مكتب الاستاذ حمزة احمد كابوس للمحاماة والاستشارات القانونية

  • Home
  • Sudan
  • Omdurman
  • مكتب الاستاذ حمزة احمد كابوس للمحاماة والاستشارات القانونية

مكتب الاستاذ حمزة احمد كابوس للمحاماة والاستشارات القانونية ام درمان امبدة غرب مجمع محاكم جنايات امبدة
عمارة حاج الطاهر الطابق 2

16/04/2025
19/02/2022

المبادئ:

إجراءات مدينة – عدم التقيد بأسماء الشهود الواردة في الكشف المقدم مع عريضة الدعوى –أثره- المادة 33/1 و 2 اجراءات مدنية.

- إن نص المادة 33/1 و 2 اجراءات مدنية لا يمنع تقديم أي مستندات أو سماع أي شهود لم يردوا في الكشف المرفق مع عريضة الدعوى أو مذكرة الدفاع طالما كان الغرض منها الفصل العادل في النزاع ولا تبطل اجراءات المحكمة إذا ما سمحت في مثل هذه الحالة بسماع شهود لم يردوا بالكشف.

الحكم:

المحكمة العليا

القضاة:

سعادة السيد/ عبد الرؤوف حسب الله ملاسي قاضي المحكمة العليا رئيساً

سعادة السيد/ محمد الأمين مختار قاضي المحكمة العليا عضواً

سعادة السيد/ أحمد محمد بشير قاضي المحكمة العليا عضواً

أحمد الأمين عمر الطاعن
ضد

عبد الرافع الطيب عبد الرحمن المطعون ضده

النمرة/م ع/ ط م/281/1991م

المحامون:

