24/01/2026
إلى جنة الخلد رالا عيشا
رالا عيشا،
المرأة التي لم يجد الزمان بمثلها، كانت سندا للعائلات،
تحمل هموم الناس كما تحمل الأم وليدها، تدخل في الصراعات لتفضها بحكمة وحنان، فتصبح بين الفرقاء جسرا من رحمة، وصوتا من عدل.
كم من جسد امرأة غسلته بيديها، وكم من دمعة منسكبة على خد مسكين مسحتها، وكم من خوف امرأة ذاهبة إلى مشرحة العمليات لا تعلم مصيرها قوت عزيمتها، وهدأت روعتها وكم وكم، لا ترجو إلا وجه الله وثوابه،
تؤدي واجبها في صمت، كأنها تعيد للإنسان كرامته،
وتذكرنا أن الرحمة هي ما يبقى.
رالا عيشا كانت أمنا بعد أمنا، لا يخلو المقام بالريف الا إذا زرناها، وتزودنا من دعائها. من بيتنا بدأت حياتها ومن بيتها تعلمنا معنى حياتنا.
عندما التقيت بها آخر مرة، شكت لي ضعفها وهوان عظمها، لكنها لم تفقد روحها المرحة، ضحكت ملء فيها حين قلت لها: "يا رالا عيشا، لن تموتي حتى تودعي كل النساء وتغسلي جثامينهن."
ضحكت، وأحضرت لحظة مرح لا تنسى، كأنها أرادت أن تقول إن الحياة، حتى في لحظات الوهن، تظل تستحق ابتسامة.
واليوم، وقد رحلت، نرفع أيدينا بالدعاء، إلى جنة الخلد يا رالا عيشا، إلى مقام يليق بامرأة لم تبخل يوما بالعطاء، إلى روح عاشت للآخرين أكثر مما عاشت لنفسها.
نحن كلنا بعدك أيتام، فقدنا الأم الثانية، والقلب الكبير،
والظل الذي كان يحمينا من قسوة الأيام.
رالا عيشا، لن يستطيع الغياب أن يأخذك كاملة. سيبقي منك أثر في القلوب، وطمأنينة في الذاكرة، وسؤال مفتوح في أرواح من عرفوك: كيف يمكن للإنسان أن يكون بهذا القدر من البساطة، وبهذا العمق معا؟
سلام عليك يوم ولدت مختلفة، ويوم عشت صادقة، ويوم رحلت كما عشت: خفيفة على الموت، أسلمت روحك بسلام كأنك شعلة قنديل انطفأت، ثقيلة في المعنى، لأن الحياة بعدك صعب أن يفهم معناها
رحمك الله رحمة واسعة، وجعل ذكراك نورا في قلوبنا،
كما كنت دائما نورا في حياتنا.
وإنا لفراقك يا رالا عيشا لمحزونون.