19/07/2026
إليكم المقال الرصين الذي كتبه الأستاذ المحامي أبو ذر الغفاري معلقا على الحكم القضائي الصادر بإدانة الصحفية رشان أوشي حيث يقدم قراءة قانونية وأكاديمية ويطرح جملة من الملاحظات والتحليلات التي تثري النقاش العام حول أبعاد الحكم وآثاره:
______________________________________________
حكم المحكمة العليا في قضية الصحفية رشان أوشي:
لا يجب أن ينتهي الحوار حوله بصدوره وطي صفحة القضية
أصدرت المحكمة العليا حكمها في قضية الصحفية رشان أوشي، أيدت بموجبه الحكم الذي سبق أن أصدرته محكمة جرائم المعلوماتية بإدانتها وفقاً لقانون مكافحة جرائم المعلوماتية لسنة 2018 وتعديلاته، تحت المادة (25) المتعلقة بإشانة السمعة، والمادة (26) المتعلقة بالسباب. وقد وضع الحكم حداً فاصلاً بين الحرية التي يتعين أن يتمتع بها الصحفي في التعبير عن الرأي وكشف مواطن الفساد من جانب، وضرورة تحري الحقيقة وعدم السير في تشويه سمعة الآخرين دون أدلة إثبات من جانب آخر. وأوردت المحكمة في تحديد هذا الحد: (إن حرية النشر لا تعني التعدي والتجني على الآخرين دون سند ولا دليل. ويجب على الناشرين على صفحات التواصل الاجتماعي توخي الدقة فيما ينشرونه. لقد أصبحت هذه الوسائل فضاءً يُنشر فيه ما يجوز نشره، وعلى المرء أن يقول خيراً أو ليصمت).
خلقت وسائل التواصل الاجتماعي واقعاً جديداً في النشر، مكنت بموجبه كل شخص من امتلاك منصة إلكترونية، سواء كانت موقعاً إلكترونياً أو تطبيقاً أو أداة أخرى من وسائل التواصل الرقمي، يمكن من خلالها أن يخاطب العالم كله ويمارس حقه في التعبير عن رأيه، مما جعل خطر الإخلال والانتهاك أكبر، وأدى إلى وقوع أضرار على نطاق واسع. وهذا أحد الأسباب التي دعت إلى إصدار تشريع خاص بالجرائم الإلكترونية يشدد العقوبة في حال ارتكاب الجرائم من خلال الأنظمة والتطبيقات الإلكترونية.
أثار الحكم عدة مسائل قانونية جديرة بالنقاش على المستوى الأكاديمي، أهمها أن جريمة إشانة السمعة بموجب المادة (25) من قانون مكافحة جرائم المعلوماتية لسنة 2018 تختلف عن جريمة إشانة السمعة التقليدية المذكورة في المادة (159) من القانون الجنائي، ومن ثم فإنها لا تتطلب إثبات القصد الجنائي. وهذه النتيجة محل نظر، ومع كامل احترامي للمحكمة، إلا أنها لا تتسم بالدقة اللازمة وتخالف نصوص قانون مكافحة جرائم المعلوماتية نفسه لعدة أسباب، أهمها:
1- نصت المادة (25) من قانون مكافحة جرائم المعلوماتية لسنة 2018 على: (كل من يهيئ أو يستخدم شبكة المعلومات أو الاتصالات أو أي وسيلة من وسائل المعلومات أو التطبيقات في إشانة سمعة أي شخص يعاقب بالسجن لمدة لا تتجاوز ست سنوات). ولم يتم تعريف إشانة السمعة في هذه المادة، وإنما ركزت المادة على وسيلة إشانة السمعة وعلى تغليظ العقوبة، وتركت التعريف لما حددته المادة (159) من القانون الجنائي لسنة 1991 وتعديلاته، والتي أوضحت على نحو مفصل عناصر إشانة السمعة، بما في ذلك عنصرها المادي المتمثل في النشر أو النقل أو الرواية للغير لوقائع مسندة إلى شخص معين أو تقويم سلوكه بقصد الإضرار بسمعته، إضافة إلى عنصرها المعنوي المتمثل في قصد الإضرار بالسمعة.
ولا يتصور الفصل بين النصين في قانون جرائم المعلوماتية والقانون الجنائي، حيث إنهما مرتبطان، والتمييز بينهما يجعل جريمة إشانة السمعة التي تستخدم فيها وسائل إلكترونية مبنية على نص فضفاض لا يوضح على نحو دقيق تعريف الجريمة، ويدخل المحكمة في منطقة غامضة يصعب فيها تحديد ما يمثل إشانة سمعة وتمييز ما يمكن العقاب عليه وما لا يمكن العقاب عليه.
2- الاتجاه الذي ذهبت إليه المحكمة بالفصل بين جريمة إشانة السمعة الإلكترونية وإشانة السمعة التقليدية يخالف نصوص قانون مكافحة جرائم المعلوماتية لسنة 2018 وتعديلاته، الذي أوضح بلسان بليغ ضرورة الرجوع إلى القانون الجنائي والقوانين الأخرى ذات الصلة في تحديد عناصر الجرائم المذكورة في قانون مكافحة جرائم المعلوماتية لسنة 2018 وتعديلاته، فأورد في البند (2) من المادة رقم (3): (فيما لم يرد فيه نص في هذا القانون تكون للكلمات والعبارات الواردة فيه ذات التعريف الممنوح لها في القانون الجنائي لسنة 1991....). فاتجاه المحكمة العليا إلى الفصل التام بينهما اتجاه لا يستند إلى مقتضيات قانون مكافحة جرائم المعلوماتية لسنة 2018 وتعديلاته نفسه، ويهدر النص الذي يلزم بالرجوع إلى القانون الجنائي.