الأستاذ محمد أحمد عبد القادر عن الطاعن

الأستاذ أحمد محمد عباس عن المطعون ضده

الحكــم

القاضي: عبد الرؤوف حسب الله ملاسي
التاريخ: 25/9/1991م

هذا طلب للطعن بالنقض ضد قضاء محكمة الاستئناف والقاضي في أ س م/102/1990م بتأييد قضاء المحكمة الجزئية في ق م/66/88 والقاضي بدوره بإخلاء الطاعن من الدكان محل النزاع بالقطعة نمرة 448 مربع 16 السوق – مدينة ود مدني- ويدور محور الطعن في النقاط التالية:
أولاً:
يدور محور النزاع في ق. م/66/1988م حول الإخلاء لانتهاء العلاقة الايجارية بين الطاعن والمطعون ضده بدعوى أن المطعون ضده (المدعى) قد أنهى تلك الايجارة بإنذاره للمدعي عليه (الطاعن) في 16/10/1988 بعدم رغبته في تجديد العقد والذي ينتهي في يناير سنة 1989م.
ثانياً:
ينعي الطاعن على قضاء محكمة الاستئناف وقضاء محكمة الموضوع مخالفته للقانون من عدة أوجه يلخصها فيما يلي:
1/ أنه وفقاً لنص م (33) من قانون الإجراءات المدنية سنة 1983 فإن البينة تنحصر في الشهود الواردة أسماؤهم في الكشف المرفق بالعريضة ولا يجوز قبول أي شهود لم ترد أسماؤهم في ذلك الكشف في مرحلة السماع – وقد خالفت محكمة الموضوع هذا النص بأن سمحت بتقديم شهود لم يردوا في السماع.
2/ إن وصف غياب الطاعن في جلسة سماع قضية الدفاع بالمماطلة والمرواغة لا أساس له من واقع المحضر فالمحضر يوضح حضور الطاعن لكل الجلسات ولم يتغيب وبالتالي لا مجال لاتخاذ غيابه في أول جلسة لسماع قضية الدفاع بالتسويف وكان المفروض سماع دعواه وقفل دعواه فيه إهدار للعدالة.
3/ محامي الطاعن لم يخطره بالجلسة التي صدر فيها الحكم تحت م (66) إجراءات مدنية سنة 1983م حتى يقوم بالإرشاد عن شهوده وذلك لعدم تواجد الطاعن بصفة مستديمة بواد مدني وكان يمكن للمحكمة عدالة مراعاة لظروف الدعوى والنزاع أن تفرض عليه غرامة بدلاً من قفل دعواه (يشير إلى السابقة/ محمد الصادق/ ضد/ شركة الشرق الأوسط الزراعية المنشورة بالمجلة القضائية سنة 1960م ص 268).
4/ اعتماد الحكم على بينة شهود تخالف أسماؤهم الشهود الواردين بالكشف كاف لإبطال إجراءات السماع وبالتالي بطلان الحكم لأنه بني على بينة لا يقرها القانون لأن القانون يمنع سماعها وبالتالي يمنع قبولها كبينة.
(ومن محصلة طلبه يلتمس إلغاء الحكم وإعادة الدعوى لسماع قضية الدفاع).
ومن جهة أخرى يعقب المطعون ضده على الطعن في النقاط التالية:
أولاً:
النزاع ينحصر في نقطتين عبء اثباتهما على (المدعي) المطعون ضده وتنحصر في مسألة (أن عقد الأجارة يتضمن شرطا بأنهاء عقد الاجارة بانذار قبل شهرين قبل انتهاء مدة الاجارة وأن المطعون ضده قام بإنذار الطاعن) وقد أثبت شهود المدعي كل هذه الوقائع.
ثانياً:
قفل دعوى الدفاع كان (لعدم إرشاد الطاعن عن شهوده للجلسة المحددة وتغيب هو ومحاميه) ولم يحضر أحد منهم وكل هذا يعد مماطلة وتسويف للسماع.
ثالثاً:
الإدعاء تحت م (33) إجراءات بسماع شهود ليس بالكشف لا أساس له لأن الشاهد عبد العال اسمه وارد في الكشف أما الشاهد عاصم فهو ابن المرحوم الطيب عبد الرحمن صاحب العقار ومانح الإجارة – والدفع المثار الآن كان مجاله الدفع به أمام محكمة الموضوع في السماع والسكوت عنه يعتبر تنازلاً من الطاعن.
رابعاً:
لم يثر الطاعن في دفاعه أي مسائل تحتاج إلى إثبات ودفاعه (الإنكار) وبالتالي فلا سند لقوله بأن لديه بينة وشهود والواضح أن همه الوحيد هو تعطيل الإجراءات وخاصة أن إعلانه للدعوى كان بعد جهد جهيد.
(ومن محصلة طلبه يلتمس شطب الطعن برسومه)
وفي تقديري أن الطلب يتعين عدم قبوله ولما يلي:-
أولاً:
يركز الطاعن في طلبه على نقطتين الأولى قانونية بحتة ترتكز على نص م 33 إجراءات مدنية سنة 1983 ألا وهي مدى أثر الكشف المقدم بأسماء الشهود مع عريضة الدعوى في تحديد أساس البينة المراد تقديمها لإثبات الدعوى ومدى أثر عدم تقديم هذا الكشف في مرحلة العريضة والدفاع ومدى إمكانية قبول بينة أو شهود في مرحلة السماع تقدم لأول مرة ؟ وهل تبطل إجراءات السماع لعدم تقديم كشف أو هل تبطل إجراءات السماع المعتمدة علىسماع تلك البينة؟ والنقطة الثانية مرتبطة بتطبيق م (66) إجراءات سنة 1983م ومعقولية الإجراء الذي يجب اتخاذه في كل حالة عند تطبيق هذه المادة.
ثانياً:
بالنسبة للنقطة الأولى أرى الآتي:-
(1) تنص م (33) (1)، (2) إجراءات مدنية سنة 1983م (1) ما لم ينص القانون .....الخ على أن يرفق معها (أ) كشف بالمستندات التي يعتمد عليها في الدعوى مع إرفاقها أوإرفاق صور منها (ب) كشف بأسماء الشهود الذين تعتمد عليهم الدعوى وعناوينهم وملخص بيناتهم.
(2) لا يسمح بتقديم أي مستندات أو سماع أي شهود لا يقدم بهم كشفاً وفقاً للبند (1). وواضح من صيغة النص أن يوجب إيداع كشف بأسماء الشهود الذين يراد منهم إثبات عناصر الدعوى المدعاة في العريضة والمستندات المدعمة لذات الحق. والسؤال الذي يطرح نفسه هو ما قصد المشرع من هذه الوجوب ؟
وفي هذا تنص م (6) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة سنة 1974م على الآتي:
(تفسر نصوص أي قانون بما يحقق الغرض الذي شرع من أجله ويفضل في جميع الحالات التفسير الذي يحقق هذا الغرض على سواه).
إذن فعند تفسير النصوص القانونية يفضل التفسير الذي يحقق الغرض أو الهدف الذي رمى إليه التشريع من وضع أي نص قانوني لأن الأصل في التشريع أو وضع النصوص التشريعية أنها وضعت لتحقيق أهداف ومقاصد معينة وكانت تلك المقاصد والأهداف هي الأساس والدافع لوضع ذلك النص أو التشريع.
وبالتالي يترتب على ذلك سؤال تبعي هو:
ما هي المقاصد أو الهدف الذي رمى إليه المشرع من صياغة النص أو ما الذي دعى المشرع لوضعه ابتداء وهل كان لهذا النص تطبيق تشريعي سابق في قانون الإجراءات سنة 1974م، 1929 الملغية أم أن النص هو نص تشريعي حديث وبالتالي رمى المشرع إلى استحداثه لتحقيق أغراض تشريعية وإجرائية اقتضت ذلك؟
لكي نفهم المقصد من تشريع هذا النص فلا بد من الرجوع إلى النصوص القانونية السابقة لمعرفة إن كان لهذا النص أثر قانوني أو وجود قانوني في النصوص سالفة الذكر- وبرجوعنا إلى المواد المقابلة في قانون سنة 1974م وقانون القضاء المدني سنة 1929م السابقة فنجد أن نص م (33) (1) (2) السالف ذكره لا مقابل له في تلك القوانين السابقة ويستفاد من ذلك أن نص م (33) فقرة (1)، (2) الوارد في قانون سنة 1983م هو نص مستحق ويعبر عن مقاصد ومرام جديدة أراد المشرع أن يفرضها من خلال النص التشريعي- وبالتالي فوفقا لنص م (6) من قانون تفسير القوانين سنة 1974م السالف ذكرها فلا بد عند التفسير لذلك النص المستحدث أن يكون التفسير بما يحقق الغرض الذي شرع من أجله ويفضل في جميع الحالات التفسير الذي يحقق هذا الغرض على سواه.
والسؤال الذي يطرح نفسه تبعاً لذلك هو:
ما هو الدافع الذي جعل المشرع في نصه الجديد يوجب أن يقدم كشف بالشهود والمستندات مع عريضة الدعوى وملخص بيناتهم وأن لا يسمح بتقديم مستندات أو شهود في السماع لم يردوا في الكشف المعني وأيضاً وفي ذات الوقت يلزم المشرع الدفاع في م (74) الفقرة (2) بأن يرفق كل المستندات التي سيعتمد عليها الدفاع في دفاعه المقدم ردا على الدعوى وان يحدد أسماء شهود الدفاع إن وجدوا ويلاحظ أن المشرع ينص في ديباجة م (74) يجب أن تشتمل مذكرة الدفاع على الآتي .....الخ؟)
وفي تقديري ومن استقراء السوابق العديدة قبل صدور قانون الإجراءات سنة 1983م نجد أن الشكوى من تأخير السماع وإجراءات الفصل في الدعوى ولسنوات في هذه المرحلة سببه أما عدم وضوح أسماء وعناوين الشهود أو تقديم شهود ثم استبدالهم بآخرين أو استدعاء شهود لا علاقة لهم بالنزاع أو يتضح بعد عشرات الجلسات أن الشهود المطلوبين لا فائدة منهم في السماع أو الدعوى وأن بعض الشهود تكرار لا معنى له لذات المسألة التي يكفي بها شاهداً وشاهدين أو يستغنى عن الشهود بعد عشرات الجلسات وبلا أسباب مقنعة أو مبررة لذلك الزمن الضائع والمهدور في تأجيل السماع- ويبدو أن المشرع ومن استقراء هذه المسألة العميقة للفصل الناجز في النزاع أراد أن يلزم الأطراف بالجدية في تحديد البينة والأساس الذي يعتمدوا عليه في الإثبات ليكون الأطراف على علم وبينة بما سيقدم وبصورة واضحة وجلية بما لا يسمح باستغلال إجراءات السماع لتعطيل الدعوى وبلا أي مبرر كما قصد المشرع إلى أن يكون الأطراف على درجة من الجدية في تحديد البينة المراد تقديمها حتى لا يفتح الباب للادعاء بوجود بينات جديدة إلى أجل غير مسمى.
