمحكمة الجنح. وبهذا النسق المحكم، تتجلى وحدة البناء، وتظهر قوة الترابط، كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، في خدمة العدالة، وإعلاء سلطان القانون، وترسيخ مبدأ المشروعية.
_____________________________________
● تخصصات مكتب المستشار
حسن سلطان
المحامي في مجالات قضايا ( الجنائي - العسكري - أمن الدولة - المدني - التجاري - مستشار فض المنازعات التجاريه و المدنيه - تأسيس الشركات و الإستثمار -قضايا العمال - قضايا الإقتصاديه - قضايا الانترنت و الاتصالات - مجلس الدوله - الأحوال الشخصية للمسلمين و غير المسلمين - شؤون الأجانب - الترجمه القانونيه - التوثيق )
📍عنوان فرع المكتب بشرق الإسكندرية عمارة 131 برج قصر الفراعنه شارع تانيس بجوار نفق الإبراهيمية علي البحر .
☎️لحجز ميعاد برسالة واتساب او الإتصال على
أرضي/03/5922507
01289627354
01271204678
011 56235026