3- انساقت المحكمة، من خلال الفصل بين إشانة السمعة التقليدية في القانون الجنائي وإشانة السمعة كما وردت في قانون جرائم المعلوماتية لسنة 2018 وتعديلاته، إلى نتيجة يمكن وصفها بالخطيرة، وهي أن جريمة إشانة السمعة في قانون جرائم المعلوماتية جريمة مطلقة لا تتطلب إثبات القصد الجنائي. وهذا غير صحيح، فما سكت عنه قانون جرائم المعلوماتية لسنة 2018 وتعديلاته أوضحه القانون الجنائي بإشارته إلى قصد الإضرار بالسمعة. فيتعين على المحكمة التأكد من وجود هذا القصد، وهو ركن معنوي ضروري في إثبات الجريمة. وجريمة إشانة السمعة بطبيعتها هي فعل يقصد به إهانة الآخرين وتشويه صورتهم، ومن ثم لا يمكن تصور نشوئها دون عنصر معنوي. كما أن ارتكابها من خلال وسائل إلكترونية وحده لا يبرر تحويلها إلى جريمة صارمة لا تتطلب إثبات الركن المعنوي.
4- اتكأت المحكمة في التمييز بين جريمتي إشانة السمعة الإلكترونية والتقليدية على حكم في قضية سابقة هي حكومة السودان //ضد// ك. ا. م. ح، وتتلخص وقائعها في أن الطاعن أرسل إلى الشاكي عبر تطبيق الواتساب إساءة وتهديداً بالقتل، فأدانته المحكمة الابتدائية بناءً على المادة (17) من قانون جرائم المعلوماتية لسنة 2007، الذي كان سارياً في ذلك الوقت، والمتعلقة بإشانة السمعة. فاعترض الطاعن بأنه لم ينشر ولم ينقل العبارات إلى شخص آخر، وإنما أرسلها إلى الشاكي مباشرة من خلال رسالة واتساب. وفي تقديري أن اعتراضه في محله، لأن قانون جرائم المعلوماتية لسنة 2007 لم يكن ينص على جريمة الإساءة والسباب، وكان يمكن للمحكمة إدانته بموجب القانون الجنائي لسنة 1991. إلا أنها، عوضاً عن ذلك، أدانته استناداً إلى نصوص إشانة السمعة، بينما الركن الأساسي في إشانة السمعة هو إخبار الغير، لأن السمعة هي ما يتكون لدى الغير من تصور حسن عن الشخص الذي تمت الإساءة إليه. ولا يتصور أن تتم إشانة السمعة بخطاب يوجه إلى الشخص المعني نفسه، وإنما توجه إلى الغير حتى تؤثر في تلك السمعة. أما إذا كان المخاطب هو الشخص المعني، فإن ذلك يكون سباً أو إساءة.
وقد استدرك قانون جرائم المعلوماتية لسنة 2018 ما غفلت عنه نسخة 2007، فأورد نصاً خاصاً بالإساءة والسباب في المادة (26)، وهذا في حد ذاته دلالة على التمييز بين إشانة السمعة التي توجه إلى الغير، والإساءة والسباب اللذين يوجهان إلى الشخص المعني نفسه.
6- التمييز الحاد بين إشانة السمعة الإلكترونية والتقليدية يحرم من الاستفادة من استثناءات ضرورية أوضحها القانون الجنائي لسنة 1991 وتعديلاته، ولم ترد في قانون جرائم المعلوماتية لسنة 2018، ومنها على سبيل المثال:
أ- إذا كانت العبارات في شأن شخص مرشح لمنصب عام، ووردت في معرض تقويم أهليته أو أدائه. وبالطبع فإن مثل هذا الاستثناء ضروري، لأن الوسائط الإلكترونية أصبحت وسيلة فعالة لمعرفة مدى أهلية الذين يتقدمون للمناصب العامة، وتوضيح مدى قدرتهم على تولي تلك المناصب.
ب- إذا كانت العبارات في شأن شخص عرض نفسه أو عمله على الرأي العام للحكم عليه، وكان التقويم متعلقاً بما يقتضيه ذلك الحكم.
ما أورده محامي الطاعنة من أن نصوص قانون جرائم المعلوماتية لسنة 2018 نصوص عقابية وليست تجريمية، لأنها لم تبين أركان الجريمة، هو قول في محله تماماً، وكان على المحكمة العليا أن تتصدى له وتناقشه مناقشة وافية، إلا أنها لم تجد في الرد عليه إلا عبارة بسيطة هي: (الحديث عن أن مواد جرائم المعلوماتية نصوص عقابية وليست تجريمية يدحضه اسم القانون ابتداء). فهل يمكن الاعتماد في تحديد طبيعة القانون ومضامينه على الاسم فقط!
انتهت قضية الصحفية رشان أوشي، لكن لا يجب أن ينتهي النقاش القانوني حول حكم المحكمة وما انتهى إليه من مخرجات، وما استند إليه من أسس قانونية. فقضايا إشانة السمعة والسباب من خلال الوسائط الإلكترونية تستحق حواراً قانونياً مكثفاً، لارتباطها بحياة الناس اليومية التي تعتمد على الأدوات الإلكترونية بصورة متزايدة.
أبوذر الغفاري بشير عبد الحبيب