ومن ثم فإذا كانت هذه هي مقاصد التشريع لنص م 33 فقرة (1،2) الجديد فهل قصد المشرع إلى تقييد سلطة المحكمة في أن لا تسمح بسماع أي شهود أو تقديم أي مستندات لم ترد بالكشف المعني في عريضة الدعوى أو مذكرة الدفاع؟).
وفي تقديري ورغم أن المشرع قد رمى إلى الجدية في إلزامه بتحديد البينة المطلوبة في الادعاء الوارد بعريضة الدعوى كما أنه رمى إلى الجدية في إلزامه الدفاع بتقديم البينة على ما يثيره من دفاع مقدما إلا أن المشرع بحال من الأحوال لم يرم ولم يقصد إلى تقييد سلطة المحكمة في استدعاء أي شهود أو السماح للأطراف بتقديم أي شهود لم يردوا بالكشف المعني أو أي مستندات لم تذكر في المذكرات المقدمة وينبع ذلك من عدة مسائل جوهرية يحب أن توضع في الاعتبار عند النظر في مقاصد التشريع وهي:
1/ أن الادعاء الوارد في عريضة الدعوى يكون هو الادعاء من جانب المدعى منفرداً ومرفق به كل المستندات وأسماء الشهود المراد تقديمهم لاثبات الادعاء الوارد في العريضة ومن البديهي أن يتعدل هذا الكشف أو يتغير الدليل أو الأساس الذي يرتكز عليه الإثبات الوارد بالكشف عند تقديم الدفاع لمذكرة دفاعه فمذكرة الدفاع فيها (الإقرار – وفيها الإنكار – وفيما الإقرار الجزئي والكامل. وفيها الدفوع المبدئية والتي قد تغلب كل الأساس الذي اعتمد عليه للإثبات والوارد في عريضة الدعوى فقد يصبح مستنداً معيناً أو بينة معينة غير مجدية للإقرار بها وبالتالي لا معنى لتقديم بينة حولها أو قد يفرض الدفاع على الادعاء تقديم دليل جديد نابع من الدفاع لم يرد ابتداء في الكشف المرفق بالعريضة (م 84) إجراءات.
2/ إن الإثبات في السماع يتوقف أساساً على تحديد _ (الأساس الذي ستسمع عليه الدعوى) وهو الغرض الأساسي في صياغة نقاط النزاع ألا وهو سماع الدعوى وبيناتها على هدى واضحة وتحديد نقاط النزاع قد يترتب عليه تعديل في البينة المطلوبة سواء أكانت بينة شهود أو بينة مستندات وفقاًَ لما يتطلبه عبء الإثبات على كل طرف.
3/ إن المشرع أجاز للأطراف تقديم مذكرات تكميلية (كطلب التفاصيل) أو تقديم مذكرات تكميلية لا يضاح النزاع (م 75 – 76 – 77) وهذه قد تؤثرفيما ورد بالعريضة من الشهود والمستندات بما يستوجب التعديل أو التبديل في البينة تبعاً لمجريات ذلك التعديل – كما أن المشرع أجاز للمحكمة تعديل نقاط النزاع أو إضافة نقاط جديدة في أي مرحلة من مراحل الدعوى وإلى ما قبل الحكم وهذا التعديل أو هذه الإضافة قد يترتب عليها تأثير في البينة المراد تقديمها أو تأثيره في عبء الإثبات المطلوب على عاتق طرفي النزاع وهذا بالطبع يستتبع تعديلاً في البينة المراد تقديمها سواء أكانت بينة شهود أو مستندات وهذا قد يستتبع عدم الالتزام (بالبينة الواردة في الكشف أو المستندات التي سبق تقديمها مع العريضة أو الدفاع).
4/ إن المشرع أجاز للمحكمة أن تكلف أي شخص حاضر في الجلسة أمامها بأن يؤدي الشهادة أو يقدم أي مستند في حيازته أو تحت تصرفه وقد لا تكون واردة أساساً في عريضة الدعوى أو الدفاع من (85)، (86).
5/ وفوق كل هذا يراعى أن المشرع قد منح المحكمة سلطات طبيعية واضحة في نص م 303 (فقرة (1) وفقرة (2)) لتحقيق العدالة وأن لا تتقيد المحكمة في سبيل ذلك العدل المنشود بأي قيد إجرائي وارد في نصوص هذا القانون.
إذن فباستقراء نص م 33 (2) مع باقي النصوص التشريعية لاستنباط مقاصد التشريع نجد أن المشرع لم يرم بعدم السماح في السماع بتقديم شهود أو مستندات لم ترد في الكشف الأولي مع العريضة أو الدفاع بأن يعطل أو يقيد أو يحد من سلطة المحكمة السالف مناقشتها في السماع بما يحقق العدالة بوصفها المرتكز الأساسي في التقاضي والخصومة أمام المحاكم.
ومن ثم يتبع من كل ذلك التساؤل التالي:-
ما هي الحدود التي لا يسمح فيها التشريع بتقديم بينة لم ترد بالكشف أو مذكرة الدفاع وما هي الحدود التي يسمح فيها المشرع بتجاوز ما ورد بالكشف أو مذكرة الدفاع؟.
وفي تقديري أن الإجابة تنبع من المناقشة السابقة بما يعني قراءة نص م (33)(2)، و 74 إجراءات مدنية على النحو التالي:-
لا يسمح بتقديم أي مستندات أو سماع أي شهود لا يقدم بهم كشف مع عريضة الدعوى أو مذكرة الدفاع إلا في حالة اقتناع المحكمة وبأسباب كافية بأن السماح بتقديم شهود وأسماء شهود ومستندات لم ترد بالعريضة أو مذكرة الدفاع مسألة ضرورية وعادلة للفصل في النزاع المطروح أمامها.
وأخلص من كل ذلك إلى أن نص م 33 فقرة (1) وفقرة (2) إجراءات مدنية سنة 1983 لا يمنع تقديم أي مستندات أو سماع بينة أي شهود لم يردوا في الكشف المرفق مع عريضة الدعوى أو مذكرة الدفاع طالما كان الغرض منها الفصل العادل في النزاع.
وبالرجوع إلى المسألة المطروحة أمامنا وهي مسألة بطلان إجراءات السماع التي أثارها الطاعن فإنه وتبعاً لما سلف ذكره من مناقشة فإن سماح المحكمة بسماع شهود لم يردوا بالكشف لا يبطل الإجراءات وإن كان على المحكمة في مثل هذه الحالة أن تلزم الخصم الذي يريد تقديم هذه البينة أو الشهادة التي لم ترد بالكشف أو مذكرة الدفاع أن يودع ملخصاً لهذه البينة وأن يتاح للطرف الآخر الاطلاع عليه ثم أخذ رده على الطلب ثم للمحكمة بعد ذلك أن تصدر قرارا مسببا في قبول الطلب أو رفضه ولكن وعلى الرغم من وقوع المحكمة في هذا الخطأ الإجرائي وعدم تسبيب قرارها بقبول بينة الشاهد الذي لم يرد بالكشف أرى أن هذا الخطأ لم يؤثر في صحة الإجراءات وفقاً لنص م 182 إجراءات مدنية الفقرة (2) والتي تقول:- "لا يلغى الحكم المطعون فيه أو يعدل أو تعاد القضية لاعادة إجراءات المحكمة بسب خطأ في تحديد الخصوم أو أسباب الدعوى أو بسبب خطأ في الإجراءات ما لم يكن مثل هذا الخطأ قد أثر في سلامة الحكم أو في صحة اختصاص المحكمة".
هذا من الوجهة القانونية البحتة – أما من الوجهة الموضوعية الإجرائية فالطاعن لم يثر هذا الدفع أمام محكمة الموضوع لتفصل فيه ويثيره لأول مرة أمامنا في الطعن وبالتالي فلا مجال أمامنا لقبوله في هذه المرحلة.
ثالثاً: بالنسبة للنقطة الثانية التي يثيرها الطاعن في طلبه حول:-
(مسألة المعقولية في تطبيق المادة (66) إجراءات مدنية 1983م) يركز الطاعن في هذه النقطة على (عدم معقولية الحكم) في ظرف هذه القضية وأن الإجراء المعقول (هو أن يحكم على الطاعن بمصاريف) لتغيبه عن جلسة السماع.. وفي تقديري أن (ما أثاره الطاعن له وجاهته من الوجهة الموضوعية والقانونية البحتة) فنص المادة (66) –إجراءات يقول:-
إذا تخلف الأطراف أو أحدهم في اليوم المؤجل له سماع الدعوى يجوز للمحكمة أن تصدر ما تراه مناسباً من أحكام أو أوامر.
والنص واضح فيه أنه يضع السلطة التقديرية في الإجراء المعني وهو ما يرتكز فيه الطاعن حول (مسألة ما هو الإجراء المعقول اتخاذه حسب تقدير المحكمة في كل حالة) معروضة. فالنص يرتكز على ثلاث حالات:-
أولاً: غياب كل الأطراف الخصوم في الدعوى.
ثانياً: غياب المدعي.
ثالثاً: غياب المدعى عليه.
وبالتالي فكل حالة تعامل على حدة وحسب ظروف الدعوى ودور الطرف الغائب فيها وسبب غيابه ومع ملاحظة أن المشرع قرن الغياب (بالجلسة المحددة أو المؤجل لها السماع) بمعنى أن الجلسة المحددة ذات أهمية بالغة في التقدير الذي تتوصل إليه المحكمة وفي تحديد مدى معقولية القرار سواء أكان بالحكم أو الأمر المناسب.. ومن وجهة أخرى فالنص يجوز للمحكمة في إطار معقولية التقدير في كل حالة على ضوء ظروف وإجراءات كل دعوى ودورالطرف الغائب في التأثير في مجرياتها والحسم فيها في اتخاذ إجراءين:-
الأول: إصدار الحكم ضد الطرف الغائب.
الثاني: إصدار الأمر الذي تراه معقولا ومناسباً بدلاً من الحكم.
وبالنظر في الإجراء الأول وهو الحكم على الطرف الغائب فهو يستتبع مسألتين الأولى أن يكون الطرف الحاضر قد قدم من البينات ما يكفي للحكم له أو عليه بمعنى أن الغياب وحده وإن كان مبرر لإصدار الحكم إلا أن الحكم الصادرة نفسه لا بد أن يرتكز على بينة كافية ومعقولة للحكم لصالح الطرف الحاضر أو ضده أما الإجراء الثاني وهو إصدار الأمر المناسب فمعناه أن المحكمة لم تجد مبرراً لإصدار الحكم وقد يكون هذا سببه عدم حضور بينة الطرف الحاضر أو أن واقع المحضر وإجراءاته يبرر منح الطرف الغائب فرصة أخرى معقولة لسماع الدعوى وهذه مسألة كما أسلفنا يتحكم فيها مجريات إجراءات الدعوى ودور الطرف الغائب في التأثير في الإجراءات أو تعطيل الدعوى أو تعويق إصدار حكم عادل فيها –(والأمر المناسب) المعني في هذه المادة يعني ابتداء:

