22/05/2020
اختصاصــــــات وكــــــلاء الجمـــــــهورية
بين جرائم الحق العام و الجرائم الإرهابية
بقلم: عيدالحفيظ سلطاني
ينجر عن كل جريمة ترتكب داخل إقليم الدولة إثارة دعوى عمومية الغاية منها تطبيق القانون الجزائي بتسليط العقاب على فاعل الجريمة . و إن كانت الجريمة ترتكب ضد شخص معين أو مجموعة بذاتها إلا أن ذلك لا يعني اختزال
الخصومة الجزائية بين المتضرر و الفاعل. حيث أن إثارة الدعوى العمومية و ممارستها مبدئيا من صلاحيات النيابة العمومية التي تعتبر طرفا أصليا في الخصومة الجزائية وليست طرفا في هيئة الحكم, فلا تتوقف إثارتها للدعوى العمومية على وجود شكاية من المتضرر حتى تتمكن من تحريك الدعوى العمومية بل تنطلق في إجراءات التتبع بمجرد أن يحصل لها العلم بوقوع الجريمة,
إذ أن النيابة العمومية تمارس الدعوى العمومية في حق المجتمع و عليه فإن الدعوى العمومية هي ملك للمجتمع و تمارسها النيابة في حقه و لذلك ليس لها التخلي عن ممارستها إلا في الحالات التي يخولها لها القانون في إطار مبدأ ملائمة التتبع الذي يخول لوكيل الجمهورية بوصفه ممثلا للنيابة العمومية علي مستوى المحكمة الابتدائية , بما له من صلاحيات تقديرية في تقرير مآل الشكايات التي يتلقاها من عموم الأفراد أو من قبل أعوان الضابطة العدلية المكلفين بمعاينتها في حدود اختصاصهم و مرجع نظرهم .
و إن كانت الدعوى العمومية ليست ملكا للنيابة العمومية و لا يجوز لها قانونا
التخلي عن ممارستها أو عن إثارتها إلا أن القانون مكن وكيل الجمهورية من عدة إجراءات تحول دون إمكانية استكمال إجراءات التتبع في حق الفاعل كما هو الحال
في الصلح بالوساطة في المادة الجزائية من ناحية, كما حدد المشرع من سلطات وكيل الجمهورية في التتبع في القضايا التي تكون فيها شكاية المتضرر شرطا لازما في التتبع كما في قضايا الزنا و إهمال عيال و الاعتداء بالعنف بين الأصول والفروع أو بين الأزواج قبل تنقيح بالفصل 218 من المجلة الجزائية , و من ناحية أخرى يمكن المشرع للمتضرر من الجريمة أن يلزم وكيل الجمهورية على تتبع الفاعل إثر قرار الحفظ عن طريق القيام على المسؤولية الشخصية .
و بالرغم من تعدد الفرضيات التي تحدد من صلاحيات وكيل الجمهورية في تقرير التتبع من عدمه إلا أن ذلك لا يعني تجريده من صلاحياته حيث أن مجلة الإجراءات الجزائية من الفصل 25 إلى الفصل 32 في القسم الرابع تحت عنوان
" في وظائف وكيل الجمهورية " و حددت اختصاصات وكيل الجمهورية من معاينة للجرائم و تلقي للشكايات و تقرير مآلها و تعهيد لقاضي التحقيق حسب طبيعة الجريمة و غيرها من الصلاحيات المصاحبة لممارسة سلطة البحث و التتبع .
لكن يجب الإشارة إلا أن هذا الإطار التشريعي يهتم أساسا بالتتبع في جرائم الحق العام و لا ينطبق في الجرائم الإرهابية حيث أنه و بصدور القانون الأساسي
عدد 26 لسنة 2015 المؤرخ في 7 أوت 2015 المتعلق بمكافحة الإرهاب و منع غسيل الأموال الذي نص في الفصل 41 منه على ما يلي .: " يختص وكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بتونس بإثارة الدعوى العمومية و ممارستها في الجرائم الإرهابية المنصوص عليها بهذا القانون و الجرائم المرتبطة بها " . و على هدا الأساس فإن اختصاصات وكلاء الجمهورية و تخرج عن قاعدة الاختصاص الترابي التي كانت تحدد مرجع أنظار وكلاء الجمهورية
و أصبحنا نتحدث اليوم عما يمكن اعتباره كتلة اختصاص نوعية ذات طبيعة خاصة على مستوى إجراءات التتبع و الأبحاث في الجرائم الإرهابية انتقلت إلي وكيل جمهورية تونس العاصمة بوصفه مشرفا عن القطب القضائي لمكافحة الإرهاب .
و تجدر الإشارة أن المشرع حينما أسند هذا الاختصاص لوكيل جمهورية تونس العاصمة لم يعهد له به حصريا حيث أنه مكن وكلاء الجمهورية بباقي المحاكم الابتدائية من عدة صلاحيات نصت عليها الفقرة الثالثة من نفس الفصل
و هي كالتالي:
" لوكلاء الجمهورية لدى بقية المحاكم الابتدائية بالقيام بالأبحاث الأولية ... و يتلقون الإعلامات الاختيارية .... و يستنطقون ذا الشبهة بصفة إجمالية .... و يأذنون بوضعه على ذمة وكيل جمهورية لدى المحكمة الابتدائية بتونس " إلا أن الفقرة الرابعة من الفصل 41 كذلك تعطي حصريا الحق في التمديد في مدة الاحتفاظ , و على هذا الأساس فان المشرع لم يعهد لوكيل جمهورية تونس بكافة سلطات التتبع و الأبحاث بل مكن في جزء منها " الأبحاث الأولية " لوكلاء الجمهورية باقي المحاكم الابتدائية بما في ذلك فترة الاحتفاظ التي مكنهم
بالإذن بها دون حق التمديد فيها . و على هذا الأساس يتبين لنا الطابع الخاص لكتلة اختصاص إجرائية مستحدثة في الجرائم الإرهابية نتج عنها تفكيك صلاحيات التتبع و البحث بين وكبل الجمهورية بتونس و باقي وكلاء الجمهورية من أجل توحيد الأجهزة الأمنية المختصة في الأبحاث في الجرائم الإرهابية و كذلك توحيد الجهة القضائية المختصة في الحكم فيها .