أولا:

عدم الحكم وضرورة تأجيل السماع لجلسة أخرى يعلن لها الطرف الغائب.

ثانياً:

أنه من المناسب سماع الدعوى في غيابه مع حرمانه من فرصة استجواب أو مناقشة ما سمع من شهود أو ما قدم من بينة أخرى وتأجيل السماع على ضوء ذلك إلى جلسة أخرى يعلن لها. أو أنه من المناسب تعليق الدعوى وعدم السير في إجراءاتها.

ويلاحظ في هذه المناقشة أن مسألة (المعقولية أو الإجراء المناسب) قد نصت عليها أيضاً م (70) إجراءات سنة 1983م بقولها:

يجوز للمحكمة عند الضرورة في أية مرحلة من مراحل التقاضي وبالشروط التي تراها مناسبة فيما يتعلق بالمصروفات أن تأمر:

أ/ تأجيل سماع الدعوى من وقت لآخر لآجال قصيرة ومعقولة.

ب/ مد الميعاد المعين للقيام بأي جراء سواء أكان ذلك قبل أو بعد انقضاء الأجل المحدد بموجب هذا القانون بأمر المحكمة.

وتبعاً لذلك يثور التساؤل التالي:

هل كان الحكم الذي أصدرته المحكمة تبعا لسلطتها التقديرية متنافياً مع قاعدة المعقولية التي تتطلبها المادة (66) إجراءات مدنية ؟ وهل كان إصدار الحكم هو الإجراء المناسب والمعقول؟

بالرجوع إلى المحضر نجد الآتي:

صرحت الدعوى في 21/1/1989م وفي جلسة 1/2/1989م أعلن المدعي عليه وقدم دفاعه في جلسة 16/2/1989م وقدم كشفاً بشهوده ومستنداته في 22/2/1989م بناء على أمر من المحكمة وفي هذه الجلسة غاب المدعي ومحاميـه وحضر محامي الدفـاع ثم حددت نقاط النزاع لجلسة 27/2/1989م وحضر محامي المدعى عليه في اخرها وعلم بجاسة 23/3/1989 م المحددة للسماع وفي جلسة السماع حضر محامي المدعي وغاب المدعى والمدعى عليه ومحاميه وحيث لم تدفع رسوم السماع أجل مرة أخرى وحضر محامي المدعى عليه في نهاية هذه الجلسة ثم حددت جلسة 30/3/1989م لوجود مساع للتسوية بين الطرفين. ثم حددت جلسة 5/4/1989م لتحديد موعد للسماع وأعيد الإعلان لعدم إعلان المدعى عليه ومحاميه وفي جلسة 28/4/1989م حضر محاميا الطرفين ثم علقت الدعوى للاستعلام لسبب غير واضح بالمحضـر – وحركت باستعلام في 26/6/1989م وحددت جلسة 29/7/1989م للسماع وأجل لعدم دفع الرسوم وتم تحديد موعد آخر للسماع في 29/8/1989م بحضور محاميا الطرفين والمدعي بعد دفع الرسوم وفيها سمعت دعوى المدعي ثم أجل السماع إلى 23/9/1989م للقرار حول الدفع الذي أثاره الدفاع في السماع وصدر القرار في غياب المدعى عليه ومحاميه ثم علقت الدعوى في 30/9/1989م لغياب الأطــراف - ثم حركت في 9/10/1989م لجلسة 18/10/1989م بموجب استعلام وأجلت باتفاق الطرفين ولم تظهر الدعوى في الجلسة التالية لأن القاضي لم يحــدد جلسة وعليه حرك الدعوى باستعلام لجلسة 28/11/1989م لتحديـد موعد للسماع وأجل السماع لغياب محامي المدعى عليه وبناء على طلب محامي المدعي حددت جلسة 19/12/1989م وسمعت بقية دعوى الادعاء ثم حددت جلسة 27/1/1990م لدعوى الدفاع وهي الجلسة التي قفلت فيها الدعوى لغياب المدعى عليه ومحاميه وعدم إرشادهم عن الشهود ثم صدر الحكم في 10/2/1990م بحضور محاميا الطرفين.

ومن السرد السالف ذكره يتضح من مجريات الدعوى أن المدعى عليه لا ينم سلوكه عن تعطيل واضح – للدعوى أو السماع وبتالي كان بالفعل الإجراء المعقول في حقه منحه فرصة أخيرة للسماع. ولكن السؤال الهام في نظري هو هل للطاعن بالفعل بينة حول نقاط النزاع تقتضي العدالة أن تتاح له فرصة إثباتها وأرى أن الإجابة بالنفي فالنزاع يدور حول ادعاء من جانب المدعي بانتهاء العقد بالإنذار وبأنه انذر المدعي عليه والذي ينكر ذلك إنكارا مطلقا وبالتالي فعبء الإثبات وقع كله على المدعي ولم يقدم المدعى عليه في دفاعه ما يبرر السماح له بإثبات (إنكاره المطلق) هذا بالإضافة إلى أن المدعى عليه قدم (كشفاً بشهود بلا عناوين) ولم يذكر في طلبه حتى مجرد كيفية إعلانهم وحيث ألقى المدعى عليه كل عبء الإثبات على المدعي وقد قدم بينة كافية حول ذلك لا أجد ما يبرر إلغاء الحكم و إعادة الدعوى للسماع وفقاً لنص م 182(2) إجراءات السالف ذكرها وبالتالي لا أجد في قرار محكمة الاستئناف ما يعيب من الوجهة الإجرائية أو القانونية وعليه لا أجد ما يبرر نقضه ومن ثم أرى تبعاً لكل ما تقدم شطب الطلب برسومه..



القاضي: أحمد محمد بشير القاضي :محمد الامين مختار

لتاريخ: 29/9/1991م التاريخ:5/10/1991م

أوافق. أوافق.

19/02/2022

علي القاضى أن يكون محايد

(فى قضية تجمع صحافيي

نبراسكا ضد القاضي ستيوارت Nebraska Press Assoc. v. Stuart, 427 U.S. 539 (1976), والتي تتلخص وقائعها فى أنه عقب وقوع جريمة بشعة فى بلدة صغيرة قدم المدعى العام في البلدة طلباً مشتركاً مع محامى المتهم إلى قاضي محكمة المدينة ليصدر أمراً يحدد فيه المسائل التى لايجوز نشرها، أو إذاعتها للجمهور، لأن الجو السائد كان ينذر بنشر مكثف لأخبار متحيزة ضد المتهم ، مما يؤثر على قناعة المحلفين، وبالتالى سيؤثر سلباً على إمكانية إجراء محاكمة عادلة. وقد إستجاب القاضى للطلب.)............................
القاضي وشبهة التحيز

بالنسبة للقاضي الفرد فإن طبيعة عمله، تتطلب منه أن يكون محايداً وغير متحيز لطرف من الأطراف. القضاة ليسوا مثل معظم المواطنين الآخرين فلهم وضعهم الخاص، ويمارسون سلطات خاصة. وهذا الوضع وهذه السلطات تؤثر حتما على ما يمكن لهم، وما ينبغي عليهم أن يفعلوه خارج عملهم القضائي. ومن الإعتبارات الهامة التي تحكم ذلك، ما تفرضه طبيعة عملهم والتي تقوم على الفصل في الخصومات، من ضرورة أن يحافظوا على حيادهم، ليس فقط كحقيقة موضوعية، بل على الأخص، على حيادهم في نظر الجمهور. لأنه بمجرد أن يكون الموقف من شأنه أن يجعل المراقب العادي في حيرة من أمره، فيما يتعلق بالحياد الصارم للقاضي في المسائل المعروضة أمامه للفصل فيها، فإن ذلك من شأنه أن يؤثر سلباً على ثقة الجمهور في القاضي.

تنص القاعدة الثامنة عشر من قواعد سلوك القاضي الاسترالية، على أنه ” من المصلحة العامة أن يشارك القضاة في حياة المجتمع، وشؤونه، حتى يظلوا على تواصل مع المجتمع ويحق لهم ممارسة الحقوق والحريات المتاحة لجميع المواطنين، ومن ضمنها الحق في التعبير. ولكن من الناحية الأخرى فإن منصب القاضي يجلب معه بعض القيود وبقبول التعيين في المنصب يوافق القاضي على قبول تلك القيود”.

في دعوى مجلس مدينة نيوكاسل ضد ليندساي ، تم الدفع بواسطة أحد الأطراف برد القاضية بسببب التحيز لأنها نشرت مقالاً علقت فيه على أحكام محكمة استئناف نيوساوث ويلز حول مسؤولية السلطات العامة عن الحوادث على الطرق السريعة والمسارات العامة، ذكرت فيه أنه من الصعب التوفيق بين أحكام المحكمة وبين قرارات المحكمة العليا”. إستند الدفع على أن القضية تقوم على ادعاءات بإهمال مجلس محلي في المنطقة التي كتبت عنها القاضية. قررت القاضية أن مقالها يظهر أنها لا تملك “عقل خال” تجاه موضوع الدعوى، ولكنه لا يظهر أنها لا تملك “عقل مفتوح”تجاهه. وقد أيدت محكمة االستئناف قرار القاضية برفض ادعاء التحيز بسبب أن مقالاتها عبرت عن “انتقادات خفيفة” لقرارات الاستئناف الأخيرة، ولكنها لم تستخدم لغة “تعبر عن رأي متشدد أو متخندق ضدها ” ولم تعبر عن رأي مؤيد لأي طرف من الأطراف في مثل هذه الدعاوي. ورأت محكمة الإستئناف أن اللغة المعتدلة والتحليل المتوازن للقاضي يجعلها تقرر أن ذلك التعليق لم يكن حتى قريبا من الدرجة المطلوبة من الحكم المسبق لتأسيس التخوف من التحيز

السلطة القضائية وتفسير القانون

وأول ما يتطلب من القاضي حين يتعرض لقانون، وتفسيره، ومدى صحة تطبيقه، خارج عمله القضائي، أن لا يحاول أن يُكسِب رأيه ثقلا من واقع منصبه القضائي. وهذا ما أوضحه السيد رئيس القضاء الأسترالي “جليسون” حين ذكّرالقضاة بأنه حين يكتبون في مسألة عامة بصفتهم الشخصية عليهم أن يوضحوا أنهم يتحدثون بصفتهم الشخصية، لأن “الاحترام والوزن” الذي تحظي به الآراء التي يعرب عنها القضاة، هو إحترام أساسه “الفهم السائد في المجتمع والذي يربط بين ما هو قضائي، مع ما هو غير متحيز “، واستمر قائلا “القضاة كمواطنين لهم الحق في حرية التعبير،وقد تكون هناك ظروف يكون فيها من واجبهم أن يتكلموا ضد ما يعتبرونه ظلم. ولكن أن يستخدموا سلطة القضاء دعما لقضية ما، قد يقوض الأساس الذي تقوم عليه هذه السلطة.

Chief Justice Murray Gleeson,The Rule of Law and the Constitution (ABC Books, 2000) 129

ولكن مولانا خالد يتحدث بالفعل بإسم السلطة القضائية، وهو ما يجعل القضاء بأسره مدافعاً عن رأي معين في مواجهة كل من يحمل رأياً مخالفاً، وذلك في حد ذاته مخالف لأسس العمل القضائي. فالسلطة القضائية أولا ليس لها رأي موحد في المسائل ذات الطبيعة العامة، وإن جاز لأفرادها أن يكون لهم مثل ذلك الرأي، ولهم الحق قي أن يعبروا عن ذلك الرأي وفق شروط معينة، أولها أن يكون ذلك بصفتهم الشخصية وليست نيابة عن السلطة القضائية. فالقاضي ليس طرفاً في أي مجادلة بصفته القضائية، وإن جاز له أن يدخل بصفته الشخصية في أي جدل يرى أنه يستحسن أن يعبر عن رأيه فيه، ولكنه يجب في هذه المسألة أن يكون واضحاً في أنه يعبر عن رأيه الشخصي من ناحية، وهذه مسألة لا خلاف حولها، وأن لا يكون ذلك الرأي من ناحية أخرى من شأنه أن يجعله منحازاً لأحد أطراف العمل السياسي، ولا أن يضعه في موقف يفقده حياده إذا عرضت عليه المسألة في خصومة قضائية. وإذا كان من الأهمية بمكان ألا يعتمد القاضي حين يدلي برأيه الخاص في نقاش خارج إطار عمله القضائي على منصبه ليمنح ذلك الرأي وزناً بسبب إرتباطه في ذهن الجمهور بحيدة القضاء، فإن الحديث بإسم السطة القضائية لإبداء الرأي في مسألة عامة يجوز أن تعرض أمام القضاء للفصل فيها، تصبح خطورته أبعد مما يمكن أن تصفه الكلمات. إذا كان الموقف الحاد الذي يأخذه القاضي الفرد قد يجعله غير مؤهل للفصل في خصومة قضائية معينة، فما بالك وقد إتخذت السطة القضائية بأكملها رأيا حادا في مسألة قد تعرض لها في خصومة قضائية وهي على درجة كبيرة من الأهمية كما سيظهر لنا.

ما هو الهدف من البيان

جاء في البيان مايلي:- “لعل المتابع للإعلام قد لاحظ أن ثمة ظاهرة قد استجدت في وسائل الإعلام المقروء وهي تناول أحكام القضاء بلاذع من القول تجاوز متون الأحكام ليطال القضاة أنفسهم. وقد ظلت إدارة السلطة القضائية تراقب الأحداث في صمت ، غير أن ذلك الصمت قد أغرى بالمزيد ، وظن من يكتب و يسئ أنه يمارس حقه ولا رقابة عليه في ذلك بل أن الصحف قد أترعت بنشر و تناول الأحكام القضائية ولما تزل قيد النظر أمام المحاكم الأعلى و نوضح في هذا السياق أن تناول الأحكام والتعليق عليها خلال سير المحاكمة أمر محظور بموجب المادة 26/1 هـ من قانون_الصحافة والمطبوعات لسنة 2009م أما القضاة فقد اصبحوا اغراضا لسهام الذين حالت الأحكام بينهم وبين ما يشتهون”

والبيان في مجمله يهدف لأمرين الأول هو منع الإعلام من التعليق على أحكام المحاكم خلال سير المحاكمة، أو أثناء نظرها أمام السلطة الإستئنافية، والثاني هو منع التعرض للقضاة بلاذع القول. غني عن البيان أن المسألتين هما من المسائل التي قد تعرض على المحاكم في خصومة قضائية.

حسم مسألة قضائيا خارج نطاق العمل القضائي



بالنسبة للإشارة للمادة 26 (1) (هـ) فإنها إشارة تحمل كثيراً من المتاعب، فالمادة نفسها مثقلة بالشك في دستوريتها، ورغم ذلك فإن البيان أضاف لها ما ليس فيها، فذكر أنها تحظر تناول الأحكام القضائية، وهي لا تفعل ذلك، بل تحظر فقط التعليق عليها. ولم يكن في الأمر مشكلة لو عرض مولانا خالد حمزة هذا الرأي بإسمه في ورقة علمية، أو مجلة قانونية، ولكن المشكلة تأتي بأن هذا الرأي جاء في بيان بإسم السطة القضائية وموجه للجمهور، ألا يعني ذلك أن القضاء هو على قلب رجل واحد في إدانة كل من يتناول الأحكام أو يعلق عليها إلا بعد الفصل فيها بصفة نهائية؟ وهذا يعني أن قراراً قضائياً قد إتخذ خارج ساحات المحاكم، بغض النظر عن صحته، فما هو السبيل للطعن فيه؟ أنا لا أعتقد أن ما حمله البيان من الناحية الموضوعية صحيح. بل إنني أرى أن التعليق على أحكام المحاكم قبل صدور الحكم النهائي فيها إذا كان يستهدف الصالح العام هو عمل لا غبار عليه، وهو ممارسة صحيحة لحق دستوري، فهل يا ترى ما زال هنالك جدوى من إثارة ذلك في خصومة قضائية؟ عندما يتحدث القاضي خارج عمله القضائي فإن ذلك يحمل خطورة الإعتقاد بأن هذا الرأي الذي تم التعبير عنه سيتم تطبيقه في أي دعوى ينظرها القاضي متعلقة بذلك الأمر، فما بالك إذا كان القاضي لا يتحدث عن رأيه الخاص بل يتحدث عن رأي السلطة القضائية، هل يعني ذلك أن السطة القضائية عن بكرة أبيها قد حسمت أمرها وقررت أن تناول أحكام القضاء قبل صيرورتها نهائية يخالف المادة 26 (1) (هـ) من قانون الصحافة والمطبوعات ويعرض صاحبها للعقاب بموجب ذلك القانون؟ وماذا عن دستورية المادة؟ هل حسمت السطة القضائية عن بكرة أبيها هذه المسألة، وهي لم تتم إثارتها بعد أمامها؟ وهل يحل ذلك البيان محل سابقة نهائية صادرة من المحكمة العليا يقضي بذلك. فلنتناول هنا مسألة دستورية تلك المادة لنر كيف تدخل البيان في مسألة هامة ما زالت تحتاج للحسم بواسطة قاضٍ جالس في المحكمة، يمارس إختصاصه القضائي، في مسألة عرضت عليه بتلك الصفة.

دستورية القيود على النشر الصحفي

” من المؤلم أن يجد شخصاً قضى عمره في خدمة الناس،أنه من المتعين عليه أن يفقد راحة باله لأن شخصاً ما قرر أن يحاكمه في صحيفة، ولكن للأسف لايوجد علاج لذلك الشر. فحريتنا تعتمد على حرية الصحافة، والتى لايمكن أن نحد منها دون أن نفقدها كليةً” جيفرسون

المادة 126 (1) (هـ) تحظر النشر في مسائل معينة وهي بذلك تضع قيود على على حرية الصحافة والتي تلزم المادة 39 فقرة 2 من الدستور الدولة بفروعها الثلاث بأن تكفلها وفقاً لما ينظمه القانون في مجتمع ديمقراطي. والتنظيم لا يجوز أن يصل إلى مصادرة حرية الصحافة أو الإنتقاص منها (م 27 (4)) من الدستور.

مسألة التعليق على القضايا قيد النظر، تحكمها في المجتمعات الديمقراطية نظرتان ففي حين يأخذ القانون الإنجليزى موقفاً متشدداً من مسألة التعليق على الإجراءات القضائية، نجد ان القانون الأمريكي القانون أقل تشددا. المسألة تقع بين حقين الأول هو الحق في المحاكمة العادلة، والثاني هو حرية الصحافة وتلقي المعلومات. أخذ القانون الأمريكي موقفا متوازنا يحترم الحق في المحاكمة العادلة دون أن يهدر حرية الإعلام ويظهر ذلك في السابقة الشهيرة نبراسكا ضد القاضي ستيوارت

نبراسكا ضد القاضي ستيوارت

فى قضية تجمع صحافيي نبراسكا ضد القاضي ستيوارت Nebraska Press Assoc. v. Stuart, 427 U.S. 539 (1976), والتي تتلخص وقائعها فى أنه عقب وقوع جريمة بشعة فى بلدة صغيرة قدم المدعى العام في البلدة طلباً مشتركاً مع محامى المتهم إلى قاضي محكمة المدينة ليصدر أمراً يحدد فيه المسائل التى لايجوز نشرها، أو إذاعتها للجمهور، لأن الجو السائد كان ينذر بنشر مكثف لأخبار متحيزة ضد المتهم ، مما يؤثر على قناعة المحلفين، وبالتالى سيؤثر سلباً على إمكانية إجراء محاكمة عادلة. وقد إستجاب القاضى للطلب.

قدمت عدد من الصحف ووكالات الأنباء والصحفيين إلى المحكمة الجزئية طلباً بإلغاء أمر الحظر . سمعت المحكمة الطلب ، وأمرت بأن يظل الحظر قائماًحتى إختيار المحلفين.

تقدم تجمع الصحفيين بطعن للمحكمة العليا في نبراسكا ضد ذلك القرار، فقامت بتعديل الأمر بحيث إقتصر المنع على نشر محتوى الإعتراف الذى أدلى به المتهم للشرطة ، أو أى تصريح يكون المتهم قد أدلى به لأى شخص عدا مندوبى الصحف عن تورط المتهم في الجريمة، وأى وقائع أخرى من شأنها إثبات تورط المتهم في الجريمة . وهذا الأمر أيضاً ينتهى مفعوله بإختيار المحلفين والذين تم إختيارهم بالفعل في يناير 1976 ،وقد تقدم تجمع الصحافيين بطعن ضد حكم المحكمة العليا في نبراسكا إلى المحكمة العليا الإتحادية .



ذهبت المحكمة العليا إلى ذكر عدد من الدعاوى التى قررت فيها إعادة المحاكمة عندما تبين لها أن موجة النشر المعادى للمتهم كانت من الضخامة بحيث أهدرت حقه في المحاكمة العادلة، ولكنها أكدت أن ذلك لا يعنى قبول الحظرالمسبق للنشر، و وذكَّرت بما قالته في دعوى وثائق البنتاجون من “أى نظام للحظر المسبق للنشر يأتى لهذه المحكمة مثقلاً بإفتراض عدم دستوريته ” وذكرت أن موقف المحكمة العليا الثابت في هذا الصدد، هو أن الحظر المسبق للتعبير والنشر، هو أكثرأشكال الإخلال بحق التعبير وحرية الصحافة خطورةً، وأقلها قبولاً من جانب المحكمة .

ودور الصحافة في إصلاح العدالة الجنائية لايجب تجاهله، فالصحافة لا تنشر فقط وقائع المحاكمات ،ولكنها توفر الحماية ضد إجهاض العدالة بإخضاعها للشرطة والنيابة والإجراءات القضائية للرقابة والنقد العلنى، وذلك يوفر المحاكمة العادلة للمتهم وقالت “إن ما نعلمه من التجارب التعيسة للأمم الأخرى التى سمحت للحكومات أن تتدخل في مسألة ما تنشره الصحافة ما يجعلنا نشعر بالإرتياب من أى محاولة للحكومة لأن تضع نفسها في محل من يتولى تحرير صحافة هذه الأمة “

وقد رأت المحكمة العليا أن القاضى كان محقاً حين توصل لأن النشر المتوقع عن هذه الجريمة البشعة قبل إختيار المحلفيين من شأنه أن يمثل خطراً على حق المتهم في المحاكمة العادلة، ولكن المحكمة لم تبحث الوسائل البديلة لأمر الحظر، والتى يمكن أن توفر للمتهم المحاكمة العادلة مثل نقل المحاكمة لموقع أقل تعرضاً للحملة الصحفية، والإختيار المدقق للمحلفين، وغيرها من الوسائل التى تضمن حياد المحلفين، ولما كان الحظر المسبق للنشر لايكون مقبولاً حتى ولو كان مؤقتاً مالم يكن هو الوسيلة الوحيدة لمنع التأثير على المحلفين، فإن المحكمة تكون قد أخطأت حين لم تتعرض لتلك الوسائل البديلة قبل القفز إلى حظر النشر، مع خطورة الحظر لما فيه من تجميد لحق التعبير. وقد لاحظت المحكمة أيضاً أن ظروف الدعوى لا تشير إلى أن حظر النشركان سيؤدى الغرض منه ،لأن الجريمة قد لفتت نظر وسائل الإعلام القومية وليس المحلية فقط، والقاضى الذى أصدر الأمر ليس له ولاية على تلك الوسائط التى تصدر خارج الولاية، مما يجعل الحظر عديم الجدوى لعدم سريانه على الصحف ومحطات الإذاعة والتلفزيون التى تصدر أو تبث من خارج الولاية ، مع أن ماتنشره قد يؤثر على المحلفين . كذلك فإن بلدة صغيرة بحجم البلدة محل الجريمة غالباً ماتنتقل الأخبار فيها عن طريق تبادلها بين الأهالى مباشرةً ولا أثر لمنع النشر على ذلك.

معنى ضرورى لمجتمع ديمقراطى

بالنسبة للقانون الإنجليزي فقد كان قانون إزدراء المحكمة لعام 1979 يأخذ موقفا متشددا من مسألة النشر الإعلامي حين يتصل بالإجراءات القضائية قيد النظر حتى تعرضت له محكمة حقوق الإنسان الأوروبية فأسقطته. لأنه يسمح بقيد غير ضروري لمجتمع ديمقراطي.

شرحت محكمة حقوق الإنسان الأوروبية معنى تعبير ضرورى لمجتمع ديمقراطى فى دعوى سنداى تايمز ضد المملكة المتحدة والتى تكتسب أهمية خاصة لأنها تتصل بممارسة السلطة القضائية لسلطتها.تتلخص الوقائع في أن بعض النساء واللائى إستخدمن دواءً سوقته شركة للادوية أثناء فترة الحمل قد وضعن اطفالاً مشوهين .بدأ أباء هؤلاء الاطفال اجراءات تقاضي ضد الشركة و قامت السنداى تايمز بحملة لمساعدة اولئك الآباء حاولت ضمنها نشر مقال حول تاريخ الإختبارات التي أجريت على الدواء وصناعته وتسويقه، ولكن النائب العام نجح في إستصدار امر من المحكمة العليا High Court بمنع نشرالمقال بدعوى انه سيشكل إزدراء بالمحكمة. ألغت محكمة الإستئناف ذلك الأمر إلا أن محكمة مجلس اللوردات اعادت العمل به . تقدمت الصحيفة بشكوى لمحكمة حقوق الإنسان التي قضت بانه رغم أن التقييد لحرية الطاعنين قد تم وفق قانون يمنع النشر الذي من شأنه ان يؤثر على المحكمة وأن محكمة اللوردات تدخلت بمنع النشر بغرض حماية سلطة القضاء وهو هدف مشروع إلا أنه لكي يصح التدخل يجب بالإضافة لذلك أن يكون ضرورياً لمجتمع ديمقراطي. وكلمة ضروري لا تعني انه لايمكن الاستغناء عنه كما وأنها لا تنطوي على المرونة التى تحملها تعابير “غير مسموح به “او “عادي” او “مقيد” ولكنه تعبير يتضمن وجود حاجة إجتماعية ملحة Pressing social need بالإضافة لأنه يلزم أن يكون التدخل متناسباً مع الغرض المشروع منه وأن يكون السبب الذي أبدته السلطة لتدخلها متعلق بالإعتبارات المذكورة في المادة وكاف بالنسبة لها . بتطبيق تلك المعايير توصلت المحكمة إلى أن المقالة نفسها كانت معتدلة ولم تورد وجهة نظر واحدة وبالتالى فإنها لم يكن من شانها إحداث تأثير سلبي على السلطة القضائية. ولاحظت المحكمة أن المحاكم لا تعمل في فراغ فكون أن المحاكم هى المختصة بالفصل فى النزاعات لا يعنى عدم جواز مناقشة تلك النزاعات في مواقع أخرى . لقد كان الدواء موضوع الدعوى محل اهتمام عام والمادة العاشرة لم تمنح فقط حرية الصحافة فى نشر المعلومات بل أيضاً حق الرأي العام في تلقي المعلومات بشكل صحيح. على ضوء كل ذلك فان التدخل لم يكن بسبب حاجة اجتماعية ملحة تفوق مصلحة الناس عموماً في حق التعبير وبالتالي لم يكن متناسباً مع الهدف المشروع المراد تحقيقه ولم يكن ضرورياً لمجتمع ديمقراطي حتى يصون سلطة القضاء .

عقب ذلك سن برلمان المملكة المتحدة قانون إزدراء المحكمة لعام 1981 ويتمثل الهدف الرئيسي لذلك القانون في حماية سلامة إجراءات المحاكم قيد النظر، دون أن يخل بحرية الصحافة وفإقتصر التجريم على نشر معلومات من شأنها الإضرار بسير العدالة في دعاوي قيد النظر. قررت المادة 5 من ذلك القانون أنه لا يجوز اعتبار النشر الذي يجري كليا أو جزئيا ضمن مناقشة بحسن نية للشؤون العامة أو غيرها من المسائل ذات المصلحة العامة ازدراء للمحكمة إذا كان إحتمال إعاقة إجراءات قانونية معينة قيد النظرأو الإخلال بها هو مجرد نتيجة عرضية للمناقشة. كما منح وزير العدل وحده سلطة فى مباشرة الإتهام إلا أن القانون واجه إننقادات حادة لأنه يفترض أن المحلفين يجب أن يأتوا إلى المحكمة بذهن خال من المعلومات، وهو إفتراض خيالي وغير مفيد ،لأن المحلفين هم أشخاص قادرون على تقييم ما يقرأون. وقد هاجم الصحفي المعروف أندرو نيل في صحيفة الجارديان ذلك القانون ، وذكر أنه غير مستعد لأن يقرر له لورد جولد سميث (وزير العدل آنذاك) ما يجوز له وما لا يجوز له أن يقرأ.

وهكذا نرى أن مسألة نشر إجراءات المحاكم والتعليق عليها هي مسألة خلافية وأن الماد 26 (1) هـ من قانون الصحافة لا تُعالَج بالبيانات بل يحسن أن يُترَك تفسيرها وتطبيقها للمحاكم، حين تباشر عملها القضائي بالفصل في الخصومات

Address

ام درمان غرب مجمع محاكم جنايات امبدة
Omdurman

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when مكتب الاستاذ حمزة احمد كابوس للمحاماة والاستشارات القانونية posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Share